message.Client
                    .web-title

وفاة السيدة خديجة بنت خويلد (عليها السلام)

مع كتاب قراءة خديجة بنت خويلد للمؤلف د. أحمد فراج العجمي، الطبعة الأولى: 2021م.

وفاة خديجة (ع):

انتهى الحصار في السنة العاشرة للبعثة، وانتهت معه ازمة ومشقة أنهكت كاهل المسلمين، وما كاد النبي يفيق من هذه الشدة حتى ابتلي بما هو أشد، فقد مات عمه أبو طالب، وهو يعرف أن أذى قريش سيزداد بعد أن كان عمه يكف أذاهم عنه، ثم ما كاد يفيق من هذه الصدمة حتى أصيب بما هو أشق.

انتهى الحصار وأوشكت خديجة (ع) أن تفارق النبي (ص)، بعد خمس وعشرين سنة خمس عشرة قبل الوحي، وعشر سنوات بعده، عاشت فيه تلك الزوجة الصالحة نموذجا بشريا فذا يُعَدُّ مثالاً حيويا نادرا لكل زمان ومكان للمرأة التي تريد أن تترك أثرًا، وتسهم في إنجاح المجتمع. والموت لا محالة حاصد الأرواح إن تعجلت أو تأخرت:

 حلق كما شئت إن طولا وإن عرضا             فالعمر كالغيم يعني بعضه بعضا

والمرء كالسهم يجري في مقادره                حتى إذا أدرك المرمى هوى أرضا

 ها هي خديجة (ع) تتخذ من فراش الموت مضجعها، وأوشك قطار الحياة أن يتوقف في آخر محطاته الحافلة بالإنجاز، ويوشك الحزن أن يأكل ما تبقى من لحظات أمل وسعادة جمعت هذين الزوجين، وأيادي الفراق تنقب عما تبقى من شمل فتشتته، وتتسلل المأساة إلى عمود الخيمة فتنخره كما تنخر العظام، ويا لها من مأساة! ضمت إلى قريناتها من المآسي المتلاحقة.

في ظل هذه الساعات المربكة، يتنزل جبريل على النبي، ليزف إلى خديجة البشرى جزاء بما قدمته، ويطلب أن يبلغ الرسول خديجة (ع ) بأن الله - تبارك وتعالى - يُسلم عليها، وكذلك جبريل يسلم عليها، ويبشرها ببيت من لؤلؤ في الجنة. قال جبريل للنبي: «هذه خَدِيجَةُ، فَإِذَا اتتك فاقرأ عليها السَّلَامَ مِن رَبِّي، وَبَشِّرْها بِبَيتٍ في الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ»، والقصب لؤلؤ مجوف وياقوت.

يُسلم الله وجبريل على خديجة، ويا لها من بشارة فما الذي يخافه الإنسان إذا سلم الله عليه وجبريل؟ تلقت تلك البشرى في أيامها الأخيرة، كانه إعلان عن جائزتها في ختام رحلتها، فقد نالت قصب السبق بسبقها إلى الإيمان، والقصب هو اللؤلؤ المجوف جزاء ما بذلته من مالها في سبيل الله، أما البيت في الجنة نهو جزاء لها على البيت الذي ابتنته للنبي ليصبح بيت النبوة الأول، ونواة الإسلام الأولى في مكة، لا صخب في بيتها بالجنة لأنها ما كانت تصخب ولا ترفع صوتها قط في بيت النبوة، وإشاعتها السلام والمحبة فيه، ولا تعب في بيتها بالجنة؛ جزاء لما لاقته مع النبي من مشقة وعنت، ولقدرتها على التعايش مع الظروف الصعبة في تلك الفترة.

لقد «أزالت خديجة عن النبي كل نصب، وأنسته من كل وحشة، وهونت عليه كل عسير، فناسب أن يكون منزلها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها»، فاستحقت السلام بكل ذلك.

ماتت خديجة مبشرة آمنة مطمئنة، سلمت روحها لباريها بعد أن سلّم الله عليها وجبريل، وبعد أن بشرها الحبيب المصطفى (ع) بقصر في الجنة من لؤلؤ، غير أن المصاب العظيم يهوي في قلب النبي بثقله من سماء المعاناة إلى تربة القلب النقي، فتثير زوبعة من الحزن الشديد، غير أن الأنبياء لا يتوقفون أمام مصائبهم كمن يقفون على الديار يناجونها وهم في غفلة عن مسيرتهم المكتوبة، ورسالتهم المكلفون بها، فيتناسى الأنبياء وورثتهم من أهل العلم والنور والإنجاز، آلامهم من أجل آمال الناس، ويمضون غير عابئين بجراح القلب مهما عظمت، فالقلب له رب يؤويه ويملؤه بأنواره القدسية التي تمحو كل ألم، وتجبر كل كسر.

يا لقسوة المصاب ويا لعظم الفجيعة! إن من يعرف قدر خديجة عند رسول الله (ص) يدرك كيف مرت به أيام الفقد؟ ويشعر بوطأة الحزن والألم، وشدة المعاناة التي كاد بها القلب يُصدع ماتت الحبيبة النجيبة، ماتت الحنون الرؤوم ماتت ذات القلب الكبير، كرمها مغدق وحكمتها راسخة وألفتها تجذب القلوب، فتحيل قسوتها إلى رقة، وتغسل الضغائن بالماء الزلال سمي العام الذي ماتت فيه خديجة وعم الرسول بعام الحزن، ويا له من حزن رحلت عن الدنيا كنسمة عابرة، بعد أن نشرت أريجها، فعطرت المكان والزمان، وضربت أروع مثال للأم والزوجة والمعلمة، ورسمت لهن خارطة طريق للفلاح والسعادة والإنجاز.

