2013/09/04 | 2 | 5980
الخلط بين الموظف والمحقّق ... السيّد الشاهرودي([1]) نموذجاً
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
قال تعالى:{وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} (هود: 85).
منذ أن طالَعَنا السيّد كمالُ الحيدري في برنامجه المعروف والمألوف (مطارحات في العقيدة) بأُطروحته الجديدة حول قراءة التراث الروائي الإسلامي، مُطلقاً على مشروعه (إسلام القرآن)، بدلاً من (إسلام الحديث) السائد في المجتمع الإسلامي منذ عهد الصحابة وإلى يومنا هذا، والوسط الشيعي في سجال.
وقد أثار الحيدري أُموراً كثيرة أربكت الواقع الديني خصوصاً، وأثارت الواقع الفكري والثقافي عموماً؛ فأوجد حراكاً غير مسبوق في وسط مياه راكدة، وكالعادة ـ وبحسب ما يقول مطهري ـ فإنَّ الحركة تثير الانتباه بخلاف السكون السائد، فالأطفال لا يرمون القطار بالحجارة إلا بعد أن يتحرَّك؛ وهذا السلوك الاجتماعي جعل الكثيرين من المتصدِّين يأنسون بالسكون والهدوء لكي لا تكشف ثغراتهم العلمية، كما هو حال نموذجنا الشاهرودي.
وبعد انتهاء أو إنهاء حلقات البرنامج في أواخر شهر رمضان من هذا العام (1434هـ) بقينا نترقَّب الأجواء العلمية بماذا ستردّ على الحيدري الذي ادَّعى بأنَّ التراث الروائي الشيعي فيه الكثير من الموضوعات والإسرائيليات؛ ليتبيَّن لنا {الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}، فنحن المتابعون والمراقبون للوسط الديني لا نملك أدوات الاجتهاد، ولا ينبغي أن يكون الردّ إلاّ من أهل الفنِّ والصنعة؛ وبين الفينة والأُخرى نسمع أصواتاً خجولة؛ ها هنا صوت خافت، وها هنا صوت خائف، وها هناك صوت متشنِّج، وهي أصوات غير علمائية، ثمرُها {لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ} (الغاشية: 7)، حتى طلع علينا بيان من عالم دين تتلمذ على السيّد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس) وقرَّر أبحاثه في حياة أُستاذه؛ فقلنا قد جاءنا الغيث، فهلمّوا بنا لنرتوي من معينه.
وهنا كانت الدهشة، وهنا كانت الإغماءة، وهنا كانت الانتكاسة؛ فلم نطالع منه غير غثّ نتنٍ، رائحته تزكم الأُنوف، بل هو أشدّ نتانة من تلك الإسرائيليات الموبوءة التي طالب الحيدري تنقية التراث الإسلامي منها، فيتعيَّن على الحيدري بعد إنجاز مهمّته أن يُنقِّي الوسط الديني من أشياء أُخرى.
وقد كان من دواعي الموضوعية أن أقف على بعض كلماته التي جاءت في بيانيّته المحبطة للآمال، والتي لا تخرج عن كونها شاهد صدق على ما تقوله بعض الأوساط العلمية في حوزة النجف الأشرف (وقاها الله من كلّ سوء) حيث يصفونه بالموظّف الحكومي، وكأنهم أرادوا القول: أين الوظيفة من التصدِّي للمرجعية ؟ ونحن على خطاهم نقول بلحن آخر: أين الوظيفة من التحقيق العلمي، كما سنثبت ذلك، لا كما يدَّعي السيّد الشاهرودي من إسقاطات نفسية وعُقد متوارثة لم يستطع أن يتجاوزها، وكأنه ما قرأ القرآن، وكأنه ما طالع شيئاً في مكارم الأخلاق !!.
قال السيّد الشاهرودي مشهِّراً بالسيد الحيدري صاحب مشروع إسلام القرآن، بعدما سُئل عن دعوى وجود الكثير من الإسرائيليات في التراث الشيعي:(هذا الكلام لا يصدر إلاّ عن جاهلٍ بتراث المذهب الإمامي)؛ ولكي يُصفّق له الجمهور كان لابدَّ من ربط القضية بالاستكبار العالمي، فيقول:(وقد سبق مثل هذا اللون من الاتهامات الزائفة من قبل آخرين مضلَّلين بتحريك أو احتضان قوى الاستكبار العالمي، لضرب وحدة الأُمّة الإسلامية) !، تصفيق.
