2014/09/28 | 0 | 1604
فوضى معرفية
قال تعالى.( ولاتقف ماليس لك به علم ان السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا).الاسراء.36
تعتبر هذه الآية من غرر الآيات القرآنية ، في التقعيد والتأصيل لمنهجية العملية المعرفية والفكرية،(وفي ذلك إمضاء لما تقضي به الفطرة الإنسانية وهو وجوب اتباع العلم والمنع عن اتباع غيره فإن الإنسان بفطرته الموهوبة لا يريد في مسير حياته باعتقاده أو عمله إلا أصابة الواقع والحصول على ما في متن الخارج والمعلوم هو الذي يصح له أن يقول: إنه هو، وأما المظنون والمشكوك والموهوم فلا يصح فيها إطلاق القول بأنه هو).(1)
وقد بذل الأعلام الأوتاد في كل مجال معرفي الغالي والنفيس من أجل الكشف عن الآليات والوسائل التي بها يتوصل الى العلم الواقعي او مابه المنجزية والمعذرية، في الدائرة الفقهيه، ومايتوصل به الى اليقين أو الاطمئنان في الدائرة العقائدية .
فهل بعد هذا وذاك المنجز العلمي الضخم الذي وصلنا عبر كثير من الدماء والتضحيات، نتحول الى فوضى وطفيليات في الشؤون الدينية.!!!
- ماهي الفوضى وماهي الطفيليات والتطفلات ؟؟
تطل علينا في الآونة الأخيرة وبفضل التقنية الحديثة شيوع ظاهرة بين الشباب والشابات وبعض صغار المعممين وهي الاعتماد على الروايات المدونة في المجاميع الروائية والحديثية أو غيرها، في إثبات دعوى أو نفيها ، وفي اسقاط شخصية أو رفعها، وفي تبجيل شخصية أو ذمها، وفي هدم كيانٍ إجتماعي وبناء آخر.!!!
والكل يدعي وصلاً بليلى..
وتشكلت لنا كيانات ثقافية فكرية متشجنة مأزومة أوجدت للمجتمع حالة من التشظي والإحتراب والكل يتمترس ويتسلح بالروايات!!
من هنا وبإطلالة خاطفة نلاحظ في الجماعات والكيانات المتناحرة ، أو في السلوك الشائع في الأوساط الشابة، عدم الإنضباط والأخذ بما تفانى أعلام هذه الطائفة المباركة في تثبيته والعمل به وعليه :
وهي القواعد الممهدة في استنباط المعرفة الدينية..
ولذا لايصح ولايجوز في نظر الأعلام والفقهاء العمل برواية أو الإستناد إليها إلا بعد عبور الأشواط التالية:
_ الشوط الأول: أصالة الصدور.
_الشوط الثاني: أصالة الظهور.
_ الشوط الثالث: أصالة الجهة.
ماذا تعني هذه الأشواط أو الأصالات الثلاثة؟
حتى يتبين لنا أن العملية في الشأن المعرفي الديني ليس كما يتصورها البسطاء قص ولصق من الكتب الحديثية:
- (( أصالة الصدور:
إن العمل بأي نص من النصوص على أساس أنه صادر من المعصوم وبالتالي تصح نسبته إليه نحتاج فيه أن نحرز أنه قد صدر عنه، فما لم يحرز ذلك، فلا يصح لنا أن نستند إليه، بل لا يجوز لنا أن ننسبه إليه، لأنه سوف يكون من الكذب على المعصوم، ومعلوم حكم الكذب على المعصوم(ع):
لكن كيف يتسنى لنا أن نحرز أن هذا النص صادر عن المعصوم(ع)، وما هي الطريقة التي يمكن الاعتماد عليها لمعرفة ذلك؟...
