2016/03/23 | 0 | 1438
السعادة البلهاء : السعادة بين الواقع والتخيّل
العقل/الواقع/الحقيقة، في هذا السياق تعتبر كلها مترادفات، فهي تشير إلى ما هو متحقق في الخارج (خارج ذات الإنسان). وهي غالبًا محددات السعادة بالنسبة للإنسان، فإذا وجدت الظروف والاشتراطات الخارجية شعر الإنسان بالسعادة، أما إذا غابت شعر بالتعاسة، بيد أن هنالك أُناس سعادتهم غير مرتهنة بالطروف الخارجية، فيعيشون حالة السعادة الداخلية بغض النظر عن ظروف الواقع، ولعل جارة ڤولتير هي من هذا القبيل، فهي بلهاء، أي: لا تعمل عقلها، فهي غير مرتهنة للظروف الخارجية، فقد تشعر بالسعادة في ظرف يفترض أن تكون به تعيسة، وڤولتير يرفض مثل هذا الوضع، وأوضح سبب رفضه في عبارته الأخرى: "إذا كنا نقدر السعادة عاليًا، فإننا نقدر العقل أكثر"، وبتعبير فريدريك لونوار: "إن الحقيقة هي معيار الفلسفة، فحتى في بحثه عن السعادة، فسيفضل من يستعمل العقل دائمًا فكرة صحيحة، حتى ولو جعلته بائسًا، على فكرة خاطئة ولو كانت مقبولة"، ويضرب لونوار مثال على ذلك: "لنأخذ أيضًا مثال امرأة تهيم برجل متزوج قدم لها نفسه بوصفه عازبًا: إن سعادة تلك المرأة سوف تنهار لحظة انكشاف الحقيقة."، لذلك يكون التعقل والارتهان للواقع والحقيقة سببًا للألم في بعض الأحيان، يقول لونوار: "قد تمثل المعرفة وقوة الذهن عوائق أمام السعادة، وبخاصة ضمن المقاييس التي يكون فيها الفرد متمتعًا بمعرفة وبآمال أكثر رفعة فيكون تصوره عن السعادة أكثر تطلبًا ويكون أكثر وعيًا بعدم اكتمالها من شخص آماله محدودة". فاستعمال العقل بالنهاية قد يؤدي لفصل أو انفصام بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين الواقع والطوبا، فتضحى سعادة الإنسان أقرب للاستحالة، وبؤسه أقرب للحتمية، أما في البلاهة، تتقلص المسافة بين الواقع والطوبا، فيتسامى الإنسان فوق الشروط والظروف، فيكون أقرب للسعادة منه للشقاء. لكن، لماذا يفضل كثير من الناس خيار العقل والذي قد يؤدي إلى البؤس، على خيار البلاهة والذي يؤدي إلى السعادة؟ .. سأقدم مقاربتين للإجابة على السؤال، مقاربة فلسفية، وأخرى سيكولوجية.
فلسفيًا، تأليه العقل والواقع والحقيقة، سبب نسيان الذات أو غيابها، فحينئذٍ يكون الموضوع أولى من الذات، والخارج أولى من الداخل، فالذات استحقاقها منخفض أمام الموضوع، وفي قبال ذلك توجد فلسفات ورؤى يمكن القول حرفيًا أو تأويليًا أنها أعلت من شأن الذات إزاء الموضوع، كما نجده في البوذية والهندوسية وعند ابن عربي وعند الفلسفات المثالية، فرؤاهم -مع اختلافاتها الدقيقة- تنتهي إلى أن العالم وهم، وأنه موجود في ذهن الإنسان فقط، فهذه الرؤى سوف لن تتقاطع مع السعادة البلهاء القائمة على التخيل، فالعالم أو ما نسميه الواقع هو أساسًا مبني على الوهم، ففرق الخيال عن الواقع أن تجربة الواقع أكثر كثافة من تجربة الخيال، فالفرق في العرض لا في الجوهر.