ولو كان يعلم وهو الموظّف الحكومي والمطّلع على سياسة الجمهورية وعارفاً بأُمور السياسة، هو أنَّ الاستكبار العالمي أشدّ حرصاً منه على إبقاء التراث الإسلامي على ما هو عليه من الدسّ والوضع والإسرائيليات؛ ويا تُرى بأيِّ شيء سيفرح الاستكبار عموماً والصهاينة خصوصاً بتنقية التراث الإسلامي من إسرائيلياتهم أم بإبقائها كما هي ؟، أليس من أبجديات السياسة ـ يا سياسي ـ أنَّ الاستكبار المجرم يحرص كثيراً على إبقاء الثغرات في الدين وفي الفكر وفي الثقافة، فهل تنقية التراث من الإسرائيليات ردم للثغرات أم إبقاء لها ؟.
إذن فأنت الموظّف الحكومي والعامل بالسياسة لا تدري ما هي الإدارة ولا تدري ما هي السياسة؛ وأمّا العلم والتحصيل والتحقيق، وهو الأهم في المقام، فما ذكرته تتفرَّد به وحدك، ولا قائل به؛ وهنا ينبغي عليك أن تلتفت لِما فاتك معرفته، وأنت معذور في جهلك بهذا؛ لقضاء وقتك بالوظيفة والإدارة لا بالتحصيل والتحقيق.
إلى أن يقول:(والحقيقة الناصعة التي لا تقبل الشكّ لدى أهل العلم والصلاح أنَّ التراث الشيعي الأصيل المتمثّل في الموروث من مدرسة أهل البيت عليهم السلام والمذهب الإمامي لهو أنقى موروث ديني في التاريخ الإسلامي، وأبعده عن التحريف أو التأثّر بأهواء ومطامح الحكّام الجائرين أو اندساس المحرّفين ... فهو التراث النبوي الخالص عن التحريف والدسّ) !!، نكرِّر:(الخالص عن التحريف والدسّ)، وهل هنالك جهل أكثر من هذا ؟.
أوّلاًً: أيها السيّد غير العارف بتراث أُستاذه الشهيد محمد باقر الصدر (قدس) الذي قال في فتاواه الواضحة، تحت عنوان:"كيف نشأت الحاجة إلى الاجتهاد":(ويزداد هذا الجهد العلمي ضرورة، وتتنوّع وتتعمَّق أكثر فأكثر متطلّباته وحاجاته كلّما ابتعد الشخص عن زمن صدور النصّ، وامتد الفاصل الزمني بينه وبين عصر الكتاب والسنّة، بكلّ ما يحمله هذا الامتداد من مضاعفات، كضياع جملة من الأحاديث، ولزوم تمحيص الأسانيد، وتغيّر كثيرٍ من أساليب التعبير وقرائن التفهيم والملابسات التي تكتنف الكلام، ودخول شيء كثيرٍ من الدسّ والافتراء في مجاميع الروايات، الأمر الذي يتطلب عناية بالغة في التمحيص والتدقيق)([2]).
نعم، أيّها الموظّف الحكومي فإنَّ الأمر كما قاله أُستاذك العظيم:(يتطلّب عنايةً بالغةً في التمحيص والتدقيق)، وبعبارة أُخرى: إنَّ الأمر يتطلَّب محقِّقاً مُدقِّقاً، قد أتقن أدواته، وليس موظّفاً حكوميّاً غاية ما يُحسنه القضاء، لو كان يُحسنه.
وقبل أن نُعمِّق البحث والتجوال في كلمات علماء مدرسة أهل البيت، سأذكر بعض كلمات رجل يُفترض أنّك تعتقد بخطّه وخطّ أبيه السيّد الإمام الخميني (قدس)([3])، حيث يقول السيّد مصطفى الخميني (رحمه الله):(فإنَّ الدسَّ في الأخبار كان كثيراً، وفي هذا المحيط لا يجوز عند النقل والعقل الاتّكاء على الخبر الواحد المجرّد عن كلّ قرينة، فلا يجوز قياس محيط العرف والعقلاء بمحيط الشرع في تلك الأعصار، لأجل هذه المآثير الحاكية لنا اغتشاشَ الأخبار بيد عمَّال السلطان الجبّار لعنه الله تعالى)([4])؛ لنتذكّر قول الموظّف الحكومي:(وأبعده عن التحريف أو التأثّر بأهواء ومطامح الحكّام الجائرين) !.