يقول الأعلام في جواب ذلك: إن النصوص الموجودة بأيدينا على قسمين:
الأول: النصوص المتواترة، ونعني بكونها متواترة أن يتصدى لنقل الخبر مجموعة كبيرة من الرواة، بحيث يصعب الظن باتفاقهم جميعاً على الكذب، فيحصل اليقين، ولا أقل من الاطمئنان بصدور هذا الخبر عن المعصوم، ومثال ذلك حديث الغدير فإن هذا النقل الكثير من قبل رواة متعددين وفي أزمنة مختلفة ومتفاوتة يجعلنا نجزم بكون الحديث قد صدر عن رسول الله(ص)، وكذا حديث الثقلين، وكذا سبب نزول آية التطهير في أصحاب الكساء الخمسة(ع)، والنماذج في هكذا مجال كثيرة.
وهذا النوع من النصوص يحرز صدوره وبالتالي يصح نسبته للمعصوم(ع) حتى لو كان ضعيف الطريق، وذلك لأن انطباق عنوان التواتر عليه يوجب اليقين بصدوره.
الثاني: أخبار الآحاد، ويعبر عنه بخبر الواحد، ونقصد به الخبر الذي لا يفيد العلم والاطمئنان، وإنما يفيد الظن، وهو الخبر الذي لا ينقل إلا بواسطة راوٍ واحد عادة أو أكثر لكنه لا يـبلغ العدد الموجب للاطمئنان المحقق لكونه متواتراً.
وهذا الخبر لا يمكن الاعتماد عليه إلا إذا تسنى لنا إحراز صدوره عن المعصوم(ع)، ولعلمائنا في كيفية إحراز صدروه عن المعصوم(ع) طريقان:
أولهما: أن تكون سلسلة السند التي وصل الخبر إلينا بواسطتها كلهم ثقات، وإلا لم يصح الاعتماد عليه، وهذا يعني أنه لو كان في طريق الرواية شخص ضعيف مثلاً لا يحرز عندها صدور النص من المعصوم، ولا يمكن نسبته إليه(ع)، لأن النتيجة دائماً تتبع أخس المقدمات.
وهذا المسلك هو المسلك الذي يعرف عند علمائنا بمسلك الوثاقة، ويتبناه جملة من فقهائنا الأعاظم مثل السيد الخوئي(قده)، والشيخ التبريزي(قده)، والشيخ الوحيد(حفظه الله تعالى).).
ثانيهما: أن يحصل عند الواصل إليه الخبر اطمئنان بصدوره من المعصوم(ع) بأحد الأمور التي توجب الاطمئنان بالصدور، ككونه مما عمل به المشهور، أو ما شابه ذلك، ويسمى هذا المسلك بمسلك الوثوق، ويتبناه جملة من أكابر فقهائنا كالإمام الراحل(قده)، والسيد السيستاني(دامت أيام بركاته)).
- أصالة الصدور في القرآن متحققة:
هذا ولا يخفى على القارئ أن هذه الأصالة أعني أصالة الصدور لا حاجة للبحث عنها بالنسبة للقرآن الكريم، ذلك لأنه لا شك عندنا في أن ما بأيدينا من آيات شريفة، صادرة عن الله سبحانه وتعالى، وبالتالي نحن نجزم بذلك، ولهذا اشتهر القول بأن القرآن الكريم قطعي الصدور، ومعنى ذلك أنه يقطع بصدوره من الباري سبحانه وتعالى.
وكذا أيضاً هي متحققة بالنسبة للخبر المتواتر فلا معنى للحديث حول أنه صحيح أو ضعيف، بل كونه متواتراً يحقق صدوره عن المعصوم(ع) كما ذكرنا.
- أصالة الظهور:
وهي الأصالة الثانية التي لابد من توفرها حتى يصح الاستناد للنص الصادر من الشارع المقدس، ولا يفرق في هذه الأصالة بين القرآن الكريم وبين السنة الشريفة، ذلك لأن القرآن الكريم وإن كان قطعي الصدور، إلا أنه ظني الدلالة كما سيتضح.
وعلى أي حال، ما هو المقصود من أصالة الظهور؟...
