
البقرة الحساوية تمتاز بقوامها الأقرب الى التوسط , أو الأقرب إلى القِصر و لونها المائل إلى الشُقرة و تختلف عن السلالة المحلية الأقصر ( النجديات ) التي تشبهها في الشكل و المواصفات , لكنها أقصر منها قامة .
يتم تربيتها بقصد الاستفادة من إنتاجها من الحليب , الذي يشرب مباشرة , و يستفاد منه في صنع بعض المشتقات كاللّبن و الروب و غيرها , وكما يستفاد من فضلاتها في التسميد , و قد يباع سمادها .كما أنها يستخدم لحمها كغذاء بعد الذبح .
يعتبر اقتناء البقرة قديما في الأحساء مؤشرا للغنى , فتربية الأبقار كانت تتم في حظائر منزلية تعرف ب( السّمادة ) تقتطع جزء من حيّز الأرض التي يقام عليها المنزل , و هذا لا يتيسّر عادة إلا للأغنياء .
و يعزو خبير التراث العمراني المحلّي المهندس عبد الله الشايب ,تربية الأبقار داخل البيوت قديما إلى , دواع أمنية , حيث أن الأحساء كانت تتعرض لموجات من الاضطرابات الأمنية في فترات قديمة , فوجود مصدر للغذاء داخل المنزل يشكّل أمانا غذائيا للبيت , و بقي هذا التقليد عقودا ,حتى مع انتفاء السبب الأساس من وراء الاقتناء المنزلي .)
و تجهّز السمادة بأبواب خشبية تصنّع محلّيا , يجهّز بحيث تسمح بالانفتاح إلى الخارج و الداخل في زاوية تصل إلى 180 درجة , بحيث تكون مهيّأة لدخول و خروج البقرة عند الحاجة .و من هذه الإمكانية اشتقّ المثل الحساوي ( فلان كأنه باب سماده ) في التعبير عن الشخص الذي يتقلّب في مواقفه تبعا للمصالح .
كما تجهّز السمادة بمصطبة تبنى سابقا من اللّبن , تغطّى بجذوع النخل تسمى المطعم توضع عليها الأعلاف , و يستخدم أسفلها لتكاثر الدجاج .للاستفادة القصوى من المساحة المتاحة .
و تقسّم السمادة إلى ثلاث أقسام مغطاة بالكامل , تسمى بورقة , و مغطاة تسمى الرواق , مفتوحة تستخدم للتشمّس .
و كان موقع السمادة يتخّذ في الغالب من الناحية الجنوبية للمنزل بغرض توفير التشمّس طوال اليوم للسمادة .
أمّا في حال حدوث طبع من الماء , مما يسبب خلافا بين الجيران , فإن السمادة تتخذ متلاصقتين كحلّ وسط بين الجيران .
كما أن السمادة هي عقار قابل للتداول منفردا عن المنزل فإذا ضاق الحال بمالك المنزل ربما لجأ لبيع السمادة ,
و تحمّل وجود البقرة في المنزل الأحسائي مسؤولية تجاه جيرانه , لأنه كان من المألوف أن يمدّ صاحب البقرة جيرانه بحاجتهم من اللبن , الذي هو جزء مهمّ من وجبة الغداء للأسرة .
و قد لا يكون لبعض البيوت ممرّات خارجية تسمح بدخول القواري لحمل السماد , فهناك عرف اجتماعي , بين الجيران يسمح بوجود ( فرجة ) هي نافذة بين البيتين , يسمح باستخدامها لغرض نقل السماد إلى الخارج باستعمال بيت الجيران , في أيام محدودة في السنة . فيما يعرف عمرانيا ب( حق الارتفاق ) .
و من الأعراف المتّبعة أن السماد , و الذي يؤدي إخراجه إلى انبعاث رائحته الكريهة , يمتنع عن إخراجه في حال وجود مولود جديد في الفريج , و لا يبدأ بإخراجه إلا بعد إنقضاء أربعين يوم على ولادته .
كما أن البارقة و التي هي الجزء المسقوف و المغطّى من السمادة يمكن استخدامها في المبيت من أرباب المنزل أيام الشتاء القارص , بعد أن تغطّى أرضيتها بطبقة غليظة من الرمل .
