message.Client
                    .web-title

رأي الشيخ الأوحد في الحركة الجوهرية ..

 

رأي الشيخ الأوحد في الحركة الجوهرية ..
بعث إليّ جناب الصديق المكرم والأخ العزيز قاسم القرشي حفظه الله سؤالاً مهماً بخصوص رأي الشيخ الأوحد أعلى الله مقامه في الحركة الجوهرية التي قال بها ملا صدرا الشيرازي، وقد وصلني سؤاله وأنا في حال انشغال البال واضطراب الأحوال فتثاقلت في الرد ريثما سنحت الفرصة، فأجبته على عجالة، وقمت بنشر السؤال والجواب في الفيسبوك، ولكن رأيت بعد المراجعة أهمية رفد الموضوع بمزيد من البيان ليزول اللبس تماماً ويتضح هذا المطلب على اكمل وجه، وهذا الموضوع لم يتطرق اليه اي باحث قبلنا، وربما نؤلف فيه كتاباً إن شاء الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.
قال سلمه الله: 
السلام عليكم مولانا العزيز الميرزا حسن فيوضات.
اقف على بابكم هذه المره آملا أن تحدثنا عن الحركه الجوهريه وعن الجوهر وعن العرض؟ وماهي الاختلافات بين مدرسة الشيخ الاوحد وغيره من المدارس في هذه النقطه؟ ودمت موفقا.
..................
الجواب: إن تشخيص الإختلافات بين مدرسة الشيخ أعلى الله تعالى مقامه ومدرسة الحكمة المتعالية لصدر الدين الشيرازي في موضوع الجواهر والأعراض ومعنى الحركة الجوهرية يفتقر إلى جواب طويل لا تناسبه هذه العجالة ولا يناسبه هذا المكان، ولذلك سأقتصر على إيراد الفرق بين المدرستين في خصوص الحركة الجوهرية وأرجيء الكلام عن الفروقات الأخرى فيما يتعلق بالجواهر والأعراض إلى فرصة لاحقة إن شاء الله تعالى.
أقول: اعتقد الفلاسفة القدماء أن للحركة أربع مقولات عرضية هي: ( أين ، كيف ، كم ، وضع ). وبتعبير أوضح أن حركة الجسم تكون إما بتغيير مكانه وذلك بإنتقاله من مكان إلى آخر كما في مقولة (الأين)، أو بنموه أو زيادة كميته كما في مقولة (الكم). أو تغير اللون والطعم والرائحة مثلاً كما من مقولة (الكيف)، أو أن يدور في مكانه حول نفسه كالحركة الوضعية للأرض وهذا ما يراد به من الحركة في مقولة (الوضع) . وقد كان سائدا أن الحركة غير ممكنة في جوهر وذات الجسم أبداً، لأنه في كل حركة يجب أن تكون ذات الجسم المتحرك ثابتة، فالحركة لا تتصور في ذات الشئ وجوهره، بل في أعراضه. لكن الفلاسفة المتأخرين كملا صدرا والشيخ الأوحد رفضوا هذه النظرية وأقروا بوجود الحركة في الجوهر، وقالوا: إن منشأ الحركة هي الذات (الجوهر) والتي تظهر آثارها في العوارض (مع أن الشيخ والملا قد اختلافا في سببية هذه الحركة كما سنسمع). وأول من طرح هذه النظرية بشكل تفصيلي استدلالي هو صدر الدين الشيرازي حيث قال: إن كل ذرات الكائنات وعالم المادة في حركة دائبة، أو بتعبير آخر: إن مادة الأجسام وجود سيال متغير الذات دائماً، وفي كل لحظة له وجود جديد يختلف عن الوجود السابق له، ولكون هذه التغيرات متصلة مع بعضها فإنها تحسب شيئا واحدا، وبناء على هذا فإن لنا في كل لحظة وجودا