2008/09/14 | 0 | 763
أبو طالب وعيٌ عقدي ومحورٌ إسلامي
المنطلق العقدي.
أبو طالب (ع) لم يكن حصناً منيعاً للنبي (ص) ودعوته بدافع القرابة باعتباره عماً للنبي (ص)، لأنه يشترك مع أبي لهب في درجة القرابة، وإن تباين موقفهما، بل إنّ أبا لهب كان مع رؤساء قريش في خط المواجهة ضد النبي (ص)، ولو كان يمكنه تسليمه لقريش لتقتله لما توانى في ذلك، ولو كان دفاع أبي طالب عن النبي (ص) لوصية عبد المطلب فلا يصل الأمر أن يفدي أبو طالب النبي (ص) بأبنائه، فينامون على فراشه حفاظاً عليه كما سوف يتبين فيما بعد، ولا يقبل عاقل أنّ شخصاً يُقدّم ابن أخيه على أبنائه ليقتلوا بدلاً عنه من أجل وصية أبيه فقط، بل كيف يُتصور أن يكون أبو طالب كافراً ويدافع بضراوة عن عقيدة غير عقيدته ويستميت في ذلك حتى لو فقد وجهاته ومنصبه وعلاقاته بمجتمعه؟!
إذن لابد أن يكون هناك دافع آخر لأبي طالب لحماية النبي (ص) ودعوته، وهو المنطلق العقدي، الذي عبّرنا عنه بالحاجة في نفس أبي طالب أخفاها، ولو تتبعنا التأريخ لا نجد شخصية تدافع وتضحي في الدفاع عن عقيدة أو مبدأ أو نظرية وهي لا تؤمن بها، فدفاع أبي طالب (ص) عن النبي (ص) ناشئ من قبول لديه لما يطرحه (ص) ، ومجموع مواقفه تشكل دليلاً عقلياً على قبوله بدعوة النبي (ص) على الحد الأدنى، وعندما يقبل إنسان عقيدة ويعتقد بحقانيتها فهل يعتنقها أو يتركها؟!
شواهد تأريخية على إيمان أبي طالب.
هناك شواهد تأريخية كثيرة تؤكد أنّ أبا طالب (ع) كان معتقداً ومعتنقاً دعوة النبي (ص)، وهذه الشواهد تُؤلف دليلاً نقلياً على إيمانه:
الأول: أشعاره الكثيرة التي تربو على ثلاثة آلاف بيت في حقانية النبي (ص) ودعوته على ما ذكره ابن شهراشوب، منها قوله (ص):
|
وهذا بيت من قصيدة ذكرها ابن هشام في سيرته[1] ، وذكر هذا البيت ابن كثير مع حدود تسعين بيتاً في تاريخه [2] ، وقال: «هذه قصيدة عظيمة بليغة جداً لا يستطيع يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعها»، وأيضاً قال أبو طالب:
يا شاهد الله عليَّ فاشهد أني على دين النبي أحمد[3]
وقال (ص)[4] :
|
وفي أبيات أخرى يقول[5] :
|
وقد أخرج ابن الأثير: أنّ أبا طالب رأى النبي (ص) وعلياً يصليان وعليٌ على يمينه، فقال لجعفر (ع): صل جناح ابن عمك، وصلِّ عن يساره[6] . وقال في حض أخيه الحمزة لاتباع النبي (ص) ونصرته[7] :
|
وقال البرزنجي: تواترت الأخبار أن أبا طالب كان يحب النبي (ص) ويحوطه وينصره ويُعينه على تبليغ دينه ويُصدقه فيما يقوله؛ ويأمر أولاده كجعفر وعلي باتباعه ونصرته[8]] .
الثاني: أخرج أبو بكر الشيرازي في تفسيره: أن النبي (ص) لما أُنزل عليه الوحي أتى المسجد الحرام وقام يصلي فيه، فاجتاز به علي (ع) وكان ابن تسع سنين، فناداه: «يا علي إليَّ أَقبِل»، فأَقبل إليه مُلبياً، فقال له النبي (ص): «إني رسول الله إليك خاصة وإلى الخلق عامة فقف عن يميني وصلِّ معي»، فقال: «يا رسول الله حتى أمضي وأستأذن أبا طالب والدي»؛ فقال له: «اذهب فإنه سيأذن لك»، فانطلق إليه يستأذنه في اتباعه، فقال: يا ولدي تعلم أنّ محمداً أمين الله منذ كان، اِمضِ إليه واتبعه ترشد وتفلح[9] . فهل يعقل أن يدعو أب ابنه لاعتناق دين فيه الرشد ولا يتبعه وهو يعتقد أنّ النبي (ص) أمين الله؟!