و كما أشرت سابقا , فإنّ وجود البقرة يشكّل مؤشرا للغنى و يعتبر مصدر أمان في العيش و يشكّل بيعها انكسارا لنفس صاحبها أو نزوله في السلّم الاجتماعيِ , حيث سيفقد قدرته على العطاء لجيرانه و للمحتاجين , حيث كان من المعتاد في الأحساء قديما أن يسأل الفقراء عند طرق باب الغني أن يِطلب لبنا للشرب !!
و لا يطلب ماء لأن الماء متاح في كلّ مكان حينها , سواء من العيون الجارية أو عيون السقيا الوقفية التي كانت منتشرة في فرجان الهفوف و المبرّز , بعض القرى خاصّة قرب المساجد .
و قد ذكر لي الوجيه الأستاذ محمد جلال البحراني في مقابلة سابقة تم نشرها في الشبكة العنكبوتية , أنه بعد وفاة والده المرحوم الحاج حسين بن محمد البحراني أصّرت والدته -رحمها الله- أن تحتفظ لأولادها بالبقرة , كي لا يشعروا بتلك الانكسارة في النفس بعد وفاة والدهم , بفقد البقرة و فوات منزلة الملاك منهم .
كشأن الثدييات الأخرى يستدلّ أرباب المنزل على حاجة البقرة للإخصاب من خلال تغيّر سلوكها الذي يبدو أكثر عدوانية , تجاه من يعتني بها ,و كما تبدأ بالخوار بأصوات مزعجة .فيقال عن البقرة بأنها ( صرفت ) أي طلبت الذكر , و من العلامات التي يلاحظها المربي هو نزول سوائل مهبلية شفافة منها , واستجابتها برفع الذيل عند المسح على ظهرها .
و يستمرّ ذلك الأمر أياما و لا يقربها العجل إلا إذا بلغت يوما معّينا تكون فيه مهيّأة للحمل .
و عادة تكون البقرة البكر مهيّأة للحمل في عمر السنة و النصف عادة أو قبيل ذلك بقليل .
و نظرا لأن تربية ثور( عادة يستخدم الأحسائيون كلمة عجل للتعبير عن الثور حتى لوكان كبيرا ) خاص بالتلقيح يعتبر تكلفة إضافية , فإن صاحب البقرة ربما لجأ لبعض الأشخاص الذين يربون عجولا خاصّة بالتلقيح فقط نظير أجرة معيّنة , و قد اشتهر أفراد معيّنين بذلك .
منهم ( حنين ) في حيّ النعاثل , الذي كان يمتلك عجلا فحلا شرها , حتى صار مضرب المثل , حتى صار يشبّه الرجل الفحل شديد الشبق ( كأنّه عجل حنين ) !!.
أو لدى ( الوردي ) في القارة أو ( ) في الحليلة . و كان إخراج البقرة لهذا الغرض , يشكّل حالة استنفار لأنها تحتاج إلى رفق شديد , لذا يتعاون أكثر من شخص في سوقها لإخراجها من المنزل .
و كانت مهمّة مراقبة الدورة الشبقية للبقرة من مهام سيدة المنزل , كما أن مهمّة تلقيح البقرة لدى صاحب العجل من مهام ربة منزله أيضا .
و عادة تعرض على البقرة على الذكر في الموعد المناسب كي لا تحيل ( أي تنتهي دورتها الشبقية ) , مما يفوّت على العائلة موسم حمل منتظر .و عادة يستمر الحمل تسع شهور .
و من المعتقدات الميثولوجية القديمة في الأحساء أنه إذا توافق حمل امرأة من نساء الدار مع حمل البقرة , فإنه يتوقع أن تعاكس جنس المولود للبقرة جنس المولود لدى سيدة الدار !!فإن ولدت البقرة عجلا يتوقع أن تلد المرأة أنثى و العكس بالعكس !!
كما أن من المعتاد أن تسمّى بقرة المنزل باسم معيّن و دائما تكون أسماء محببّة , و تدعو للبشر ,و السرور أو أن تقترن بلونها مثل برقاء أو شقرا أو نحو ذلك .