إذا جاء نص من الشارع المقدس سواء كان النص الجائي آية قرآنية، أم كان النص الجائي رواية صادرة عن المعصوم(ع)، فلكي نستطيع أن نعمل على طبقه، فلابد أن نفهم ماذا يريد الشارع منها، ومن الواضح أن هذا لا يتحقق لنا إلا إذا استطعنا أن نعرف ما هو مقصوده من كل لفظ ورد فيها، وما هو المعنى الذي أراده من كلماتها. وهذا هو الذي يسمى بأصالة الظهور، بمعنى أننا نحتاج أن نتعرف أقرب المعاني إلى اللفظ لغة، بعدما نكون قد عرفنا معنى اللفظ في مرحلة التصور. ولنوضح ذلك بمثال: مثلاً ورد الأمر من الباري سبحانه بلزوم قطع يد السارق، فما هو المقصود من اليد، هل يقصد من ذلك القطع من الكتف، أم يقصد من الزند، أم أن المقصود من الذراع، أم من الساعد، وهكذا.
إن معرفة المقصود من اليد التي يجب قطعها، هذا ما نسميه الظهور، لأنه سوف يكون مستفاداً من اللفظ. وكذا عندما يقول سبحانه بلزوم التيمم بالصعيد لمن لم يجد الماء، فما هو المقصود من الصعيد، إن معرفة المقصود من الصعيد في الآية الشريفة يسمى ظهوراً، لأنه المعنى المستفاد من الكلمة، وهو المراد للمتكلم.
هذا والظهور عادة هو المعنى الذي يكون أسرع انسباقاً إلى ذهن السامع بمجرد سماعه للفظ...
- _ أصالة الجهة:
ونعني بأصالة الجهة أن يحرز أن النص الشرعي قد صدر لبيان المراد، ولم يكن صدوره من باب الهزل والمزاح، أو من باب السخرية، أو من باب التقية، بل صدر وكان المتكلم به قاصداً لكل كلمة قالها، وقاصداً للمعنى المستفاد منها.
وعادة ما يركز في هذه الأصالة على أن لا تكون النصوص صادرة تقية، فإنها إذا كانت صادرة تقية لا تكون هذه الأصالة محرزة، لأنه لا يحرز أنه(ع) في مقام بيان المراد الجدي.
نعم هذه الأصالة كأصالة الصدور لا معنى للبحث عنها في القرآن الكريم، وذلك لأنه لا وجه لأن يقال أن شيئاً مما جاء فيه قد صدر تقية، أو صدر هزلاً ومزاحاً، بل هو هدى للناس وبينات من الهدى.
هذا وتوجد وسائل يتم التعرف من خلاها على أن هذا الحديث صدر تقية أو لا، تذكر عادة في الكتب التخصصية لهذه الأمور..)).(2)
بعد هذا الإيضاح للأشواط الثلاثة، هل انتهت المهمة العلمية والوظيفة المعرفية لمن يريد الإستناد والاعتماد والعمل بالروايات؟؟
الجواب: كلا وألف كلا..
لدينا أشواط أربعة أخرى يتوقف العمل المعرفية عليها، وهي:
# (( إنه ينبغي الالتفات إلى أن هناك أموراً لابد من مراعاتها قبل الاستناد إلى أصالة الظهور، وهي::
1_ أن لا يعتمد على الظهور إذا كان اللفظ مطلقاً إلا بعد أن يـبحث عن مقيد له، فإذا لم يوجد له مقيد صح الاعتماد على ظهور اللفظ وإلا فلا..
2_ إذا كان اللفظ عاماً، فكذلك لا يمكن الاعتماد على ظهور اللفظ في العموم إلا بعد الفراغ عن أنه لا يوجد له مخصص وإلا فلا يصح الاعتماد على الظهور.
3_ لا يقرر في لفظ ما أنه مجمل، فليس له معنى ظاهر إلا بعد العجز عن وجود مبين له، وإلا فلا يحكم عليه بذلك.