كان رحيلها قاسيا على قلب محتها الأكبر رسول الله (ص) ، فقد فارقته وهو في أمس الحاجة إليها، إلى عطفها وحنانها ومساندتها، وقد رحل عنه عمه أبو طالب أيضًا قبلها بقليل، ففارقه أكبر داعمين له في هذه المرحلة المهمة من بناء الأمة وتبليغ الرسالة، ولعل في ذلك حكمة عظمى؛ فلا يظن ظان أن النبي لم يكن توكله التام على الله وحده، أو أن مساندة عمه وزوجه أو أي أحد ممن تبعه؛ تنقص من تمام توكله، كما أن في ذلك أيضًا عبرة للمؤمنين بأن يثقوا في قدراتهم على فعل الشيء مهما لاقوا من تعب ومشقة، كما أن فيه عبرة لهم بأن يصبروا على مشقة الطريق، وإن فقدوا المعين والصديق ولا يظنوا أنهم لن يبتلوا في سبيل إنفاذ رسالة الحياة الشريفة، ولاسيما أن طريقها صعبة، وابتلاءاتها كثيرة فيروضوا أنفسهم لتقبل الشدائد كما فعل النبي (ص) له بعد عام الحزن، وما لاقاه من التضييق الشديد على الدعوة بعد موت عمه وزوجه، وازدياد إيذاء قريش للمسلمين الجدد، ثم ما لاقاه في الطائف من ثقيف، وهنا تتجلى حكمة الله ومشيئته بأن تخطو الدعوة خطوات جديدة صعبة ومتعثرة بعد موت أبي طالب وخديجة، فبالشدة تصلب العزائم، وتشتد السواعد، وتنبني الحضارات، فما سمعنا أن الأمم تُبنى بالتراخي والكسل.

تموت خديجة (رضي الله عنها) مخلفة وراءها قلبا مصدوعا حزينا، وفؤادًا باكيا كليما، وعينا مغرورقه ذاهلة، تبحث في وجوه العابرين عن وجه خديجة فلا تجده، فالقلب من يهدهده ؟ والفؤاد من يحضنه ويدفئه؟ لقد كانت عمود الأسرة، وسندها، ومتكا النبي وأبنائه، يا للحبيب النبي! كم عانى بعدها وفراقها! وقد مرت عليه امرأة عثمان بن مظعون فرأته حزينا، فقالت: يا رسول الله كأني أراك قد دخ لتك خلة لفقد خديجة. فقال: أجل. كانت أم العيال وربة البيت. وهذا يظهر قدر الحب والوفاء في قلب النبي (ص) لها. وإن أثر الحب يظهر لا محالة في وجه المحبين ولو صمتوا:

ما كل من قال إني صادق صدقا      وليس كل فؤاد بالهوى اخترقا

 قد يَبْلُغُ الصَّمْتُ في الإبلاغ منزلة     لما ينل شأوها إفصاح من نطقا

 

إن الأسرة المنسجمة القوية المتماسكة المحبة المنتمية إذا فقدت عضوا منها تظلم أركانها، وتنغلق أبوابها، غير أن أسرة النبوة حاشاها أن تقع في ذلك الجزع المدلهم، فالدنيا عندها معبر وممر، والحياة اختيار واللقاء قريب، والأيام عجلى، لذلك لما رأى النبي(ص) خديجة في مرض موتها ذكرها بأن اللقاء قريب في جنة عرضها السماء والأرض.

لم يكن هناك فاصل كبير بين موت أبي طالب وخديجة رضي الله عنها - فاجتمع على قلب النبي (ص) بذلك مصيبتان في آن، لكنه مضى في طريقه مضي السيف لم يلن أو يضعف؛ ليعلمنا أن مسيرة الحياة لا تتوقف بموت ولا بمولد، وإنما هي ماضية بنا إلى حيث خلقنا من تراب الأرض، وإليه نعود، فيذوب الجسد ويبقى العمل والذكرى، فكان البناء غايته، والتعمير سبيله؛ من أجل هدف أسمى، وهو القيام بما كلف به، وكلنا يجب أن يضع نصب عينيه الهدف نفسه.

توفيت خديجة (ع) في شهر رمضان، ودفنت في الحجون. دفنت خديجة (رضي الله عنها) في مقبرة الحجون ويطلق عليها مقبرة المعلاة أو المعلا، أو مقبرة أهل مكة وهي من أقدم مقابرها، وتقع على سفح جبل الحجون شمال شرق مكة، وتضم عددا كبيرا من قبور بنـي هاشم أجداد النبي الله كقصي بن كلاب، وعبد مناف، وهاشم، وعبد المطلب، وأبي طالب، والقاسم بن محمد وأول شهيدين ياسر وسمية، كما تضم عددًا من مقابر الصحابة والتابعين. نزل رسول الله (ص) في حفرة خديجة بنفسه، ولم تكن الصلاة على الجنازة يومئذ من السنن المشروعة.

 

https://www.almoterfy.com/post/وفاة-السيدة-خديجة-بنت-خويلد-عليها-السلام