و في المجمل فإن رعاية البقرة و الاهتمام بها و نظافة السمادة مهمة ربة المنزل , و كان يمكن أن يستشفّ من يدخل إلى السمادة إن كانت ربّة البيت مرتبة و نظيفة من خلال النظر إلى السماد فإن علق فيه أعواد التبن أو البرسيم اليابسة ,فإن ربة المنزل غير مرتبة و مقصّرة في تنظيف السمادة , من خلال قمّها , أو إحراق العيدان اليابسة و التي كان يستخدم أيضا لقتل الناموس قبيل المغرب كلّ يوم .
في الغالب تلد البقرة لوحدها بشكل فطري دون تدخّل أحد, ثمّ تقذف الغشاء المشيمي ( يسمى في الأحساء البشيمة ) .
و إن تعسّرت فيتدخّل من له خبرة في التوليد , و قد يربط ساقا الجنين و يسحب منها إلى خارج الرحم . و في الشتاء يحرص على تدفئة المكان , يمكن أن يوقد لها كسرات من الكرب .لتدفئة الجنين .
بعد الولادة تفرز البقرة اللبأ (السربة ) و هي عصارة أول رضعة و تكون مهمة جدا لتغذية صغيرها ,لتقوية مناعته و تعدّ منها ربة البيت اللبا , و الذي يحضر و تضاف عليه السويدة ( حبّة البركة ) .و يؤكل مع الخبز الأحمر أو الهولي .و يلتذّ به .
تمتاز السلالات المحلّية بجودة الحليب و إن كان أقلّ كميات من الأخرى المعروفة حاليا , إلا أن حليبها يمتاز بمذاق مميز نظرا , لارتفاع نسبة الدسم فيه و الذي يتجاوز الدسم في الأنواع الأخرى المجلوبة لاحقا حتى ربما تصل نسبته إلى 6% في المادة الصلبة .
تحرص ربّة البيت على الاستفادة القصوى من حليب البقرة , فتقوم بخض الحليب لفصل الزبدة عن الحليب , ثم بعد الترويب مستعملة القربة , المصنوعة من جلد الشاة , و الذي استعيض عنها بالمخضّة المصنّعة من المعدن , التي تعلّقب( السبّاك ) و هو عبارة عن ثلاث أعمدة رشيقة من خشب الإثل الذي يبردها نجّاروا الإثل الأحسائيين لهذا الغرض .
و تستهلك الأسرة ما تحتاج من دهن , و تبيع الفائض من مؤونتها , في سكة الدهن الملاسقة لسكة الذهب حاليا , في الهفوف أو في براحة المصبغة في المبّرز .
حيث يقصد هذا السوق يوميا لهذا الغرض لكن يوم الخميس يجتمع فيه خلق كثير من الباعة و المتسوّقين , و بقي هذا السوق يعقد بشكل مستمر , حتى أواسط الثمانينيات الميلادية , قد عاصرته شخصيا .و كان كثير من رواد السوق من أهالي قرية الحليلة , نظرا لاهتمام شريحة غير قليلة من أهاليها بتربية الأبقار الحساوية .
كانت رعاية البقرة من مهام سيدة البيت , فتقوم بسقيها و تنفيعها ( تغذيتها ) بالجتّ ( البرسيم الحساوي) أو الهيز ( أسماك صغيرة مجفّفة تستورد من عمان بعد سلقه ) و الذي يوصف شعبيا أنه يزيد نسبة الدسم في حليب البقرة و قد أشار الأستاذ عباس الجصاني المعلّم العراقي في مذكراته بتعدجّب لتدليل البقرة في الأحساء و كيف أنّها تطعم الأسماك المجفّفة !!!)
.و كذلك عداف التمر ( فضلات التمر غير الجيّد ) إما جافّا أو تقوم ربّة البيت بإعداد ( المريس ) و هو عبارة عن أصناف رطبة و مدبقة من التمور تغمر بالماء لتلين , تقدّم للبقرة كعلف منقوع .و إذا كان المالك فلاحا فإنه ربما جزّ مما ينبت في نخله من الحشائش المفيدة و التي تتقبّلها البقرة .
