
يحسن بنا قبل أن ندخل في تفاصيل عنوان الموضوع أن نعطي مقدمة عن قبيلة بنوخالد حكام الأحساء الأسبقون . يوجد شبه اتفاق بين النسابة والباحثين في التاريخ أن خوالد الأحساء تشكيلة من بطون قبلية بدوية وحضرية تحالفت تحت راية آل حميد النازحين من بوادي بيشة الواقعة غرب جنوب الجزيرة العربية ، معظم أحلاف بنوخالد هم فروع وأفخاذ يرجعون نسبا إلى قبيلة "بنوعقيل بن عامر بن صعصة بن هوازن" الذين استوطنوا شرق الجزيرة العربية حيث استعان بهم القرامطة في السيطرة عليها ، حيث تمكنت قبيلة بنوعقيل العامرية بعد زوال سلطة القرامطة والعيونيين من بعدهم أن يحكموا المنطقة بمسميات أسرية متعاقبة ( آل عصفور ، آل جروان ، الجبور ) هذه التشكيلة من البطون والفروع اتحدت فيما بعد تحت راية آل حميد الخوالد من أشهرها ( الجبور ، آل صبيح ، العماير ، العمور ، المهاشير ، آل جناج ، الدعوم ، السحبان ، الشبلة ، النهود ، السياسب ، القديمات ، المقابل ، الجحاحفة ، النعاثل ) .
لا تزودنا المصادر المتوفرة عن الفترة التي برز فيها بنوخالد كإحدى القوى الرئيسية في الأحساء ولا حتى كيفية وصولهم إلى الأحساء ، لكن الاحتمال على ضوء المعطيات المتوفرة أن ظهور الخوالد على مسرح الأحداث بدأ بمصاهرة حاكم الأحساء الجديد مقرن بن زامل أمير الدولة الجبرية ذائعة الصيت مع "حميد" زعيم و شيخ الخوالد حيث تزوج أخت مقرن بن زامل ، وهذه المصاهرة حسب الظن أنها ذا أهداف سياسية لحاجة مقرن لتقوية مركزه كحاكم جديد للمنطقة أمام منافسيه ، أتاحت هذه المصاهرة بعد سنوات طوال من الإستقرار أن يتولى ولد هذه المصاهرة "ابن الشيخ حميد" قيادة قوات خاله الأمير مقرن المدافعة عن البحرين من الهجوم البرتغالي الفاشل عليها سنة ( 926ه/1520م) وفي السنة التالية تولى الأمير مقرن بنفسه صد الهجوم البرتغالي الثاني الذي انتهى إلى هزيمة الجبور ومقتل مقرن بعد معركة بحرية حامية الوطيس لينسحب "ابن حميد" ببقية القوات الناجية .
لم يستطع خلفاء مقرن من أهله وعشيرته من الإتفاق على تنصيب أمير جديد ووصلت الأمور من الحدة في الاختلاف إلى الإستعانة بأمير البصرة راشد بن مغامس الذي استجاب سريعا طمعا في التفرد بحكم المنطقة سنة ( 931ه/1525م) أي بعد مرور أربع سنوات من الفراغ السياسي في العاصمة الهفوف لتعيش المنطقة في ظل سلطة آل مغامس مزيدا من الإضطرابات السياسية وحروبا أهلية امتدت من البصرة شمالا إلى الأحساء جنوبا مرورا بالقطيف والبحرين استغرقت هذه الفوضى 26 عاما من سنة ( 931ه) إلى سنة (957ه)
في حينها قررت السلطة العثمانية التدخل والسيطرة عسكريا على المنطقة كاملة "البصرة ، القطيف ، الأحساء ، قطر" فالقوى المحلية بدلا أن تكون عاملا مساعدا في طرد البرتغاليين من المنطقة أصبحت عاملا مساعدا في تدخلهم وزيادة نفوذهم .
مع سيطرة العثمانيين على الأحساء نشأت معاناة من الضرائب المتعددة وارتفاع الأسعار والتجاوزات التعسفية على الأهالي مما أدى انتقال مسلسل الاضطراب والاحتراب المناطقي إلى الاضطراب والاحتراب المحلي وكان من يقود تلك الاضطرابات في معظم الأحيان زعماء الخوالد أمراء البادية الأحسائية حيث اتحدت البوادي وانقادوا لزعيم قوي من آل حميد يدعى "سعدون" الذي عينه الأتراك حاكما على لواء البادية وبالرغم من هذا التعاون إلا أن بنوخالد كانوا يتحينون الفرصة للثورة والتمرد فقد ثاروا بعد أن شعروا بضعف الأتراك بعد حملتهم الفاشلة للسيطرة على البحرين سنة (966ه/1559م) وما أدت إليه من أسر حاكم الأحساء العثماني أمام القوى الهرمزية الحاكمة والمتحالفة مع الأسطول البرتغالي البحري .