جديداً، إلا أن هذه الوجودات متصلة ومستمرة فيترقى الموجود متكاملاً في جميع مراتب الوجود حتى يبلغ الترقي إلى أقصاه فيندك المخلوق في وحدة صرفة مع خالقه سبحانه وتعالى. وهذا الفهم يتطابق مع ما يؤمن به ملا صدرا من نظرية وحدة الوجود والموجود التي ذكرها محيي الدين بن عربي، فالوجود عند صدرا حقيقة واحدة وله مراتب متعددة، وكل موجود يختلف عن الآخر في رتبته التي يترتب فيها في سلسلة مراتب تلك الحقيقة الواحدة، ويكون ما به الإمتياز بين الموجودات هو عين ما به الإشتراك أي نفس تلك الحقيقة التي هي الوجود، إذ مراتب الوجود لا تختلف فيما بينها بشيء خارج الوجود، كالنور الذي يتفاوت شدة وضعفا بنفس حقيقة النور لا بشيء آخر من خارجه.
وقد أيد الشيخ الاوحد أعلى الله مقامه الحركة الجوهرية في الجملة إلا أنه لم يتفق مع ملا صدرا في التطبيق ولا فيما يترتب عليها من النتائج، فهو لا يوافق على إستمرار وإتصال تلك الحركة متصاعدة في المراتب، وهو ما يؤدي في النهاية إلى إنقلاب الجواهر عن حاق رتبتها الوجودية إلى رتبة أخرى، فملا صدرا الشيرازي لا يمانع من ذلك طالما قرر إتصال الحركة وإستمراريتها في الجواهر مطلقاً. وأما الشيخ رضوان الله تعالى عليه فقد أوضح معنى الحركة الجوهرية بطور آخر، والفرق الأساسي بين الشيخ الأوحد وملا صدرا هو أن الأخير يجعل حركة الجوهر علة لحركة الأعراض، بينما الشيخ يجعلها معلولة للأعراض، وهي حدود الشيء كالكم والكيف والجهة والرتبة والزمان والمكان، لأن ماهية الشيء عند الشيخ الأوحد هي عبارة عن مجموع تلك الأعراض والحدود، واما الجوهر فهو وجود الشيء، وهو في نفسه لا يتحرك إذ الحركة مترتبة عليه.
نعم أضاف الشيخ الى أقسام الحركات المعروفة ما أسماه بالحركة الإيجادية، وهي الفعل الكلي أو المشيئة الالهية أو الوجود المطلق، وهي متقدمة وجوداً على كل ما خلق الله تعالى، والمفعولات (في عالم الوجود المقيد) لها حصص من تلك الحركة الإيجادية الكلية، حيث تتعلق بالمتعلقات فينشأ عن تعلقاتها وجوه أو رؤوس فعلية أو مقبولات، وهذه الوجوه أو الرؤوس أو المقبولات هي وجودات الأشياء وجواهرها، وهي أيضاً مادة الأشياء وجهتها من ربها. وهذه الحصص أو المقبولات تفتقر في التحقق والظهور إلى القابليات وهي حدود الأشياء أو ماهياتها أو صورتها، فالحركة الجوهرية إذاً ليست هي المقبولات أو الحصص الفعلية أو المادة، ولا يراد منها عند الشيخ الأوحد حركات إيجادية جزئية متفرعة على الحركة الإيجادية الكلية، ففي رتبة المفعول لا يطلق على هذه الحصص إصطلاح (الحركة) أصلاً، بل يطلق عليها مادة الشيء أو وجوده أو جهته من ربه. 