كما تقوم بحلبها قبيل صلاة الفجر , و مساء بعيد المغرب !! و اشتهرت نساء المبّرز بالتبكير في الحلب حتى قيل في المثل الهفوفي ( لا تاخذ من الشرق مره , ولا من المبرّز بقره !!) لأن البقرة في المبّرز معتادة على الحلب المبكّر , فإذا تأخّر أوان حلبها بدأت في الصراخ لما تشعر به من ثقل الحليب في ضرعها .
و قد توكل هذه المهام لزوجات الأبناء المقيمين في ذات البيت بالتناوب , أو إذا كان صاحب البيت غنيا أكثر, أوكل الأمر للصبيان ( الأجراء ) أو العبيد ( قبل تحريرهم عام 1382هـ) .
كما يغسّل بدنها صيفا , بغرض التبريد , أو تنقل إلى مكان آخر مشمس للتدفئة شتاء .
كما كان مشوار شراء عقبة الجتّ ( حزمة البرسيم ) هو النزهة اليومية لكثير من الأطفال والمراهقين حتى مطلع السبعينيات الميلادية.
كان البقر يتمّ تداوله ضمن سوق الخميس في مقره القديم عند سور الكوت , وفي مطلع القرن العشرين كانت البلدية تنظم عملية البيع في السوق من خلال متعهّد يضمن مبلغا معيّنا في السنة يقدّمه لها , و يقوم بتحصيل رسوم على عمليات البيع يسمّيها الأهالي ( باج ) و يعيّن ذلك المتعهّد موظفا من قبله ( منهم المرحوم عبد الله الشهاب من أهالي الكوت ) , يقيّد في دفتر كلّ عمليّات البيع للدواب , و البضائع و يحصّل الرسوم المطلوبة منها فكانت الرسوم تختلف من مبيع لآخر و كان الباج على البقرة ريال , و على الحمارة ريالين و على البعير ثلاثة ريالات و على الخروف نصف ريال و على أصحاب البسطات ايجار للأرضية , يدفعها للمحصّل أو قد يدفعها لصاحب العمّارية ( المظلّة المصنوعة من أعواد الإثل و الخيش ) الذي يدفعها ضمن قيمة ما يتوجّب عليه .
و كان الباج عادة على المشتري , أو ربما كان على البائع حسب الاتفاق أثناء مفاوضات البيع .و كان التنظيم بهذه الطريقة منتشرا في أغلب المدن الخليجية قديما و بقي مستمرا في عمان حتى الآن .
انتقل سوق البقر مع خروج سوق الخميس خارج حدود الهفوف القديمة , بعد عام 1377هـ , ( منطقة الخِرّ ) قرب جبل الطوب ( تلّة مرتفعة , كان يوضع عليها مدفع الإفطار في رمضان ) .
ثم انتقل في التسعينيات الهجرية , إلى الرقيقة ضمن سوق الأغنام و المواشي .
ثم نهاية الثمانينات إلى أول طريق المطار , ثم 2003م إلى مقره الحالي أول طريق الرياض .
و طوال تلك الفترة كان بيع الأبقار الرئيسي , يتمّ يوم الخميس .
و يعتبر( سوق البقر ) في الأحساء السوق الوحيد و المتفرّد, الذي يقام للأبقار في الخليج لغرض بيع منتجات المزارعين المحلليين ., خلاف المزارع الإنتاجية لإنتاج البتل!و و التي أقامها مستثمرون كمزارع ندى و العتيق و لبون , بومره و آخرون مؤخرا .
و كان بعض تجار و مربي الأبقار يمتلكون حظائرا قرب عيني الخدود و الحقل , و كانوا مع بعض صبيانهم , يسوقون هذه الأبقار عبر شوارع الهفوف بحرفية , كنت أستغربها جدا حيث يتمكن راع واحد أو أثنين على الأكثر بالتحكم بأكثر من خمسين رأسا من البقر , في بعض المواسم القريبة من رمضان قد يفوق العدد مئة رأس دون أن يشذ منها رأس !!
كانت قيمة البقرة تتراوح ما بين 40 إلى خمسين ريالا في الثلاثينيات الميلادية , ثم بدأ قيمتها تزايد , شيئا فشيئا فوصلت إلى ما يقارب المئة تقريبا في الخمسينيات و استمرّ التصاعد تدريجيا حتى غدت أسعارها تتراوح مطلع السبعينيات بين الثلاثمئة و خمسين و أربع مئة و خمسين ريال
ثم قفزت نهاية السبعينيات إلى عتبة الألف و الألفين والخمسة آلاف , ثم اتجه بعض المربين و المقتنين للتفاخر ,بالأصناف الأصيلة فيها و المباهاة بها , فصار يتم التزايد على الرؤوس الأصيلة منها ( نقية السلالة) , حتى تصل ربما إلى الخمسة و العشرين ألف ريال و الثلاثين ألف ريال .
