
عاش جيل الآباء والأجداد زمنا صعبا كان العيش فيه ممزوجا بالتعب و العناء و الهجرة و التنقّل و الخروج من ديار الأهل في سنّ مبكرة قد يضطر له أبناء ذلك الزمن منذ سنّ اليفاعة , ما أن يبدأ بإتقان حرفة من الحرف أو يكوّن رأس مال بسيط فهو يحاول أن يضرب بين يدي القدر ليتوسل شكل من أشكال أرزاق الله سبحانه و تعالى .
و بين يديّ رسالة بعثها وقتذاك شاب يافع في فترة ما بين الحربين العالميتين إلا أنّها للأسف غير مؤرخة و هي ( رسالة عائلية ) من المرحوم علي بن محمد بن علي الموسى آل علي بن عبدالله إلى زوج خالته و قريبه المرحوم الشيخ محمد بن علي بن عبدالله البقشي إلا أنها يستفاد منها بعض الملامح و الأشخاص ذكروا فيها و هذا نصّها [1]:
بسم الله تعالى .
إلى جناب الأجلّ الأمجد الأكرم الحشم الأشيم ,حميد السجايا و شيم الوالد العزيز و الكهف الحريز , شيخ محمد بن المرحوم علي بن عبدالله البقشي سلّمه الله تعالى ثم السلام عليكم و رحمته و بركاته , عليك و أما خطّك الشريف وصل ما عرّفت فكان معلوم , و بعد إن شاء الله نحن مجتهدين و بعد أحنا بنستقيم العاشور إنما برح الشغل زين إن شاء الله و بنصوم في البحرين و السلام .
و سلّم لنا على نفسك و على الأخ حسن و الأخ حسين , و علوي و الخالة , الوالدة و رضايعي , وعيالهم و الخوال و عيالهم و العم أحمد و عياله و العمّات و عيالهم و على الحمولة كافّة و منا علي بن محمد الحسن البقشي و محمد البقشي و عياله و أحمد الجعفر و عياله و علي بن عبدالله المهنا و علي بن حسن بن سليمان و و ابنه و بن العم أحمد بموسى , و أخيه موسى و صبيان بين بن خير الله كافة يردون السلام بالخصوص علي الملا و عياله و حسن بن محمد بن سليمان حرّر الكتاب يوم ثاني من الأضحى
صحّ علي بن محمد بن علي بموسى .
كاتب الرسالة في سطور :
المرحوم الحاج علي بن محمد بن علي بن موسى بن محمد بن الشيخ موسى بن محمد بن علي بن عبدالله بن محمد بن سلمان الصايغ .
و قد عرفته رحمه الله شخصية عصامية و أحد الآباء المؤثرين في محيطنا , و وجيها له حضور اجتماعي واسع , حلو المعشر رائق الحديث , فصيح اللسان ثري العبارات , مؤثّرا فيمن حوله , عركته الحياة و صهرته التجارب , فاكتسب حنكة و سياسة في الحديث و قدرة بالغة على الإقناع , يمزجها دايما بحسه الفكاهي , حتى في المواقف الصعبة و أوان الضعف في مرضه , ملتزما بالأناقة في زيّه و ملبسه و مسكنه .
مولده : مولده المثبت في الجنسية 1332هجرية بالهفوف.
وفاته رحمه الله 27 / 6/ 1424هجرية .
نشأ في كنف والديه علي بن محمد الموسى الصائغ و والدته مريم بنت عبدالله بن محمد السليمان البقشي إلا أن والده توفي مبكرا , فقد عزم على أداء فريضة الحج و باع عدة العمل و كان ذلك الأمر معتادا حيث الذاهب للحجّ قديما كان يصفي أموره الدنيوية , لما يكتنف رحلة الحج من مخاوف و أهوال الطريق من سلب و نهب و ضياع و قتل و أمراض , فالذاهب للحج وقت ذلك كالخارج بجنازته يكتب وصيته و يودع أهله .