ويقول السيّد مصطفى في موردٍ آخر:(فإنَّ ظلمة محيط الأخبار لأجل الدسّ في الآثار، يوجب الشكّ في جواز الاتّكاء على المآثير المجرّدة عن القرائن الخاصّة جداً)([5])؛ صفعة أُخرى لك أيها الموظّف الحكومي المثابر في عمله الوظيفي لا التحقيقي !.
ونرجو من الموظّف الحكومي أن يصبر معنا لِنُسمعه ما يقوله علَمٌ من أعلام النجف ـ الذين سبق أن اتّهمهم هذا الموظّف الحكومي بالعمالة والتخاذل، كما سيأتي ـ وهو السيّد المرجع محمد سعيد الحكيم (دام ظله) الذي لا ترى فيك حوزة النجف المقدّسة أكثر من فاضلٍ متقاعسٍ أمامه، يقول الحكيم في محكم أُصوله:(وهذه الروايات هي المهمّة في المقام؛ لأنّها مع كثرتها وتشابه مضامينها ظاهرة في أنَّ عدم حجية الأخبار ليس لبطلانها ـ كي يختصّ بالأخبار المخالفة للقرآن بالتباين، كما تقدم في الطائفة الثانية ـ بل لاحتمال كذبها من جهة احتمال الدسّ، وهو موجود في أغلب الأخبار التي بأيدينا، فظاهر هذه النصوص توقّف العمل بها على اعتضادها بالقرائن القطعيّة من الكتاب والسنّة المعلومة، وعدم كفاية رواية الثقات لها)([6]).
المحصلّة: إنَّ الشهيد الصدر والسيد مصطفى الخميني والسيد سعيد الحكيم([7])، ـ وبنصّ قول الموظّف الحكومي الشاهرودي ـ جهلة مضلَّلون بتحريك أو احتضان قوى الاستكبار العالمي !، لأنهم قائلون بوجود الدسّ والتحريف في الأخبار؛ بل هم وغيرهم ممَّن يقول بقولهم من أعلام الأُمة ـ كما سيأتي ـ في تصوير السيّد الموظّف لم يفهموا حقيقة كون التراث الروائي لم يصبه الدسّ، وأنّه خالص من ذلك؛ فهم بحسب قولك:(ومن لا يفهم هذه الحقيقة ويشكّك في التراث الشيعي أو معظمه متحذلقاً ببعض المصطلحات والألفاظ التي حفظها من دون تعمّق وتحقيق لم يذق طعم الفقه ولا يفهم الموروث الشيعي)، فمن المتحذلق ببعض المصطلحات أيّها السيّد الموظّف، هل هو من استقرأ كلمات القوم، أم من لا يعرف ماذا قال أُستاذه ؟!.
والأدهى من ذلك أنَّ هذا السيّد الموظّف يتهّم أُستاذه الشهيد الصدر ـ الذي قتله البعثيون الأوغاد ـ بالبعثية والعمالة، لأنه يقول في بيانيته المشؤومة:(إنَّا لم نسمع باتهام الموروث الروائي الشيعي بالمجوسية والنصرانية من أحد سوى ما ردَّده النظام الصدَّامي الكافر المقبور ...)؛ وهو محقّ لعدم السماع، لأنَّ الرجل موظّف حكومي لا يدري ما هو التحقيق، ولو كانت له مطالعة يسيرة في كتبنا الحديثية، ولو حدّ مطالعة الصحف التي يقرأها يومياً، لأدرك أنَّ اتهامه الذي لا يفارق طرف لسان ـ البعثية، العمالة ـ مردود عليه.
والأدهى والأمر أنه يختم بيانيّته العظيمة بسهامٍ أوّل ما تُصيب أُستاذه الشهيد الصدر، وكلّ الذين صرَّحوا بوجود دسّ ووضع وإسرائيليات في تراثنا الروائي، وهم الأعمّ الأغلب من أعلامنا المحقّقين، ولننظر إلى ثقته العالية الفارغة المضمون، حيث يقول في آخر سطور جهالاته بلغة المنتصر:(وهكذا ترى أنَّ مثل هذه المزاعم والافتراءات الكاذبة بحقّ مذهب أهل البيت عليهم السلام لا تصدر إلا عن جاهل لا يفهم الحقائق الثابتة ـ هو يفهمها ! ـ أو مغرض يُعادي مدرسة أهل البيت عليهم السلام أعاذنا الله من شرورهم)، صدقت، أعاذنا الله من كل جاهل لا يفهم الحقائق الثابتة.