تمكن سعدون الخالدي من السيطرة على أجزاء عديدة في الأحساء باستثناء الهفوف والعيون وجعل المبرز مقرا لحكمه وأعلن نفسه أميرا على الأحساء وأخذ يوزع الأراضي على عشيرته وأتباعه من البدو بختمه الشخصي حيث وضع يده على الأرياف .
استياء الأحسائيين من تصرفات الولاة العثمانيين وجنودهم كمصادرة الأراضي ورفع الأسعار وفرض العديد من الضرائب والإعتداء على الحقوق جعلهم يساندون سعدون الخالدي في ثورته ضد الأتراك ويغذونها بالمساهمة بالرجال والإرشاد والتشجيع .
انسحب سعدون الخالدي إلى البادية بعد وصول تعزيزات عسكرية من البصرة ويبدو أنه انسحاب تكتيكي حيث استمرت الهجمات الخاطفة على المعسكرات العثمانية والمراكز المالية والتجارية التي تديرها وظل هذا التمرد قائما مدة 7 سنوات من تاريخ التمرد السابق حيث استطاع سعدون أن يجعل بعض "الأغوات" يعملون لخدمته منهم "علي آغا" رئيس طائفة المتطوعين وأخيه "لطفي" حتى اكتشف أمرهما سنة (975ه/1568م) وصدر حكم سلطاني بصلبهما لكن لم يتم تنفيذ الأمر ربما لتدخل تشفاعات أجلت التنفيذ ليتم تخفيفه لاحقا .
متاعب الأحساء جعلت بغداد ترسل واليا جديدا يدعى "إلياس بك" وإمداده بقوة عسكرية كبيرة من البصرة على وجه السرعة للمحافظة عليها وحمايتها من سعدون الذي استفحل أمره مما لا يدع مجالا للشك لإمكانية وقوع ثورة جديدة .
استطاع "إلياس بك" التواصل مع سعدون والاتفاق معه على ترك التمرد والخضوع للسلطة العثمانية في مقابل راتب سنوي ضخم يبلغ ( 200 ألف أقجة) مع إعادة تعينه أميرا على لواء البادية شرط أن يقيم داخل الأحساء مع عشيرته ويقوم بمهمة حفظ الأحساء وحراستها من العناصر البدوية المنفلتة 983ه/1575م .
ويبدو أن موافقة سعدون الخالدي كانت تكتيكية حيث أخذ يعمل على تعزيز قوته ونفوذه إذ ورد خبر من بغداد إلى مجلس السلطان أن سعدون قد وصل بقومه إلى بغداد وأنه يحاول الحصول على الإمدادات والمؤن وكان رد المجلس السلطاني أن طلب من بغداد إشعار سعدون بأن راتبه يدفع له في حالة بقائه مع قومه في حدود منطقة الأحساء وليس خارجها ، ومما يبرهن على قوة سعدون قيام تمرد من قبل أحد زعماء المنتفق والحاكم المحلي للصحراء في ولاية البصرة يدعى "محمد بن عثمان" بمساندة من قبيلتي "شمر وبني لام" حيث قاد محمد بن عثمان تلك الجموع صوب الأحساء والهجوم على قبيلة "العماير" حليفة الخوالد وتمكن من نهبها ثم أعلن عن نواياه وأحقيته بالأحساء وقراره بالإستيلاء عليها .
حشد سعدون خيالته وقواته مطاردا قوات محمد بن عثمان وحينما شعرت قبيلتي "بنو لام وشمر" بعدم قدرتهما على مجابهة سعدون وجنوده تخلتا عن حليفهما ابن عثمان ونهبتا معسكره ولاذتا بالفرار ، ومع أن ابن عثمان قد نجى بنفسه من جبروت سعدون وجنوده في تلك المواجهة إلا أنها حدت من نشاطه وفشل مشروعه في السيطرة على الأحساء .