و قد ركب البحرعن طريق العجير فتوفي في الطريق مع رفيق له في الرحلة اسمه عبدالمحسن بن إبراهيم بو خمسين[2] .
فنشأ يتيما ترعاه والدته في كنف عميه موسى و أحمد العلي الموسى و جده عبدالله السليمان البقشي و الذي كان من ملاّك النخيل ميسوري الحال و مع أخ أصغر له توفي شابا اسمه عبدالوهاب و أختين هما فاطمة[3] و آمنة [4].
و الولاية الشرعية عليه و على أخوته تحت نظر المرحوم سماحة الشيخ محمد بن عبدالله البقشي
فالتحق بالدروس التقليدية لدى المطوّع , و أجاد القراءة و الكتابة .
و بعدها تدرّب على خياطة البشوت و ما أن تمكن من مهاراتها حتى اشتاقت نفسه لخوض تجربة السفر و توسيع الرزق فركب البحر إلى البحرين و التحق هناك متنقلا بين مجالس الخياطة و التي كان ارتحاله إليها سببا لهذا الرسالة التي نتناولها الآن .
ثم ما لبث أن اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1938م و ما صاحبها من اضطراب و تضنك للأرزاق , و انكماش اقتصادي لكن ما أن توقف أوارها حتى رجع إلى الأحساء و افتتح مع شركه و صهره ( علي بن محمد البقشي ) بقالة كانت تعتبر من أوائل البقالات التي استوردت المعلبات التي كانت ترد إلى البحرين و قبلها لم تكن المعلبات معروفة وقتها .
كما افتتح معملا لتعبئة البطاريات و التي كانت تستخدم لتشغيل أجهزة الراديو بمشاركة ( علي بن محمد البقشي أيضا ) و كان يعمل على ماكينة تعبئة سلمان بن علي السليمان البقشي ( بو جابر )[5] , و كان هذا الدكان سببا لانفتاحه على أغلب أطياف المجتمع سيّما البيوت الميسورة , خاصة أن امتلاك جهاز مذياع وقتها لم يكن متيسرا للجميع فضلا عن توقف البعض عن امتلاكه لأسباب دينية .
ثم سافر للعراق و عمل معزب بشوت في الكاظمية إلا أنه لم يلبث طويلا فرجع للوطن و افتتح بقالة في بقيق بمشاركة حسن بن محمد البقشي بو سمير .
في تلك الفترة كان يشارك المرحوم عبدالمحسن بن علي السليمان البقشي في شكل من أشكال التجارة البينية و التي كانت شائعة وقتها فينقلون بضائع الحسا من التمورو العيش الحساوي و بعض الفواكة و البشوت لبيعها في سوق الكويت ثم يحملون بضائع الكويت خاصة التبغ الأجنبي و يباع في العراق و يشترون الملابس خاصة الجاكيتات المستخدمة و يقومون بنقلها إلى إيران و في طريق الرجعة ينقلون بضائع إيرانية مثل السجاد و الزعفران و الزرنيخ و غيرها لبيعها في أسواق الرجعة و في الطريق ينقلون بعض بضائع العراق المفضلة محليا كالبقوليات للأحساء .
ثم افتتح محلات لبيع الملابس في عمارة السبيعي في الستينيات الميلادية وقتها كانت عمارة السبيعي من المول الأفخم في الحسا , ثم أدخل بيع العطور و مستحضرات التجميل .
في نهاية الستينيات دخل ضمن مؤسسي الشركة الأهلية مع عبدالحميد بن علي فضل المحمد صالح , حسين الموسى , و آخرين وكانت شركة مساهمة , مهامها توفير المياه و مصنع للثلج و آخر للجصّ , كان افتتاح هذه الشركة مواكبا لشركات أخرى سبقتها كشركة التعاون التي أسسها المرحوم ياسين الغدير مع شركاء آخرين في ذات النشاط إلا أنّ الشركة الأهلية لم يطل عمرها فصفيت ممتكاتها و عقاراتها و التي كانت تقع مقابل موقع الدفاع المدني بشارع الإمام علي بن أبي طالب .
