
إن ما يهمني في هذه المناسبة الحزينة هو التطرق للقضية الكبرى التي شغلت الساحة الدينية الشيعية لسنوات ليست بالقليلة حول قضية السيد فضل الله رحمه الله وبعض آراءه، فنحن نعلم الكلمات والاتهامات التي وجهت له من قبل بعض العلماء أو من بعض أشباههم، فهو عند قسم منهم ضال ومضل ومشكك ومنحرف وغيرها من النعوت التي طأطلقها عليه البعض، وروج لها البعض الآخر، حيث صور ذلك بعض المشائخ – ممن لا يميلون له- لعامة الناس بأنه كذلك عند كل العلماء والمراجع، وكأن هذا الأمر أصبح بديهياً ومتفقاً عليه عند جميع علماء الطائفة، ولم يشذ عن ذلك أحداً منهم.
ولهذا نحن بحاجة الآن إلى وقفه ومراجعة جادة لما ذكره أو صوره هؤلاء المشائخ (هداهم الله) في سماحة المرجع الراحل رحمه الله، وأعني بكلامي هذا وأخص بالذكر بعض مشائخ المنطقة (الأحساء والقطيف)، الذين عُرف عنهم مواقفهم المتشنجة ضد سماحة السيد رحمه الله، لأن ما روجوه عنه تبين بأنه خلاف الواقع، فنحن رأينا أن الكثير من العلماء والمفكرون والكتاب وغيرهم نعوا السيد رحمه الله بكلمات لا تنسجم مع ما صوره هؤلاء (المشائخ) لعامة الناس، وهذا يكشف زيف كلامهم، لأن الكثير من العلماء والشخصيات البارزة -كما ظهر في بيانات نعيه- يكنون لسماحة السيد فضل الله الاحترام والتقدير والفضل، وهذا يختلف كثيراً عن ما رُوج عنه وما أُشيع حوله.
فلقد سمعنا في وسائل الإعلام أن حوزة النجف الأشرف نعت سماحة السيد فضل الله رحمه الله وأعلنت الحداد ثلاثة أيام حزناً على فقده، كما سمعنا أو رأينا عبارات السيد الخامنئي في السيد حيث قال: ((ان هذا العالم الجليل والمجدّ کان شخصية مؤثرة في مجال الدين والسياسة، وان لبنان لن ينسى خدماته وبرکاته على مدى اعوام طويلة، ان المقاومة الاسلامية اللبنانية التي لها حق عظيم على الامة الاسلامية قد حظيت بحماية ودعم هذا العالم المجاهد)).
وكذلك سمعنا عن المرجع الديني الشيخ ناصر مكارم شيرازي يؤبنه بقوله: ((إن نبأ الرحيل المؤسف للعالم الجليل سماحة آية اللَّه العلامة السيد محمد حسين فضل اللَّه بعث موجة من الحزن والأسى في العالم الاسلامي والعالم الشيعي بوجه خاص)).
كما رأينا المرجع الشيخ محمد اليعقوبي يقول في بيان له: ((اذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء) الإمام الصادق (عليه السلام) , إن انثلام الإسلام يعني غلق نافذة كانت تطل منها البشرية النكدة المتعبة على الإسلام لتقتبس من نوره ما يضيء لها درب السعادة والطمأنينة , ويعني حصول ثغرة في حصن الإسلام والمسلمين حيث يقف العلماء العاملون عليها للدفاع عن عقائد الأمة ومبادئها وأخلاقها وحاضرها ومستقبلها.ويعني النقص في العلوم والمعارف والبركات والألطاف التي كانت تنزل على الأمة بإفاضة العلماء الربانيين.هذا ما حصل اليوم عندما رحل عنّا صاحب النفس المطمئنة فقيدنا الكبير سماحة المرجع الديني السيد محمد حسين فضل الله (قدس الله روحه الزكية) ورجع إلى ربّه راضياً مرضياً فألحقه الله تبارك وتعالى بدرجة آبائه الصالحين)).