و كانت هذه الأسعار تمثل موجة من الاهتمام ما لبثت أن انخسرت , إلى مستويات أدنى , خاصة مع بروز اقتناء السلالات الأجنبية , مثل الفريزيان , و الجيرسي و الجيرنسي , و الشورت هورن , غيرها التي تمتاز أغلبها بوفرة الحليب, لكن بقي الكثيرون ممن يفضّل المذاق المميّز في الحليب يقتني البقرة الحساوية .
الحرص على نقاوة هذه السلالة بدأ يضعف , بسبب , قلّة المقتنين المهتمّين لفترة معيّنة, و ظهر نوع من عدم الاكتراث , في حسن اختيار ما يناسب التزاوج بين الإناث المناسبة , العجول المناسبة, خاصة بعد الثمانينات , حيث ربما كان التزاوج مع سلالات ضخمة , لكنها غير مناسبة , لحجم البقرة الأحسائية المحلّية فربما لقحت بعجل ضخم , فيأتي الجنين ضخما تعسر معه الولادة . و كان هناك جهود لتنقية السلالة من بعض المقتنين المحليين .
في حدود عام 1405هـ , كنت موجودا في السوق مع والدي وأخوتي و أغلب المحال مفتوحة , حيث كان نهار الخميس من أهمّ مواسم التسوّق الأسبوعية , مرّ قطيع الأبقار كالعادة , في حدود الساعة العاشرة والنصف , و كان الجو شديد الحرارة , فنفرت بقرة ربما أغراها لون السجادة الأخضر لمحلّ العمّ أبو سمير ( حسن بن محمد البقشي ) فكسّرت الواجهة الزجاجية , و تروّع الزبائن !! و أتذكر أن بينهم أمريكان و أوروبيين , و أصيبت البقرة بجروح كبيرة في بدنها .!!. *و بعد هذه الحادثة منع سوق البقر بهذه الطريقة و اعتمد النقل بالمركبات الكبيرة .
من أسباب التربية كون البقر مصدرا للحوم , إن كانت لحوم الأبقار مستساغة لدى أهالي الهفوف و المبرز , فإنها غير مفضّلة لدى جلّ أهالي القرى , سيّما أهالي القرى الشرقية التي يفضلون عليها لحوم الإبل .
و يعتبر سوق الأحساء مصدرا مهما لتصدير الأبقار للقطيف , حيث أن لحم الأبقار مفضّل عن جلّ الأهالي هناك .
و كان لحم البقرة هو عماد الولائم الكبيرة , كولائم الأفراح في الهفوف و المبرّز حتى السبعينيات الميلادية , وقد بدأ الكثيرون بالرجوع إليه حاليا بعد تضاعف أسعار لحوم الخراف النعيمي , و النجدي و حتى السواكني .
من ضمن الصناعات التحويلية التي كانت منتشرة في الأحساء , دباغة الجلود و منها دباغة جلود البقر التي كانت تحتلّ أماكن كثيرة في البصيرة في أول طريق القرى الشرقية , حيث يتمّ نقعها و تمليحها كي يتمّ الاستفادة منها في صناعة القرب ,و الأحذية و غيرها .
كان سماد البقر الذي يستخرجه الحمّالون باستخدام السخّين ( الجاروف ) و الزبيل , في عملية شاقة و مزعجة تسبّب انبعاث الروائح الكريهة و كان يلاحظ إنبعاث بخار غازات النيتروجين التي تتفاعل مع الأكسجين , عادة لا يستخدم الفلاح , هذا السماد مباشرة , بل يقوم بتخزينه حتى تكتمل عملية النيترة ,الكيميائية و هذا التفاعل الكيميائي العضوي , أدركه الفلاح الأحسائي , وفق خبراته الممتدّة لآلاف السنين , فكان يحتفظ بكميات السماد في أماكن بعيدة و كان والدي و عمي يحتفظان بأسمدتهما في أوّل طريق الجفر , وكان المكان الذي يحتفظ فيه بالسماد يسمّى ( المحطّ) و يحتفظ بالسماد لسنة كاملة دون استخدام حتى اكتمال نضجه .