و واصل هو تطوير عمله في استيراد البطانيات و الشنط و العطور في عمارة السبيعي .
و مع فورة الطفرة العقارية مطلع السبعينيات أسس مع مجموعة من الشركاء ( جمعة بن حسن الخليفة , و محمد بن حسن الخليفة و حسن بن محمد البقشي ) مكتب قرطبة العقاري و كان من أنشط المكاتب العقارية وقتها , قد كان يتولى تنظيم المزادات العقارية و تداول المخططات المميزة كمخطط الأندلس .
و في آخر حياته افتتح مجمّع الموسى لبيع المفروشات و الأكسسوارات المنزلية في شارع الإمام علي بن أبي طالب ..
زواجه :
اقترن في صباه ب بتلة بنت علي بن أحمد السليمان البقشي لكنها أصيبت بحادث مفجع في بيتها فقد التهمتها النيران اثناء قيامها بالطبخ بسبب استخدام الحطب كوقود , و بعد وفاتها تزوج من فاطمة بنت محمد بن علي البقشي و التي انجبت له أبناءه و بناته ( خيرية أم الخير , و محمد أبو رمزي , وحسين بوهاني , و فوزية أم نايف البقشي , شكري و عواطف أم بهاء علي البقشي , و ابتهاج أم ميثم سعدي البقشي )
****
امتاز رحمه الله بحسن التدبير و سرعة البديهة و من ذلك أن أحد الأقارب طلب منه إيصال زوجته و كان مقيما في العراق بغرض العمل في خياطة البشوت و لم يكن قد استخرج لها جواز سفر و لك تكن الأمور وقتها بذلك بتلك المداقة الشديدة فكان من الشائع أن تستخدم المرأة جواز سفر امراة أخرى !
فحمل تلك المرأة معه و قبل الجمارك العراقية كان يقوم بتحفيظها اسم صاحبة الجواز أنت فلانة ..اسمك فلانة .. إذا سألك المفتش عن اسمك قولي فلانة ! و لكن كانت تلك المرأة تنسى فيأس من أن تحفظ فقال لها أصمتي و سنقول أنك خرساء!!
ولكن غفلة تلك المرأة جعلتها تنطق و تقول اسمه الحقيقي للمفتش العراقي بعد أن قال الحاج علي الموسى أنها خرساء ! فتدارك الحاج علي الموسى بأن رفع صوته بالصلاة على محمد و آل محمد و قال : ما أعظم بركة محمد و آل محمد لقد شفيت هذه الخرساء من أطلق الله لسانها من ببركتهم قبل أن تصل لعتباتهم !! و لحسن تدبيره سمح لهم بالمرور
موقف :
كان رحمه الله لا يكترث لمسألة العمر , يعد الصحة و التمتع بها أمرا مهما لذا في جلس والدي سأله ذات مرة أحد الأقارب بمحضر من مجموعة من أبناء عمومته ( أبناء ملا حسين بن موسى الموسى ) و كان ذلك في يوم 18 من ذي الحجة عام 1409هجرية , فقال :
لي الآن عشر سنين أعيش في الوقت الضائع و كل ما فوق هذا ربح ! أستمتع بالوقت الضائع فأنا أتمتع بصحة جيّدة و أسافر و أروح و أجيء فأتذكر ذلك و أحمد الله كثيرا .
موقف طريف :
عندما كان رحمه الله في مرض موته اشار لابنه الحاج حسين ( يا بو هاني ... تراني مقتدر و بخير الله يعافيك في فاتحتي الله الله في الذبايح الزينة ! أبي اللي يقعد ياكل يقوم و يقول الله يرحمك يا علي بن موسى .)
و رجوعا لنص الرسالة :
فقد بدأت بديباجة مديح في المرسل له و هي عادة قديمة يكتبها عادة المرسل للمرسل له سواء تساويا في العمر أو المرتبة أو كانت من الأقل إلى الأعلى سنا أو مقاما , و يزداد طولها عادة كلما ارتفعت منزلة المرسل إليه , و ارتفع شأنه و كان له منصب في السلطة أو المكانة الدينية .و قد تستوعب ثلث أو ربع الرسالة نفسها ! ..