وأضاف قائلاً: (( لقد كان الفقيد الراحل مثالاً للعالم العامل بعلمه، والطبيب الدّوار بطبّه، ولسمو الذات، وعفّة السلوك، فقد تسامى عن الأمور الدنيّة وترفّع حتى عن الرد على من أساء إليه. لم توقفه المحن والصعوبات والإرهاب ومحاولات التصفية الجسدية والمعنوية عن مواصلة درب الجهاد وتوعية الأمة ومسيرة الإصلاح واستمر على ذلك أكثر من خمسين عاماً)).
وكذلك نعاه المرجع الديني السيد كاظم الحسيني الحائري بقوله: ((ببالغ الحزن تلقينا خبر التحاق سماحة المجاهد العالم الكبير سماحة السيد محمد حسين فضل الله (قدس ه) بالرفيق الأعلى فإنا لله وإنا إليه راجعون)). وقال أيضاً : ((لقد شكل رضوان الله عليه ظاهرة بين أقرانه في الدفاع عن الإسلام ورفد الوعي المتنامي في أوساط مفكري الأمة ومثقفيها فأدى مسؤولياته، ونهض بها بشكل يسجل له دعمه للمقاومة وحمايته لها)).
أما المرجع الديني الشيخ يوسف الصانعي فقد قال في بيان له: ((ببالغ الحزن تلقينا نبأ رحيل العالم الرباني والفقيه المتقي آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله(رحمة الله علیه)، وبهذه المناسبة نعزّي بقية الله الأعظم (أرواحنا له الفداء) والحوزات العلمية وجميع الشيعة في العالم وبخاصة الشعب اللبناني وعائلته المحترمة)).
وأضاف قائلاً: ((لا شكّ أنّ رحيل عالم من هذا القبيل، الذي سعى من خلال صراعه مع التحجّر والرجعية لعرض صورة رحمانية عن الاسلام والدفاع الواعي والشامل عن المظلومين والمقاومة أمام الظلم، دون النظر الى دين المظلومين وقومياتهم، يعدُّ ثلمة لا يسدّها شيء للحياة السلمية للبشرية. .انّه حقّاً فقيه شجاع وبصير بزمانه ومكانه في عالم اليوم المتلاطم، فقد كان يشري نفسه ابتغاء الآراء الفقهية لينير بها درب المجدّدين والمفكّرين الملتزمين)).
كما قال الشيخ محمد باقر الناصري في بيان نعيه: ((آية الله السيد محمد حسين فضل الله هو احد المراجع العظام والمصلحين الافذاذ وممن حمل راية الاصلاح والوحدة الاسلامية وأسهم اسهاما كبيرا في تأسيس ودعم الحركة الاسلامية المعاصرة واحتضن ابناءها ودافع باخلاص عن الاسلام والمسلمين في شتى بقاع الارض وافنى عمره الشريف بالعلم والعمل الصالح وأقام المؤسسات العلمية والدينية والانسانية لتنشئة اجيال رائدة فشكل بذلك امتدادا للامام الشهيد محمد باقر الصدر وللمرجعية الرشيدة كما أغنى المكتبة الاسلامية والعالمية بأمهات الكتب والمصادر في عموم معارف الاسلام في التفسير والفقه والعقائد والاخلاق والسياسة والفكر الحركي لبناء الامة ونهضتها المعاصرة((.
وكذلك أصدر المرجع الديني السيد حسين الصدر بياناً بهذه المناسبة جاء فيه: ((إن يد المنون خطفت من بيننا اليوم، سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله (رحمه الله تعالى). فقد كان المغفور له علماً كبيراً من اعلام الأمة الاسلامية، حاضراً في ميادين معالجة القضايا التي تهم الفكر والثقافة الاسلامية، فضلاً عن سبر أغوار علوم الفقه والاصول وعلوم تفسير القرآن الكريم)).
وأضاف قائلاً: ((لقد كان لفقيدنا الراحل رحمه الله تعالى، آراء متميزة في معالجة قضايا معاصرة، اثبت من خلالها أن لا قضية تستعصي على الاسلام الحنيف، بدون ان يعطي فيها حكماً او يأخذ منها موقفاً)).