الثالث: قال ابن كثير: فكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله «صلى الله عليه وسلم» فاضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد به مكراً واغتيالاً له، فإذا نام الناس أَمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه فاضطجعوا على فراش رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وأمر رسول الله «صلى الله عليه وسلم» أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه[10] ، فهل هناك من يضحي بابنه من أجل ابن أخيه إلا إذا كان ذلك عن عقيدة راسخة يؤمن بها؟!.
الرابع: سئل الإمام السجاد (ع( عن أبي طالب أكان مؤمناً؟ فقال (ع): «نعم». فقيل له: إنّ هاهنا قوماً يزعمون أنه كافر. فقال (ع): «واعجباً كل العجب أيطعنون على أبي طالب وعلى رسول الله (ص)؟! وقد نهاه الله تعالى أن يَقُرَ مؤمنة مع كافر في غير آية من القرآن، ولا يشك أحد أنّ فاطمة بنت أسد «رضي الله تعالى عنها» من المؤمنات السابقات، فإنها لم تزل تحت أبي طالب حتى مات أبو طالب (ع)»[11]11] . وهذا من الأدلة القوية على إيمان أبي طالب، لأنه لو كان كافراً لما أبقى النبي (ص) فاطمة بنت أسد ولسعى للتفريق بينهما كما فعل مع زينب «بنت النبي أو ربيبته بحسب الاختلاف فيها» زوجة أبي العاص بن الربيع عندما أسلمت وأصرّ زوجها على الشرك ففرّق (ص) بينهما ثم أرجعهما بعد إسلام أبي العاص.
حديث الضحضاح.
ذكر البخاري عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: قلت للنبي (ص) ما أغنيت عن عمك فانه كان يحوطك ويغضب لك. قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل[12]12] . وغيرها من الروايات بهذا اللفظ أو المعنى، فبعد غض النظر عن السند، يمكن مناقشة مضمون الحديث في كونه مخالفاً للآيات والروايات، التي تبين أنّ الشفاعة لا ينالها كافر، فلا بد أن يكون المشفوع له مسلماً، وحينئذ تكون الشفاعة بشكل عام منفية عن الكافر ولا تفيده حتى في تخفيف العذاب عنه أو مرتبة منه، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾[13]] ، وقال: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾[14] ، وقال أيضاً: ﴿ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾[15] ، فالآيات واضحة في عدم تخفيف العذاب ولا نيل الشفاعة للكافر. وبالإضافة إلى هذه الآيات هناك روايات تشترط الإسلام في المشفوع له، روى أبو ذر عن النبي (ص) قوله: «أعطيت خمساً لم يُعطهنّ نبي قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، ونُصرتُ بالرعب شهراً، يرعب مني العدو مسيرة شهر، وقيل لي: سل تُعطَ، فاختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وهي نائلة منكم إن شاء الله تعالى من لا يشرك بالله شيئا»[16] ، وغيرها من الروايات التي تربط بين عدم الشرك أو الإسلام والشفاعة، فعلى فرض أنّ أبا طالب (ع) مات مشركاً تكون رواية الضحضاح وما فيها من الشفاعة لتخفيف العذاب عنه تتنافى مع الآيات والأحاديث التي تحصر شفاعة النبي (ص) على المسلمين، فإذا كان الحديث يخالف القرآن والروايات فلا يُؤخذ به، روي عن النبي (ص) قوله:«...وإنه سيفشو عني أحاديث فما آتاكم من حديثي فاقرؤوا كتاب الله واعتبروه فما وافق كتاب الله فأنا قلته وما لم يوافق كتاب الله فلم أَقُلهُ»[17] .
كتمان إسلام أبي طالب.
بعد ذكر الأدلة التي تثبت إسلام أبي طالب وإيمانه قد يأتي تساءل لماذا يُخفي أبو طالب إسلامه؟
إنّ الإخفاء يرجع للظروف والضغوط التي عايشها أبي طالب (ع) فلو جاهر بإسلامه إما أن يُقضى عليه سياسياً وجسدياً وإما أن يُضيق عليه فلا يتمكن من حماية النبي (ص)، وعلى كل حال سوف يصبح في عداد المؤمنين بالنبي (ص) ودينه، ولن يكون له موقف حيادي يؤدي من خلاله الدور الذي تميّز به، لذا قال في وصيته: «وإني أوصيكم بمحمدٍ خيراً فإنه الأمين في قريش، والصدّيق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به، وقد جاءنا بأمر قَبِلَهُ الجنان، وأنكره اللسان مخافة الشنآن»[18] ، والشنآن بمعنى البغض والعدواة وما يترتب عليها من آثار وخيمة على شخصه وعلى النبي (ص) ودعوته، قال الإمام الصادق (ع): «إنّ مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين»[19] .