و لم يكن أحد يتعدّى على محطّ أحد أو يأخذ منه شيئا دون أذن .
عادة يبدأ المربي أو ربة البيت بالعناية بالبقرة منذ صغرها , فتوضع بقرب أمها أو أي بقرة كبيرة أخرى تُحلب , كي تشاهد ما يعمل بها كي لا يكون مستغربا منها .
كما يبدأ المربي بالمسح على بدنها كي تتعوّد و على ضرعها كذلك .
كما كان معتادا أن يعاقب العجلات الصغيرات بشدّ الأذن أو الضرب على كتفها , و تقريعها في حال قيامها بالرفس , أو العضّ .أو إيذاء الأطفال .
و عادة ما يتمّ تكثيف المسح على ضرع البقرة البكر التي تحمل لأولّ مرّة , و قبيل أوان ولادتها يتمّ عصر ضرعها الذي يبدأ بالنموّ في تلك الفترة لإخراج الشرى ( غازات أو سوائل تسبق خروج الحليب بعد الولادة ) .
و من الممكنان تربط بجوار أخرى حلوب مستأنسة كي تعتاد على منظر الحلب .
هناك أمراض قد تصيب البقرة كان يعرفها الأهالي منها ( المصاص ) – الحمّى القلاعية , حيث تنتشر بثور مؤلمة على لسان البقرة يعسر معها تناول الطعام من قبل البقرة فتصاب بالهزال , فيلجأ المربي لفرك تلك البثور بالشبّة ,مما يسبب ألما كبيرا للبقرة لكنها في النهاية تتماثل للشفاء .
و من الأمراض المرعبة التي تصيب الأبقار قديما الطاعون البقري , الذي كان يفتك بها بسرعة و كونه سريع الانتشار , و حدث في مطلع التسعينيات الهجرية انتشار لهذا المرض أودى بالكثير من الابقار التي تربّى منزليا أو تلك التي كانت تربى في أحواش حول عين الخدود , قد خسر التاجر المعروف حسن الحسيني في ذلك الوباء حوالي ثلاثين راسا .
و في المجمل كانت البقرة الحساوية متأقلمة مع أغلب الأمراض المحلّية .
كما يتولّع البعض بتربية الطيور , و الأغنام فإن البعض يتولّع بتربية الأبقار و يشتريها و يزايد عليها , بل ينقلها معه حيث يهاجر , و يذكر بعض الآباء أن أحد رجاء أسرتنا- الحاج محمد بن أحمد السليمان البقشي - لمّا هاجر من الأحساء إلى المحرق في البحرين نقل أبقاره معها , كان يقضي جلّ نهاره في التفرج عليها !.
و يذكر صديق من فريج الشعبة بالمبرّز , أن أحد مربي الأبقار من فريجه أثناء غزو الكويت سنة 1990م و مع توجيهات الدفاع المدني بتحضير مكان آمن ضد الهجوم الكيماوي الذي توعّد به صدام دول الخليج , قام أبناء الرجل بتحضير سرداب منزلهم لهذا الغرض , لكن الرجل فاجأ عياله , بإحضار الأبقار و استيداعها سرداب المنزل مفضلا إياها على عياله !!
عادة لا يتصدّى لشراء البقرة إلا شخص حاذق ,و يعرف المواصفات المطلوبة , فيفحص فمها لتقدير عمرها , ويفحصها فحصا عاما إن كانت خالية من العيوب البدنية , لا تحمل بعض الطفيليات أو الدواب الناقلة للمرض كالقراد , أو البقّ أو القمل الذي قد يسبب انتقال المرض إلى سمادته , او سمادات جيرانه , كما يجب أن تكون البقرة سالمة من القروح والجروح . و لا يختبر إن كانت بها عيب من العيوب السلوكية السابقة , كأن تكون دفّاسة أو ترضع نفسها , أو عدوانية .