أما الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله فقد قال كلمات تدلل على بالغ حزنه وتأثره بفقد سماحة السيد فضل الله رحمه الله ، حيث قال: ((انا لله وانا اليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .. لقد فقدنا اليوم أباً رحيماً ومرشداً حكيماً وكهفاً حصيناً وسنداً قوياً في كل المراحل. هكذا كان لنا سماحته ولكل هذا الجيل المؤمن والمجاهد والمقاوم منذ أن كنا فتيةً نصلي في جماعته ونتعلم تحت منبره ونهتدي بكلماته ونتمثل أخلاقه ونقتدي بسيرته.))
وأردف قائلاً: ((علمنا في مدرسته أن نكون دعاة بالحكمة والموعظة الحسنة وان نكون أهل الحوار مع الآخر وأن نكون الرافضين للظلم والمقاومين للإحتلال وعشاق لقاءٍ مع الله تعالى من موقع اليقين وأن نكون أهل الصبر والثبات والعزم مهما أحاطت بنا الشدائد والمصاعب والفتن. فكان لنا الأستاذ والمعلم والعلم والنور الذي نستضيء به في كل محنة واليوم نفتقده إذ يفارقنا إلى جوار ربه الكريم الذي جاهد في سبيله طيلة عمره الشريف إلا أن روحه الزكية وفكره النيّر وكلمته الطيبة وابتسامته العطوفة وسيرته العطرة ومواقفه الصلبة كل ذلك سيبقى فينا هادياً ودليلاً ودافعاً قوياً متجدداً للعمل الدؤوب والجهاد المتواصل)).
هذا ويوجد غير هؤلاء من العلماء والشخصيات الدينية البارزة الذين نعوا سماحة السيد الراحل يرحمه الله.
أما عندنا في المنطقة فقد نعاه الشيخ حسن الصفار في القطيف بقوله: ((بعد حياة حافلة بالجهاد والعمل في سبيل الله، زاخرة بالعطاء في ميادين العلم والمعرفة، مشرقة بمواقف التضحية والصمود في الدفاع عن مبادئ الإسلام وقضايا الأمة. أنتقل اليوم إلى رحمة الله تعالى العلامة المرجع آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله رضوان الله تعالى عليه)).
وأضاف قائلاً: ((لقد سطر الفقيد الراحل بمواقفه العلمية والجهادية، صفحة من أروع صفحات العلم والجهاد في هذا العصر، حيث لم تأخذه في الله لومة لائم، ولم يأبه لمختلف الضغوط التي انهالت عليه، ومحاولات الاغتيال التي استهدفت شخصه وشخصيته)).
وقال أيضاً: (إن نتاجه الفكري الغزير، وآراءه العلمية التجديدية، ومواقفه السياسية الواضحة، ومؤسساته الاجتماعية الشامخة، ودعمه الدائم الثابت للمقاومة الإسلامية، هي أصدق برهان على نفاذ بصيرته، وصدق إخلاصه، وقوة إيمانه. حقاً لقد فقدنا به مرجعاً رائداً، وفقيهاً مجدداً، وعالماً مصلحاً، ومربياً عظيماً، تخرجت على يديه أجيال من المؤمنين العاملين، والرساليين المجاهدين)).
أما السيد علي السيد ناصر السلمان في الدمام فقد أقام مجلس عزاء لروح المرجع الراحل السيد فضل الله رحمه الله، كما أنه قال في بيان له نشر على موقعه الإلكتروني: ((نعزي العالم الإسلامي ومراجع الدين العظام برحيل سماحة آية الله السيد محمد حسين فضل الله، الذي كان له دورٌ بارزٌ في الحركة الإسلامية في العالم، وكان له مجهودٌ واضح في عالم الفكر والثقافة في الساحة الإسلامية، ودورٌ واضح في الخدمات الاجتماعية من رعاية الأيتام والفقراء والاهتمام بشؤون المستضعفين)).
كما وصف الشيخ فوزي السيف المرجع الراحل السيد فضل الله في مجلس العزاء الذي أقامه السيد علي الناصر السلمان في الدمام بقوله كما نقل في بعض الشبكات الإخبارية: ((بأنه من صناع ثقافة الصحوة والتغيير في المجتمع الإسلامي مشيدا بشجاعته في طرح آراءه الدينية التجديدية)).
وأضاف: ((بأن آراء الراحل فضل الله جاءت ضمن سياق تقديم تعريف تجديدي وتصحيحي للكثير من المفاهيم الدينية التي كانت تفسر في الماضي "بشكل لا يخدم موقعها في المنظومة الدينية)).