إنما يريد الشيخ الأوحد من الحركة الجوهرية الحركة المترتبة على حصول تغيرات في حدود الشيء أي في ماهيته أو صورته فتؤثر تلك التغيرات في حركة الشيء التكاملية، أي في ترقي الشيء في حاق رتبته الخاصة وفي سيره الصعودي إلى الله سبحانه بفطرة التكامل المودعة فيه، فالشيء زوج تركيبي من (وجود وماهية) وذات الشيء أو جوهره لا يمكن أن تفهم بمعزل عن إحدهما، فالشيء ليس هو وجود فقط أو ماهية فقط. في حين أنّ الحركة الجوهرية عند ملا صدرا ليست مسببة عن حركة الأعراض والحدود بل هي السبب في حصولها، ولذلك يترتب على الحركة الجوهرية عند ملا صدرا حصول ترقي في الرتبة الوجودية، فيرتقي النوع الى نوع آخر، فلا مانع عند ملا صدرا من تحول حقيقة الشيء الى حقيقة اخرى، وإن كانت أعلى منه رتبة. 
ولو أردنا أن نبين موقف كلا الحكيمين من نظرية التطور لقلنا ان الحركة الجوهرية عند ملا صدرا تؤيدها نظرية دارون في النشوء والإرتقاء حيث يمكن ان يترقى المخلوق في مراتب متصاعدة وينتقل من نوع الى آخر ومن حقيقة الى أخرى، فلا إشكال من تحول القرد الى إنسان بحسب هذه النظرية على الرغم من ان الرتبة الوجودية أو الحقيقة النوعية لكل منهما تباين الاخرى. بينما لا يترتب على الحركة الجوهرية عند الشيخ الأوحد إنقلاب الحقائق وتحول الأنواع، بل يكون الترقي في الدرجة فقط، فيتكامل كل مخلوق في حاق رتبته بدرجات متصاعدة من دون أن يتحول إلى حقيقة آخرى أو ينتقل إلى نوع آخر، وهذا يتفق تمام الإتفاق مع مباديء الشرع الإسلامي كتاباً وسنّة، بل مع بديهة العقل والعلم المعاصر. 
ولا بأس هاهنا من الإستئناس بكلام الشيخ الأوحد بعد ان إتضح مراده من الحركة الجوهرية: فقد ذكر في شرح العرشية (الجزء الثاني) رداً على الملا: ((وقوله: (ونحن قد أقمنا البرهان علي ثبوت الحركة الجوهريّة) يريد انّه اذا ثبتت الحركة الجوهرية بان يكون الجوهر بنفسه يترقي من رتبته الي ما فوقها وهكذا صاعداً كانت الصورة الحسّية مع ارتباطها بالمادة صورة عقليّة، ونحن قد قلنا له: فهلّا قلتَ في الصورة المرئيّة كذلك، على ان الحركة الجوهريّة انّما تتحقق في نوعها فان الجوهر المعدني لايترقي حتي يكون جوهراً نباتيّا والنباتي لا يكون حَيَوانيّا، نعم المعدني يترقَّي في الرتبة المعدنية كأن يترقّي من الصخرية الي الزجاجية ومن الزجاجيّة الي البلّورية ومن البلّوريّة الي الالماسيّة وكذلك النباتي يترقي في الرتبة النباتية و هكذا...)).
ثم أوضح السبب الذي من أجله لا يصح أن يتعدى الترقي رتبة الشيء وحقيقته فيحوله إلى رتبة وحقيقة أخرى، بأن الحركة الجوهرية هي في الواقع حركة بسبب الأعراض أو أن المقتضي فيها هو الأعراض وليست الحركة نابعة من ذات الجوهر كما توهم ملا صدرا، قال أعلى الله مقامه: ((وقوله بهذه الحركة من قاعدته المقرّرة من اثباتِ الحركة الجوهريّة، ونحن نقول بها لكن لا نقول بأنّ المقتضي من ذات الجوهر بل المقتضي الأعراض التي هي حدود الماهية والصورة فانّها هي المحركة للجوهر فيترقّي في مراتب الشدّة بصفاءِ القوابل ويتنزّل في مراتب الضّعف بضعفِها فحركته الجوهريّة التي يترقّي بها او يتنزل حركة انفعاليّة لا حركة فعليّة كما توهَّمه المصنف و اتباعه...)).
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