لغة الكتابة : تمتاز بعد المقدمة بالبساطة و تختلط ألفاظها بين الفصحى و الدارجة الشعبية , هذا أمر معتاد تلك الفترة .
يستخدم لفظ ( خطّ ) للرسالة و لازال كثير من الآباء يستخدمون هذا اللفظ و خطّ لأنها تكتب عادة باليد قديما فلزم الاسم عليها .
و خطك الشريف أو خطك الكريم أو كتابكم الموقر استخدامات تأدبية للإشارة للمرسل و ما أسند إليه من كتابة .
و قد كانت مثل هذه الرسائل تصل إما بالبريد الرسمي و هي وقتها يؤخذ عليها رسوم و طوابع , أو تصل عبر المسافرين الذين لم ينقطعوا يوما بين الأحساء و البحرين , و يبدو أنّ هذه الرساله من هذا النوع الأخير حيث كانت مطوية و مسجل عليها من الخلف اسم الشيخ محمد البقشي و العنوان الرفعة .
يبدو من سياق الكلام أنّ هذه الرحلة للمرحوم الحاج علي هي الرحلة الأولى له للبحرين و أنّه يطمئن المرحوم الشيخ محمد البقشي و هو زوج خالته و الولي الشرعي عليه بعد وفاة والده رحمه الله .
كما تشير لنمط البقاء لمخايطة البشوت الذين عملوا في البحرين و الذي كانت رحلاتهم تطول و تقصر و هي مرتبطة بنشاط و رواج العمل فإن تواصل انتعاش السوق بقوا أشهراً أو حتى سنيناً دون أن يرجعوا للأحساء إلا زيارات خاطفة للأهل أو لمناسبة اجتماعية أو قد يلزموا أسرهم بالارتحال و اللّحاق بهم في البحرين .
( سلّم على نفسك ) هذا التعبير مستلّ من الآية الكريمة (( فإذا دخلتم بيوتا فسلّموا على أنفسكم تحية من عند الله )) و هو أسلوب شائع في الرسائل القديمة على اعتبار أن الرسالة تمثّله في السلام على المرسل إليه .
و قد ورد في هذه الرسالة ذكر عدد من الأشخاص رجالا و نساء .لأن الرسالة كما ذكر آنفا رسالة عائلية , فلا بأس من الإشارة لهم و فيهم أقارب للمرسل و أرحام و جيران و رفاق عمل من باب التأريخ للمرحلة المهنية هذه .
الأخ حسن : يقصد بن الحاج حسن بن الشيخ محمد البقشي ( بو محمد ) .و هو بن خالة المرسل .
الأخ حسين : الابن الأصغر للشيخ محمد البقشي .
علوي : يقصد عليه الحاجة عليه , كريمة الشيخ محمد البقشي الوحيدة , و زوجة المرحوم عبدالله بن عبد علي بوجبارة .
الخالة : زوجة الشيخ محمد و هي المرحومة آمنة بنت عبدالله بن محمد بن سليمان البقشي .
و الوالدة : و هي أمه المرحومة مريم بنت عبدالله بن محمد بن سليمان البقشي .
ولهما أخت ثالثة هي بتلة بنت عبدالله والدة المرحوم أحمد بن عبدالوهاب بن أحمد البقشي رحمهم الله جميعا .
و رضايعي : يقصد أخواته و مفردها في رضيعة و هو تعبير عن الأخت مستخدم و شائع في الحسا على اعتبار أنها شريكته في الرضاعة .و أخواته أمنة و فاطمة المشار لهما سابقا .
و الأخوال : يقصد أخواله أبناء الحاج عبدالله السليمان البقشي و هم محمد , و علي و حسن .
و العم أحمد : يقصد به المرحوم أحمد العلي الموسى صائغ السيوف و الخناجر الشهير و ابناؤه .
و العمّات و هن كل من :