أبو طالب محور الوحدة.
إنّ الدور الذي قام به أبو طالب في وقوفه سداً منيعاً للدفاع عن النبي (ص) والدعوة لا يمكن لأي مسلم أن ينكره، بل إنّ أبا طالب له الفضل الأكبر في المحافظة على الدعوة في بدايتها ونشوئها وحمايتها من اعدائها، مما فسح المجال للنبي (ص) لنشر الدعوة في مرحلتها السرية ودخول أكبر عدد ممكن في الإسلام، وهذا موقف يُجله ويحترمه كل مسلم، فلا بد أن يتخذ المسلمون الدور العظيم الذي قام به أبو طالب محوراً يتلاقى فيه الجميع اعتزازاً وتقديراً لتلك المواقف المُشرِّفة، التي حفظت الدعوة من شانئها ومعاديها، فعندما تتجدد ذكرى أبي طالب (ع) يستذكر كل مسلم لأدوار أبي طالب (ع) وتضحياته التي قدّمها حتى بأبنائه ليحمي النبي (ص)، ويكون دفاعه منطلقاً لانتشار الإسلام من جهة، وحماية للدعوة في استمرارها وبقائها، ولله دُر هذا البيت الهاشمي يبدأ الإسلام بحماية أبي طالب (ع) وتضحياته ويبقى مستمراً بمواقف وتضحيات ابنه أمير المؤمنين (ع)، فكل مسلم مدين لأبي طالب (ع)، فكيف سوف يؤدي هذا الدين؟! ومن المؤسف أنّ شخصية أبي طالب (ع) لم تهضم حقها من قبل فئة من المسلمين فحسب، بل حتى من الشيعة أنفسهم حيث لا نجد المؤسسات والمراكز العلمية والجهات المهتمة بإحياء الشخصيات الإسلامية قامت بطرح مؤتمر يحمل اسم هذا الرجل العظيم، كما أننا نفتقد دراسات معمقة تتكفل بالجانب العقدي والقيادي والأخلاقي والاجتماعي لشخصيته، لذا، نأمل من المراكز العلمية أن تتبنى عرض الجانب المشرق لهذه الشخصية من خلال تشجيع العلماء والمفكرين والمثقفين لإعداد أبحاث ودراسات تبرز شخصية أبي طالب (ع) بما يتناسب مع دورها الفعّال من جهة، والصفات التي تتسم بها من جهة أخرى، كي تتعرف الأجيال على الشخصيات العظيمة في صدر الإسلام، وتعطيها حقها من التقدير، وتصبح قدوة للشباب ولكل من يشعر بضياع الهوية والانتماء في عصر أصبح الأعلام يتنافس لاصطياد الشباب، ليكونوا تابعين له عقدياً وفكرياً وأخلاقياًً، وهذا سباق خطير يضعنا تحت طائلة المسؤولية الدينية والاجتماعية، ويحفزنا للتحرك السريع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فأيهما سوف يسبق في مارثون الإعلام نحن أم غيرنا؟!!
جديد الموقع
- 2026-06-03 كتابة بالدموع.. غوستاف فلوبير
- 2026-06-03 الدكتور عبدالله الخضير يصدر كتابه النقدي الثالث
- 2026-06-03 تنطلق غداً الخميس لمدة ثلاثة أيام.. حملة التبرع بالدم9 بمركز برّ النجاح بالمبرز
- 2026-06-03 (سِحْرُ جَماليَّاتِنا المُنتَظَر)
- 2026-06-03 قراءة في كتاب 6000 سطر في عيون وأنهار هجر
- 2026-06-02 محافظ القطيف يلتقي جموع المهنئين بعيد الأضحى المبارك ويهنئ القيادة بنجاح موسم الحج
- 2026-06-02 معالي د. علي الأحيدب يشارك منسوبي ديوان المظالم الاحتفاء بعيد الأضحى المبارك
- 2026-06-02 *جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل تعايد منسوبيها بمناسبة عيد الأضحى المبارك*
- 2026-06-02 محافظة حفرالباطن تقيم حفل معايدة عيد الاضحى المبارك
- 2026-06-02 *تقنية الأحساء تقيم حفل معايدة لمنسوبيها والمتدربين بمناسبة عيد الأضحى المبارك 1447هـ*