إنهاء تمرد ابن عثمان كان في ظاهره في مصلحة الحكم العثماني وهيبته وتعزيز قدرتها في إخماد طموحات القوى المحلية ذات النزعة الإنفصالية والاستقلالية في البلاد المجاورة خاصة العراق إلا أن الواقع كان في خدمة سعدون بصورة أكبر على المدى المستقبلي لهذا نرى كيف أن سعدون استغل الأزمة الجديدة الناتجة من استياء الأحسائيين وتمرد الحاميات العثمانية حيث اشتعلت هذه الجذوة من جديد مع حاكم الأحساء "أحمد باشا" غير المرغوب فيه ليعلن الثورة وتشتعل حتى تصل نيرانها إلى قلعة الهفوف نفسها مركز الحاكم العام ويضرب عليها حصارا وكانت الثورة من القوة جعلت بعض القادة العثمانيين يراهن عليها ويتواطئ مع سعدون كان على رأسهم "أحمد بك" أمير لواء التهامية .
صبر القوة العثمانية وانضباطها وثباتها ومراهنتها على الوقت وتواصلها المستمر مع مركز القيادة في البصرة وبغداد جعل الأمور تتحسن مع تكبد العثمانيين الكثير من الخسائر والقتلى وإصابة البلدات الأحسائية نفسها بخسائر فادحة جراء الإنفلات الأمني وهجمات بعض الجمعات الخالدية غير المسؤولة بقيادة أحد زعمائها يدعى "عبيكة" .
قررت القيادة العثمانية الاستعانة بالألوية البعيدة وجلبها إلى الأحساء والدخول مع الثائرين في معارك ومطاردتهم إلى البادية ، إذ طلب من محمد بن أبي الريش حاكم منطقة الصحراء جنوب حلب في سوريا وحسن شريف مكة بالسير إلى الأحساء بكامل قواتهما للمساعدة على التمرد(991ه/1583م) والقبض على المتمردين سعدون وعبيكة .
ولا نعرف ماذا حدث لتلك العملية على وجه التحديد ويبدو أنها لم يتم تنفيذها فقد ورد خطاب في السنة التالية (992ه/1584م) إلى حاكم عام الأحساء يتضمن بالتحقيق الدقيق في الاضطرابات التي سببها أمير البادية سعدون والمتواطئين معه من عناصر القوة العثمانية في الأحساء ( محمد بك ، موسى ، بك ، داوود أغا ) والرفع إلى اسطنبول ليتم اتخاذ اللازم .
وتستمر حالة الثورة فالثائر سعدون عازم على طرد الأتراك فوجودهم غير مرغوب فيه وإن كان حجة وجودهم العدو البرتغالي الذي بات يسيطر على الطريق التجاري البحري فليزيحوه في البحر وليس في البر .
عجز حاكم الأحساء الذي يتم استبداله بين سنة وأخرى القدرة على مواجهة سعدون فهو صعب المراس ولا يستجيب لاشتراطات الإغراءات المادية ولا التهديدات الحربية فطلب إرسال تعزيزات وإنه بحاجة إلى 400 جندي منهم 200 من القناصة لمدة ثلاثة شهور فحشود الثوار بقيادة سعدون آل حميد على أهبة الاستعداد للدخول إلى العمق الأحسائي فقد قرب حلول موسم الصرام وسعدون يرى أن الأتراك لا حق لهم في خرص التمور فهم متعسفون ولا يرحمون الأهالي وكل شئ عندهم يكال بمكيالين مما يؤدي إلى ارتفاع قيمة السلع كون أن التمر هو عملة التبادل التجارية .
طلب الحاكم في إرسال التعزيزات تم رفضه فالجبهة الإيرانية مستعرة وكل القوات تم حشدها لمواجهة الصفويين وأن عليه معالجة الوضع اعتمادا على قدرته حتى تهدأ الحرب ( 992ه/1584).
تختفي أحداث سعدون ومنطقة الأحساء في الست سنوات القادمة إلا أن ماذكر بعد ذلك يوضح استمرار ثورة سعدون وازدياد خطورته على الوجود العثماني في المنطقة كاملة ، حيث أسندت إدارة ملف سعدون إلى الحاكم التركي في العراق والإستعداد لشن حرب واسعة وتم توجيه الولايات المجاورة لمساعدة بغداد في هذه الملف الذي بات يحتل درجة قصوى من الأهمية إلى مستوى جعلت السلطان العثماني مراد الثالث بنفسه يكتب خطابا موجها إلى سعدون كمحاولة أكثر سهولة وراحة من شن حرب واسعة في العمق الصحراوي (998ه / 1590م)
"إلى الأمير سعدون لقد كنت سابقا خادما مطيعا لهذه السلطنة ولكنك أصبحت في الفترة الأخيرة سببا للمشاكل ، يجب أن أفهم كل الظروف التي أدت إلى هذا التغيير ولهذا فقد وجهت حاكم عام الأحساء أحمد للاتصال بك والاجتماع معك ، فوضح له شكايتك بكل تفصيل وصراحة ، وسيكتب لي بدوره بالتفاصيل كلها أيضا وإن شاء الله سنعمل بالعدل لإزالة كل المظالم التي وقعت" .