أيها المحقّق العظيم ! أليس وهب بن منبّه من قساوسة النصارى، فلتنظر أيها السيّد الموظّف في الكتب التالية من كتبنا الحديثية ـ غير التفسيرية والفقهية والتاريخية ـ ولتنظر كيف تنتهي الأخبار لذلك الكذّاب الأشر؛ وإليك هذا اليسير اليسير:(الأمالي، للشيخ الطوسي: ص 106)؛ (الغيبة، للشيخ الطوسي: ص 187 ح 146)؛ (علل الشرائع، الشيخ الصدوق: ج 1 ص 27 (باب 19)؛ (الخصال، الشيخ الصدوق: ص 126 ح 124)؛ (الخصال، الشيخ الصدوق: ص 474 ح 34)؛ (وسائل الشيعة، الحرّ العاملي: ج 12 ص 91 ح 15723)؛ (وسائل الشيعة، الحرّ العاملي: ج 16 ص 62 ح 20989)؛ والغريب أنَّ بعض هذه الأخبار يرويها وهب بن منبه عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام.
ثمّ يتحدّث السيّد الموظّف عن كعب الأحبار ويقول بأنه إنما نقل رواياته وتأثّر به أمثال أبي هريرة ومعاوية وأسلم مولى عمر وعطاء بن يسار من الصحابة والتابعين المخالفين لخطّ أهل البيت عليهم السلام ومذهبهم؛ ثم يُفجِّر السيّد الموظّف قنبلة من العيار الكبير جداً، تكشف لأدنى طلبة العلم عن جهل مطبق لهذا الموظّف بكتبنا الحديثية، حيث يقول بكل ثقة فيما يتعلَّق بكعب الأحبار:(ولا توجد له رواية في فقهنا أو في كتب أحاديثنا)، الله أكبر، لقد أحزنتنا كثيراً بصفرك المنظور على الشمال؛ فإنّك إما أن تكون كذّاباً أشراً فتسقط عدالتك، أو تكون جهولاً وعليك المكوث في صومعتك؛ فاختر منهما ما يُناسب شأنك.
ولكن، مهلاً أيها السيّد الموظّف، فأنت معذور جداً في عدم تحقيقك، فمشاغلك قد سلبت وقتك، ولكن لك أن تُكلِّف أي أجير لك ممَّن كتبوا لك موسوعتك الفقهية الكبرى (دائرة المعارف الإسلامية طبقاً لمذهب أهل البيت عليهم السلام)، وادَّعيتها لنفسك !، ليبحث لك في المصادر التالية التي اعتلى ناصيتها كعب الأحبار، وفي مؤسَّستك من هو أفضل منك قطعاً وجزماً؛ ولكننا نُرجئ البحث لهم مراعاة منا لاشتغالاتك الوظيفية.
فلينظروا:(علل الشرائع، الشيخ الصدوق: ج 1 ص 43 ح 3)؛ (عيون أخبار الرضا (ع)، الشيخ الصدوق: ج 2 ص 55 ح 16)؛ (الخصال، الشيخ الصدوق: ص 474 ح 35)؛ (الأمالي، الشيخ الصدوق: ص 203 ح 220)؛ (مستدرك الوسائل، الميرزا النوري: ج 3 ص 463 ح 4001؛ ج 12 ص 69 ح 13537؛ ج 12 ص 351 ح 3؛ ج 15 ص 169 ح 10)؛ (أمالي الشيخ المفيد: ص 137)؛ (كتاب الغيبة، محمد بن إبراهيم النعماني: ص 145 ح 4)؛ (الغيبة، للشيخ الطوسي: ص 443 ح 436)؛ فهل هذه من كتب أحاديثنا، أم من كيس أبي هريرة ؟!.
وأما في كتبنا الفقهية فقد ورد ذكره والخبر عنه في أكثر من مورد، ولينظر:(الخلاف، للشيخ الطوسي: ج 1 ص 219 مسألة: 187)؛ منتهى المطلب ـ طبعة قديمة ـ للعلامة الحلي: ج 1 ص 293)؛ (زبدة البيان، للمحقق الأردبيلي: ص 85).
والغريب أنَّ السيّد الموظّف يذكر لنا رواية في الكافي أنَّ الإمام الصادق عليه السلام يقدح فيها بكعب الأحبار؛ ولو راجع كتاب (مصباح الشريعة) سيجد أنَّ الإمام عليه السلام يُفقّه أصحابه على ما ينقله عن كعب الأحبار نفسه !؛ حيث يقول عليه السلام:(بلغني أنه سئل كعب الأحبار ما الأصلح في الدين ...). (مصباح الشريعة، المنسوب للإمام الصادق (ع): ص 104 ص 105 (الباب التاسع والأربعون في الطمع)([8]).