سيكولوجيًا، يتم رفض السعادة البلهاء القائمة على التخيل بسبب الخوف من الألم، فالإنسان عندما يعيش أحلامه وخيالاته ويسعد بذلك، قد يستفيق فجأة ويصطدم بالواقع فيتألم، ذلك أن ما كان يتخيله ويحلم به ليس له وجود، وذلك كما حصل لتلك المرأة الهائمة عندما اكتشفت أن الرجل كذب عليها وأنه كان متزوجًا. أما الرؤية المقابلة ترى أن الألم محتوم سواء كانت السعادة مبنية على خيال أو على واقع، فلو افترضنا أن ذلك الرجل كان صادقًا حينما أخبر المرأة بكونه أعزبًا، فلن تتألم المرأة بفعل هذا السبب، لكن قد تتألم لأسباب أخرى،على سبيل المثال قد يصيب هذا الرجل مكروه أو حادث في اليوم الثاني، ما يؤدي إلى وفاته، فسوف تتألم المرأة هنا أيضًا، هذه الرؤية المقابلة، تعطي ذريعة ولو بحدود للسعادة البلهاء، ذلك أن التذرع بالألم لرفضها ليس صحيح دائمًا، فحتى السعادة المبنية على واقع معرضة للآلام. وهنا أسجل نقطة أخرى بخصوص السعادة البلهاء، فهي ليست دائمًا متخيلة، بل قد تكون ساذجة أيضًا، فقد تأتي حالات يشعر فيها الإنسان بالسعادة اللامشروطة، دون سبب ودون تخيل، وهذه الحالات غير مهددة بالألم.
أخيرًا، هل يفترض بالإنسان أن يعيش السعادة الواقعية أم البلهاء؟، إن سرد كلاً من إيجابيات وسلبيات السعادة الواقعية أو السعادة البلهاء هو سرد غير منتهي، فبالإمكان سرد عدد غير منتهي من الإيجابيات والسلبيات، فالمسألة بالنهاية ليست مسألة حق أو باطل، صح أو خطأ، المسألة هي مسألة خيارات، فالإنسان بحسب قابلياته وقدراته وظروفه يختار أن يعيش السعادة البلهاء أو السعادة الواقعية، أو يؤالف بينهما. إن هذا المقال يرمي لإعادة النظر بشأن السعادة البلهاء أو السعادة المتخيلة، فهي من جهة تعلي من استحقاق ذات الإنسان أمام الموضوع، فذات الإنسان تستحق العيش بسعادة بغض النظر عن الظروف الخارجية، ومن جهة أخرى، تعبر السعادة البلهاء عن إقدام وشجاعة الإنسان أمام تحربة فيها ألم محتمل.
جديد الموقع
- 2026-04-22 غناء الرضا
- 2026-04-22 مدى فعالية علاج التهاب مفصل الركبة بالحقن بحسب مراجعة علمية
- 2026-04-22 صدور موافقة خادم الحرمين الشريفين على إقامة مسابقة القرآن الكريم والسنة النبوية الثانية لدول قارة أفريقيا بجمهورية السنغال
- 2026-04-22 قصائد تنبع من المجتمع وتعالج قضاياه
- 2026-04-22 «كرسي الكتاب العربي» يتطلع للإسهام في بناء حقل معرفي للكتاب العربي وتطوير حقوله المعرفية
- 2026-04-22 سمو أمير المنطقة الشرقية يدشّن المرحلة الثانية من مبادرة صيانة 100 مسجد بمحافظة الخبر
- 2026-04-22 *هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمحافظة الأحساء تنفذ برنامجًا تدريبيًا بالتعاون مع الدفاع المدني*
- 2026-04-22 *تقنية وصحة الأحساء يبحثان تعزيز التعاون والشراكات المجتمعية*
- 2026-04-22 حياة الفهد أيقونة الساعة
- 2026-04-21 ماهي مراحل توثيق تاريخ الأحساء