كما يفحص حدرها ( الضرع ) و يتأكد من سلامته و عدم إصابته بأذى أو عطب , خاصة إن كان الهدف من الشراء الحليب , أما إن كان الهدف الذبح فيفحص منطقة ما تحت إبطها إن كانت متماسكة فهذا يعني جودة , لحمها .
اضطر أحد المربين الظرفاء مكرها بسبب ضيق ذات اليد لبيع بقرته فساقها ، نحو سوق الخميس في مقرّه القديم عند سور الكوت , و عرضها و لمّا تمّت المزايدة عليها و استقرّ الأمر لأحد وجهاء البلد , فنقده الوجيه قيمتها و أعطى الدلاّل سعيه و عندما ازمع صبيان الوجيه على سَوق البقرة لبيت الوجيه استأذن البائع رب البقرة الجديد , انتحى جانبا و احتضن البقرة ,بحرارة شديدة و صار يقبّلها بقوّة ,فاستراب المشتري من تلك الحركات , فعندما لاحظ البائع قال استر علّي الله يستر عليك !!!
فتحمّس المشتري , وقال ما الحكاية ؟
البائع : صراحة أنا بيني و بين البقرة ودّ و عشرة !!
فأنا أعاشرها معاشرة الأزواج !!!عندما احتاج لقضاء بعض الأوطار !!!
فاشمأزّ المشتري , و قال ارجع فلوسي ! فامتنع البائع عن إرجاع أي مبلغ بحجة أن البيع قد تمّ !!
لكنه و بعد أصرار شديد و توسّط بعض الدلالين .اتفق الرجل أن يشتري من الرجل الذي باعه من البقرة منه بربع قيمتها التي قدّمها له !!
تتمّ عمليات البيع عبر دلّالين و وسطاء , يتولون المزايدة على الأبقار في السوق أو يتولّون الشراء بالتوصية عليها .
و هناك محبين للتربية , كالتاجر الأحسائي حسن الحسيني , والمرحوم الحاج إبراهيم بو خمسين و العم الحاج عبد الهادي البقشي و المعزب الشهير الحاج علي بن محمد الخرس و عدد كبير , غيرهم يجتمعون في مجلس المرحوم إبراهيم بوخمسين في سكة السيّد خلف السوابيط , و الذي كان مجلسه يعقد كلّ ليلة و كان يعمل في الوساطة ( بيع الأراضي و النخيل و المواشي , و البضائع ) حيث يتّم تداول البيع في أغلب ما ذكرت و من أهمّها الأبقار, حيث يوصي من يريد شراء أبقار , الحاج إبراهيم , الذي بدوره يوصي دلالين للبحث في السوق ,أو الأحواش عن المواصفات المطلوبة .
و كان روّاد هذا المجلس من الهواة و محبي الاقتناء , لا المتكسّبين من وراء التربية .
و من هناك من المربين و المتعاملين المعاصرين المرحوم الحاج مطر الغانم , المعروف بالنزاهة و حسن المعاملة ,
و اتذكر منهم المرحوم الحاج جعفر الدليلي , بقامته القصيرة و النحيلة و بشرته الشديدة السمرة , كيف يتمكن من سوق أعتى ثور مشاكس بأصوات يصدرها ( شي ..شي.. ) أي انزل من المركبة , و صوت ( اجّا جّا ) بمعني هيّا تعال , و صوت ( حو حو ) بمعني أذهبي بعيدا !! بينما كنت أنا و إلى الآن لا أجسر حتى على الدخول إلى السمادة في نخلنا .
في مطلع السبعينيات الميلادية منعت البلدية تربية المواشي , في المنازل و انتشر مراقبو البلدية , لمنع هذا النمط من التربية , و ذلك للحفاظ على النظافة العامة و منع انتشار الحشرات التي كانت تنتشرفي نطاق المدينة , وكذلك الروائح الكريهة المنبعثة منها , فأضطر الكثير من مربي الأبقار و المواشي الأخرى لنقل أبقارهم إلى مزارعهم , أو استئجار أحواش حول نطاق عيني الخدود و الحقل .
و قد تجدد التأكيد على المنع في مطلع الثمانينيات الميلادية , فصارت البلدية تتعقّب المربين حتى في الأحياء الجديدة حينها كالحفيرة جنوب الهفوف و الزقيجان ومحاسن , التي بنى البعض فيها صنادق من الخشب ,و الزينكون , و تأخذ التعهدات على أصحابها , أو تزيلها .