قال سلمه الله: 

السلام عليكم مولانا العزيز الميرزا حسن فيوضات.

اقف على بابكم هذه المره آملا أن تحدثنا عن الحركه الجوهريه وعن الجوهر وعن العرض؟ وماهي الاختلافات بين مدرسة الشيخ الاوحد وغيره من المدارس في هذه النقطه؟ ودمت موفقا.

..................

الجواب: إن تشخيص الإختلافات بين مدرسة الشيخ أعلى الله تعالى مقامه ومدرسة الحكمة المتعالية لصدر الدين الشيرازي في موضوع الجواهر والأعراض ومعنى الحركة الجوهرية يفتقر إلى جواب طويل لا تناسبه هذه العجالة ولا يناسبه هذا المكان، ولذلك سأقتصر على إيراد الفرق بين المدرستين في خصوص الحركة الجوهرية وأرجيء الكلام عن الفروقات الأخرى فيما يتعلق بالجواهر والأعراض إلى فرصة لاحقة إن شاء الله تعالى.

أقول: اعتقد الفلاسفة القدماء أن للحركة أربع مقولات عرضية هي: ( أين ، كيف ، كم ، وضع ). وبتعبير أوضح أن حركة الجسم تكون إما بتغيير مكانه وذلك بإنتقاله من مكان إلى آخر كما في مقولة (الأين)، أو بنموه أو زيادة كميته كما في مقولة (الكم). أو تغير اللون والطعم والرائحة مثلاً كما من مقولة (الكيف)، أو أن يدور في مكانه حول نفسه كالحركة الوضعية للأرض وهذا ما يراد به من الحركة في مقولة (الوضع) . وقد كان سائدا أن الحركة غير ممكنة في جوهر وذات الجسم أبداً، لأنه في كل حركة يجب أن تكون ذات الجسم المتحرك ثابتة، فالحركة لا تتصور في ذات الشئ وجوهره، بل في أعراضه. لكن الفلاسفة المتأخرين كملا صدرا والشيخ الأوحد رفضوا هذه النظرية وأقروا بوجود الحركة في الجوهر، وقالوا: إن منشأ الحركة هي الذات (الجوهر) والتي تظهر آثارها في العوارض (مع أن الشيخ والملا قد اختلافا في سببية هذه الحركة كما سنسمع). وأول من طرح هذه النظرية بشكل تفصيلي استدلالي هو صدر الدين الشيرازي حيث قال: إن كل ذرات الكائنات وعالم المادة في حركة دائبة، أو بتعبير آخر: إن مادة الأجسام وجود سيال متغير الذات دائماً، وفي كل لحظة له وجود جديد يختلف عن الوجود السابق له، ولكون هذه التغيرات متصلة مع بعضها فإنها تحسب شيئا واحدا، وبناء على هذا فإن لنا في كل لحظة وجودا جديداً، إلا أن هذه الوجودات متصلة ومستمرة فيترقى الموجود متكاملاً في جميع مراتب الوجود حتى يبلغ الترقي إلى أقصاه فيندك المخلوق في وحدة صرفة مع خالقه سبحانه وتعالى. وهذا الفهم يتطابق مع ما يؤمن به ملا صدرا من نظرية وحدة الوجود والموجود التي ذكرها محيي الدين بن عربي، فالوجود عند صدرا حقيقة واحدة وله مراتب متعددة، وكل موجود يختلف عن الآخر في رتبته التي يترتب فيها في سلسلة مراتب تلك الحقيقة الواحدة، ويكون ما به الإمتياز بين الموجودات هو عين ما به الإشتراك أي نفس تلك الحقيقة التي هي الوجود، إذ مراتب الوجود لا تختلف فيما بينها بشيء خارج الوجود، كالنور الذي يتفاوت شدة وضعفا بنفس حقيقة النور لا بشيء آخر من خارجه.

وقد أيد الشيخ الاوحد أعلى الله مقامه الحركة الجوهرية في الجملة إلا أنه لم يتفق مع ملا صدرا في التطبيق ولا فيما يترتب عليها من النتائج، فهو لا يوافق على إستمرار وإتصال تلك الحركة متصاعدة في المراتب، وهو ما يؤدي في النهاية إلى إنقلاب الجواهر عن حاق رتبتها الوجودية إلى رتبة أخرى، فملا صدرا الشيرازي لا يمانع من ذلك طالما قرر إتصال الحركة وإستمراريتها في الجواهر مطلقاً. وأما الشيخ رضوان الله تعالى عليه فقد أوضح معنى الحركة الجوهرية بطور آخر، والفرق الأساسي بين الشيخ الأوحد وملا صدرا هو أن الأخير يجعل حركة الجوهر علة لحركة الأعراض، بينما الشيخ يجعلها معلولة للأعراض، وهي حدود الشيء كالكم والكيف والجهة والرتبة والزمان والمكان، لأن ماهية الشيء عند الشيخ الأوحد هي عبارة عن مجموع تلك الأعراض والحدود، واما الجوهر فهو وجود الشيء، وهو في نفسه لا يتحرك إذ الحركة مترتبة عليه.

نعم أضاف الشيخ الى أقسام الحركات المعروفة ما أسماه بالحركة الإيجادية، وهي الفعل الكلي أو المشيئة الالهية أو الوجود المطلق، وهي متقدمة وجوداً على كل ما خلق الله تعالى، والمفعولات (في عالم الوجود المقيد) لها حصص من تلك الحركة الإيجادية الكلية، حيث تتعلق بالمتعلقات فينشأ عن تعلقاتها وجوه أو رؤوس فعلية أو مقبولات، وهذه الوجوه أو الرؤوس أو المقبولات هي وجودات الأشياء وجواهرها، وهي أيضاً مادة الأشياء وجهتها من ربها. وهذه الحصص أو المقبولات تفتقر في التحقق والظهور إلى القابليات وهي حدود الأشياء أو ماهياتها أو صورتها، فالحركة الجوهرية إذاً ليست هي المقبولات أو الحصص الفعلية أو المادة، ولا يراد منها عند الشيخ الأوحد حركات إيجادية جزئية متفرعة على الحركة الإيجادية الكلية، ففي رتبة المفعول لا يطلق على هذه الحصص إصطلاح (الحركة) أصلاً، بل يطلق عليها مادة الشيء أو وجوده أو جهته من ربه. 