يبدو أن سعدون خبير بالسياسة التركية وأساليبها الاستمالية حيث لم يقنع سعدون بهذا الخطاب وأسلوبه اللين لمعرفته بأن الأتراك لا يؤمن جانبهم وخضوعهم له أو لغيره خضوع تكتيكي حتى يجدون الحيلة للفت في عضد من يتجرأ على تحدي سلطانهم .
في سنة ( 999ه/1591م) أصدرت اسطنبول خطابا موجها إلى حاكم عام البصرة وأنه سيتم تزويده بقوات من بغداد ليقودها بنفسه أو من ينوب عنه والتوجه بها نحو الأحساء حيث بات سعدون يسيطر عليها بشكل تام عدا لواء صفوى والقطيف وأنه هو من يدير الولاية الأحسائية وأن واردات المنطقة باتت في حالة عجز مالي فقد انخفضت إلى 30 حمل أقجة وهي لا تكفي لسداد قسطين من مستحقات الطوائف العسكرية وأن عرب بنوخالد وضعوا يدهم على المصادر المالية .
من الملاحظ أن معظم الخطابات التي تحمل أوامر بتجهيز قوات عسكرية والتوجة بها صوب الأحساء لا يتم تنفيذها أو يتم التراجع عنها أو تأجيلها ربما السبب يرجع لإدراك القادة الأتراك في بغداد أو البصرة انعدام فرصة نجاحها وأنه من الحمق إرسال قوات عسكرية نظامية إلى عمق الصحراء لمحاربة الأعراب وهم محاربون يعتمدون على تكتيك المعارك الثورية وعنصر المباغتة والمفاجأة واهجم ثم اكمن حتى يدب الضعف والوهن والاضطراب في العدو في بيئة قاسية لا يتحملها إلا أهلها وسكانها الأصليين .
للأسف تنقطع سيرة سعدون ثائر الأحساء وبطلها بعد سنة (1003ه/1595م) وتنقطع معها أخبار الأحساء والعلاقة المتوترة بين الطرفين العثماني والخالدي مدة 70 سنة التالية إلا من شذرات وأخبار متناثرة في بطون الكتب لا علاقة بهذا الصراع ويبدو لي أن بنوخالد لم تكن عندهم نزعة انفصالية واستقلالية تامة وحسم المعركة مع الأتراك لم يكن من أجندات حركتهم الانفصالية لوجود قوى أجنبية عديدة على رأسها العدو البرتغالي فالاستقلال التام يعني انتدابهم لمحاربة هذا العدو القوي والتصدي له وذاكرة الخوالد بالتأكيد حاضرة فيما فعله البرتغاليون بأسلافهم الجبور الأقوياء لذا يدرك الخوالد أن إمكانياتهم برية وليست بحرية لذا طموحاتهم لا تتجاوز الحدود الإدارية للأحساء بمنافذها التجارية البرية والبحرية لذا نلاحظ أن الخوالد مع كل ثورة يتركون صفوى والقطيف وسيهات بيد العثمانيين كحماة للمنطقة من البرتغاليين في الخليج العربي وأطماع والمملكة الهرمزية وأطماعها في تمديد سلطانها من البحرين إلى القطيف وأطماع الصفويين في اخضاع البصرة والسيطرة عليها والسيطرة على نقاط التجارة في الخليج العربي ، أضف إلى ذلك سياسة السلطنة العثمانية المتبعة في الأقاليم على الاستعانة بالقوى المحلية ومشاركتها الحكم ومحاولة استرضائها من خلال امتيازات ورواتب جزلة ومخصصات يتم تقديرها حسب حجم وقوة ومدى نفوذها .
مع انحسار النفوذ البرتغالي في المنطقة أخذ الوجود العثماني يتقلص وقل الاهتمام بمنطقة الأحساء وتوابعها حيث نلاحظ اختفاء الإشارة إلى ولاية الأحساء من سجلات "مهمة دفتري" بصفة شبه نهائية كما قلنا سابقا لتسلك المنطقة طريق الصمت الصمت المطبق حتى خروج بطل جديد بعد مرور 70 سنة من نفس أسرة سعدون آل حميد الخالدي يدعى "براك بن غرير" مؤسس الإمارة الخالدية ليكمل حركة سعدون الاستقلالية حيث تمكن براك من تحقيق حلم سعدون في الإنفصال بحكم المنطقة وعدم التبعية لأحد .