وأشاد الشيخ السيف بما وصفها بالآراء التجديدية الشجاعة للمرجع الراحل ... وقال بأن المرجع الراحل كان في طليعة من كتب وخطب في تجديد الفهم الديني. مستشهدا في ذلك بكتاباته "مفاهيم اسلامية عامة" و"خطوات على طريق الاسلام" وغيرها من الكتب)).
هذا بالإضافة لعدة بيانات أخرى خرجت من مشائخ في الأحساء والقطيف والدمام، وفيما ذكرناه كفاية لأخذ تصور عام حول البيانات التي نعت سماحة المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله (يرحمه الله).
بعد هذا الاستعراض الموجز لبعض بيانات وكلمات التأبين لسماحة المرجع السيد فضل الله رحمه الله، أرى من اللازم علينا أن نقف متأملين ولو لبرهة.. إذ كيف يصور البعض من المشائخ بأن ضلال السيد فضل الله وانحرافه (كما يرون طبعاً) متفق عليه بين جميع العلماء ومراجع الدين والشخصيات البارزة في الساحة الشيعية مع أن ما رأيناه يخالف ذلك ويختلف معه. إن هذا يدعوا للاستغراب حقاً، إذ كيف يخالفون الواقع فيما ينقلونه أو يصورونه للناس مع أنهم يزعمون بذلك المحافظة على الدين الأصيل أو العقيدة الصحيحة أو مقامات أهل البيت عليهم السلام.
والأمر الآخر، والذي يدعو للاستغراب والتعجب أيضاً، هو لماذا لم يصرح هؤلاء العلماء بآرائهم الإيجابية – أو غير السلبية- من السيد فضل الله (رحمه الله) في حياته قبل وفاته؟ إذ لماذا فضلوا البقاء صامتين أمام كل الاتهامات والكلمات التي قيلت في حقه؟ ولماذا تركوه وحيداً أو شبه وحيد بلا ناصر ولا معين ولا حتى مستنكر ؟ !!
أنا أعلم بأن هناك من يخالف سماحة المرجع الراحل السيد فضل الله في بعض آراءه الفكرية، ولكن لا يوجد عندهم أية مواقف متشنجة منه كالتي عند بعض مخالفيه الآخرين، وهذا شيء جميل ويحسب لهم، بيد أنه لا يكفي لأنهم لم يوضحوا موقفهم هذا للناس، فالكثير من عامة الناس كانت تسمع بكلمات المتعصبين ضده، وترى في سكوت البقية دليلاً على صحة كلامهم فيه.
ولهذا أرى أن كلا الطرفين يتحملون جزءاً من المسؤولية في ما شاع عن سماحة السيد الراحل رحمه الله، فالطرف الأول ملام لعدم دقته ومصداقيته فيما ينقله عنه وما يصوره حوله، والطرف الثاني ملام أيضاً لعدم كشفه عن رأيه وموقفه، وتخاذله عن الوقوف مع ما يراه ويعتقد به، وأخص بكلامي هذا بعض مشائخ المنطقة في الأحساء والقطيف.
ختاماً أقول: رحل السيد فضل الله عليه (رحمة الله)، ولكن هل سنستفيد من تجربته في محنته مع عصره بحيث نتعظ بها ولا نكررها مع عالم أو مفكر آخر؟ أم أن مخالفيه سيبقون على نفس منهجهم في التعاطي معه ومع أي مخالف آخر لهم؟ أي في مبالغتهم غير المحمودة أو في تحميل الكلام أكثر مما يحتمل أو توظيفه لأغراض أخرى، أو التشكيك في نوايا المخالف وإيمانه ومعتقداته، فهل يا ترى سيستمر هؤلاء على حالهم أم أنهم سوف يغيرون طرقهم وأساليبهم ؟!
وفي الجانب الآخر هل سيبقى من يعارضهم ولا يتفق معهم يتعامل بجبن وعدم شجاعة في إعلان آراءه ومواقفه التي يتبناها ويعتقد بصوابها؟ !! .. الله أعلم أتمنى أن لا يدوم ذلك، على الرغم من أننا لا نرى تباشير تبشرنا بتغير الوضع أو تبدله.