إنما يريد الشيخ الأوحد من الحركة الجوهرية الحركة المترتبة على حصول تغيرات في حدود الشيء أي في ماهيته أو صورته فتؤثر تلك التغيرات في حركة الشيء التكاملية، أي في ترقي الشيء في حاق رتبته الخاصة وفي سيره الصعودي إلى الله سبحانه بفطرة التكامل المودعة فيه، فالشيء زوج تركيبي من (وجود وماهية) وذات الشيء أو جوهره لا يمكن أن تفهم بمعزل عن إحدهما، فالشيء ليس هو وجود فقط أو ماهية فقط. في حين أنّ الحركة الجوهرية عند ملا صدرا ليست مسببة عن حركة الأعراض والحدود بل هي السبب في حصولها، ولذلك يترتب على الحركة الجوهرية عند ملا صدرا حصول ترقي في الرتبة الوجودية، فيرتقي النوع الى نوع آخر، فلا مانع عند ملا صدرا من تحول حقيقة الشيء الى حقيقة اخرى، وإن كانت أعلى منه رتبة. 

ولو أردنا أن نبين موقف كلا الحكيمين من نظرية التطور لقلنا ان الحركة الجوهرية عند ملا صدرا تؤيدها نظرية دارون في النشوء والإرتقاء حيث يمكن ان يترقى المخلوق في مراتب متصاعدة وينتقل من نوع الى آخر ومن حقيقة الى أخرى، فلا إشكال من تحول القرد الى إنسان بحسب هذه النظرية على الرغم من ان الرتبة الوجودية أو الحقيقة النوعية لكل منهما تباين الاخرى. بينما لا يترتب على الحركة الجوهرية عند الشيخ الأوحد إنقلاب الحقائق وتحول الأنواع، بل يكون الترقي في الدرجة فقط، فيتكامل كل مخلوق في حاق رتبته بدرجات متصاعدة من دون أن يتحول إلى حقيقة آخرى أو ينتقل إلى نوع آخر، وهذا يتفق تمام الإتفاق مع مباديء الشرع الإسلامي كتاباً وسنّة، بل مع بديهة العقل والعلم المعاصر. 

ولا بأس هاهنا من الإستئناس بكلام الشيخ الأوحد بعد ان إتضح مراده من الحركة الجوهرية: فقد ذكر في شرح العرشية (الجزء الثاني) رداً على الملا: ((وقوله: (ونحن قد أقمنا البرهان علي ثبوت الحركة الجوهريّة) يريد انّه اذا ثبتت الحركة الجوهرية بان يكون الجوهر بنفسه يترقي من رتبته الي ما فوقها وهكذا صاعداً كانت الصورة الحسّية مع ارتباطها بالمادة صورة عقليّة، ونحن قد قلنا له: فهلّا قلتَ في الصورة المرئيّة كذلك، على ان الحركة الجوهريّة انّما تتحقق في نوعها فان الجوهر المعدني لايترقي حتي يكون جوهراً نباتيّا والنباتي لا يكون حَيَوانيّا، نعم المعدني يترقَّي في الرتبة المعدنية كأن يترقّي من الصخرية الي الزجاجية ومن الزجاجيّة الي البلّورية ومن البلّوريّة الي الالماسيّة وكذلك النباتي يترقي في الرتبة النباتية و هكذا...)).

ثم أوضح السبب الذي من أجله لا يصح أن يتعدى الترقي رتبة الشيء وحقيقته فيحوله إلى رتبة وحقيقة أخرى، بأن الحركة الجوهرية هي في الواقع حركة بسبب الأعراض أو أن المقتضي فيها هو الأعراض وليست الحركة نابعة من ذات الجوهر كما توهم ملا صدرا، قال أعلى الله مقامه: ((وقوله بهذه الحركة من قاعدته المقرّرة من اثباتِ الحركة الجوهريّة، ونحن نقول بها لكن لا نقول بأنّ المقتضي من ذات الجوهر بل المقتضي الأعراض التي هي حدود الماهية والصورة فانّها هي المحركة للجوهر فيترقّي في مراتب الشدّة بصفاءِ القوابل ويتنزّل في مراتب الضّعف بضعفِها فحركته الجوهريّة التي يترقّي بها او يتنزل حركة انفعاليّة لا حركة فعليّة كما توهَّمه المصنف و اتباعه...)).

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

 

https://www.almoterfy.com/post/رأي-الشيخ-الأوحد-في-الحركة-الجوهرية