مع منع البلدية لتربية الأبقار في المنازل تحوّل البيت من منتج للحليب و اللبن , إلى مستورد لها فصار انتاج المزرعة النموذجية ( المزريع ) يسوّق عبر متعهّد .ين كان أولهم العرفج و يدير محلّه شخص اسمه ( إبراهيم بالطيور ) , يتمّ بيعه نهارا , مساء بعد صلاة المغرب .
و كان لطابور هذا المحل الواقع وسط شارع عبد ربّه ذكريات و نكات و مقالب .
و أتذكر أنّني حملت عبوة الحليب و كنت صغيرا ,و انسكب منها الحليب فحصلت على تقريع كبير من أخوتي الذين كانوا يعانون من الوقوف الطويل في طابور الحليب .
ثم أخذ التعهدّ هذا العتيق , ثم التيسان الذي نقل محلّ التسويق إلى شارع الفوارس بعد إزالة المحلّ الأول في مشروع توسيع الشارع العم عام 1403 هـ , ثم صار انتاج هذا المشروع يعلّب و يسوق إلى البقالات , حتى إلغاء المشروع في الأحساء , نقله لفرعه الرئيس في الخرج .
كما كان هناك أشخاص آخرون يسوّقون حليب من منتجاتهم أهمّهم الحاج محمد بن موسى بن أحمد بوخمسين , الذي كان يربي أبقارا في مزارع والده , وكان يصّنع حليبا من الحليب المجفّف و يسوّقه في محلّه في الفاضلية ثمّ طوّر مشروعه إلى مصنع بو خمسين للألبان في الثمانينيات ثم سمّي بمصنع الريّ للصناعات الغذائية .
كما كان هناك أشخاصا يبيعون الحليب و منتجاته في بقالاتهم مثل الحاج جعفر الخرس و الحاج جواد بن عبدالله الخرس ( بو علي ) .
رغم أنّ الأحياء السكنيّة يمنع فيها تربية الأبقار إلا أن بعض الأشخاص حرص على تربية الأبقار داخل منزله , وبذلك يكونون موضع شكوى من الجيران , جراء الروائح و الأصوات التي تصدرها البقرة , خاصة أيام الصراف !
ومن هؤلاء أبو يحيى الذي كان متعلقا برعاية بقرته ,في المنزل و كان الجيران يتشكون منها فأصرّوا عليه فأذعن لبيعها على مضض , و كانت ساعة البيع ثقيلة على نفسه , فلم يكن الشاعر الساخر الأستاذ ناجي بن داوود الحرز ليضيع بكاميرا أبياته هذا المشهد فقال من قصيدة شعبية طويلة منها :
و للأستاذ ناجي الحرز قصيدة أيضا في ثور بقي مربوطا يعاني العزوبية ,و ينتظر الذبح في نخل صديقه الراوي الشهير الحاج علي بن عبد الوهاب المرزوق -أبوسعيد – ابتهاجا بزفاف ابنه الأستاذ أيمن فقال على لسان حاله :
و القصيدتان مثبتتان في ديوان الأستاذ ناجي الحرز الفكاهي ( حامض حلو ) .
1- الراوي الحاج علي بن عبد الوهاب المرزوق – أبو سعيد - .حفظه الله .
2- الراوي الحاج عبدالله بن محمد الخرس - ابو سعيد – رحمه الله -
3- الأستاذ عبد العزيز بن علي البقشي .
4- خبير التراث العمراني و الصناعات الحرفية المهندس عبدالله الشايب .
5- الوجيه الأستاذ محمد جلال بن حسين البحراني .
6- الشيخ الحاج حسن بن علي البقشي – أبو منير - .
7- الخبير التراثي الأستاذ حسين الخليفة .
8- الروائية الحاجة فاطمة بنت محمد البن موسى آل علي بن عبدالله ( رحمها الله ) .
9- الروائية الحاجة فاطمة بنت أحمد البقشي .
شكر خاص للأستاذ ناجي الحرز الذي قدّم شذرات من ديوانه المخطوط ( حامض حلو ) .