4_ لابد من ملاحظة أن هذا النص لا توجد قرينة مفسرة له، لأن النصوص الشريفة، سواء كانت قرآناً كريماً، أم كانت نصوصاً معصومية يفسر بعضها بعضاً، وهذا يعني أنها تكون قرينة لبيان المراد، ولذا لابد من ملاحظة هذه النقطة إذ ربما كانت رواية قرينة ومفسرة لرواية أخرى.
هذا والقرائن كما يمكن أن تكون قرائن مقالية لفظية، يمكن أن تكون قرائن حالية، بمعنى أن المعصوم(ع) يعتمد على واقع الحال، فيكون الخبر الصادر منه يشير إلى واقع الحال الموجود في عصره، مثلاً روايات الغناء، كيف استفاد فقهائنا منها أن المحرم هو خصوص الغناء اللهوي، وليس مطلق الغناء كغناء الأطفال مثلاً. السر في ذلك أن نصوص حرمة الغناء كانت ناظرة إلى الحالة التي كان يستخدم فيها الغناء في ذلك الوقت في قصور بني العباس مثلاً، وبالتالي صارت هذه قرينة حالية على بيان المراد من الغناء المحرم وهكذا.)).(3)
هل انتهت آليات العملية المعرفية إلى هنا؟؟
الجواب: كلا.!!
بقي شوط أخير مهم جداً في آليات وأدوات العمل المعرفي والوظيفة الدينية وهو:
((إنّ حجيّة كلّ خبر ـ كما هو معلومٌ ـ متوقفة على تمامية ثلاث جهات هي جهة السند والدلالة والصدور. ولابدّ للتمامية من الفحص وإلاّ فلا حجيّة... والفحص فيها راجع إلى أصل الإقتضاء للحجيّة، وبعد الفراغ عن ذلك تصل النوبة إلى البحث عن المزاحم.)).(4)
وهذا الشوط الخطير والمهم هو أنه الحجية في كل خبر بعد توقفها على تمامية الجهة السندية والدلالية والصدورية ، متوقفه أيضاً على تمامية البحث عن عدم وجود المزاحم والمعارض.
هذه هي العملية المعرفية الدينية وعمقها ودقتها، فهل بعد هذه الأشواط المتينة يصح دخول الطفيلين في الشأن المعرفي الاستدلالي، أو يصبح التراث الروائي الحديثي شرعة لكل وارد ليعبث بإستقرار وأمن المجتمع والأمة فكرياً وروحيا..
آن الأوان ليتصدى العقلاء والأمناء والعلماء الحقيقين، بوجه المتطفلين وينبهوا الغافلين النائمين، ويوجهوا الشباب والمستضعفين
اللهم اعصمنا من الزلل وسددنا في القول والعمل..
جديد الموقع
- 2026-05-29 ومضات رائية ( 14 )
- 2026-05-29 رعاية المرضى المقعدين في المنازل: بين عِظم الأجر وفن التعامل الإنساني
- 2026-05-29 سيولة الوعي المعاصر: قراءة في ظاهرة «فلسفة المزاج» العربية
- 2026-05-27 مدير عام فرع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بالمنطقة الشرقية أ. محمد بن سعود السماري يرفع التهنئة للقيادة بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك
- 2026-05-27 سمو محافظ الأحساء يستقبل المهنئين بعيد الأضحى المبارك
- 2026-05-27 سمو أمير المنطقة الشرقية وسمو نائبه يستقبلان المهنئين بعيد الأضحى المبارك
- 2026-05-27 سمو أمير المنطقة الشرقية وسمو نائبه يؤديان صلاة عيد الأضحى مع جموع المصلين بالدمام
- 2026-05-27 سمو محافظ الأحساء يؤدي صلاة عيد الأضحى
- 2026-05-27 كلُّنا خُدّامُ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْن
- 2026-05-26 كَرَامَةُ الْإِنْسَانِ لَيْسَتْ لُعْبَةَ أَطْفَالْ