والذي وجدناه في السيّد الحيدري ـ بحدود تتبّعنا ـ أنه يقدح بزعماء الإسرائيليات جملة وتفصيلاً، فكلّ من كعب الأحبار اليهودي ووهب بن منبه النصراني وعبد الله بن سلام الإسرائيلي وابن جريج (أو جريح) الرومي النصراني؛ كلّ هؤلاء لا يعدلون عنده جنح بعوضة، فأراد الرجل أن يستنهض همم العلماء والمحقّقين لتنقية تراثنا من ذلك الغثّ، وأنت بصفتك موظّفاً حكومياً تحتاج إلى إذن للتكلّم، فعليك أخذ الإذن لتنقية التراث، وما دون ذلك فكن متفرِّداً بقولك العظيم:(هذا الكلام لا يصدر إلا عن جاهل بتراث المذهب الإمامي)؛ وقولك الذي استحقّ منا التصفيق لك:(وقد سبق مثل هذا اللون من الاتّهامات الزائفة من قبل آخرين مضلَّلين بتحريك أو احتضان قوى الاستكبار العالمي، لضرب وحدة الأُمّة الإسلامية)، وأخيراً قولك الذي يشبه إلى حدٍّ كبير مدَّعيات ابن تيمية عندما يجزم ويدَّعي الإجماع على أمر لا قائل به سواه، وأعني بذلك قولك:(أنَّ التراث الشيعي الأصيل المتمثّل في الموروث من مدرسة أهل البيت عليهم السلام والمذهب الإمامي لهو أنقى موروث ديني في التاريخ الإسلامي ... الخالص عن التحريف والدسّ)؛ فمن هو الجاهل أيها السيّد الموظّف ؟، ومن هو المُضلَّل والمُضلِّل أيها القاضي العادل ؟، ومن هو الذي ينتفع بقوله الاستكبار العالمي يا خرِّيت الصناعة الإدارية ؟، وبحسب لهجة أبناء البلد (يا فطين).
ومن هو المتحذلق ؟، ومن هو الذي حفظ المصطلحات والألفاظ دون تعمّق وتحقيق ؟، ومن هو من لم يذق طعم الفقه، ولا يفهم الموروث الشيعي ؟، ومن هو البعثي العميل، أو من ينتفع بقوله البعث العميل ؟.
ألفاظ واتّهامات لو مزجت بماء البحر لمزجته، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لإحدى زوجاته التي عابت زوجة أُخرى له، واصفةً إياها بقصر القامة؛ فكيف بك وأنت تصف زميلاً لك في الدرس، تعرفه ويعرفك منذ قرابة أربعين عاماً !، يفترض بكما أن تكونا عشتما همَّاً واحداً، وهدفاً واحداً، فما عدا ممَّا بدا ؟.
نترك الإجابة عن ذلك لموظّفيك في (دائرة المعارف الإسلامية طبقاً لمذهب أهل البيت)، فعسى أن يجدوا لتحقيقاتك العظيمة مخرجاً.
ثانياً: ما ذكرناه ما هو إلا قطرة في البحر، وهو وإن كان كافياً لكشف زيف بيانيّة السيّد الموظّف، إلا أنَّ مقتضى البحث التحقيقي هو إكمال الصورة بقدر المتاح، ولولا خشية الإطالة لكتبت في ذلك كرَّاساً كاملاً؛ ولكنَّ ما يهون الخطب هو أنَّ السيّد الموظّف ليس أكثر من ذلك، ومثله:(إن حضر لا يُعد، وإن غاب لا يُفتقد).
ولنشرع في تعليم السيّد الموظّف ما انتهى إليه اليسير اليسير من التحقيق، فهو قد نفى عن الحيدري طعم الفقاهة، مع أنَّ تراثه كفيل بإثبات ذلك؛ فصبراً أيها الموظّف العزيز؛ فنحن ـ لا الحيدري ـ نقول لك ولكل من يدّعون العلم بالحلال والحرام ولم يقرّوا بحقيقة وجود غث كثير في تراثنا الشيعي، إليكم النزر اليسير ممَّا دوّنه العلماء المحقّقون، من المتقدّمين والمتأخّرين والمعاصرين في مسألة الدسّ والوضع في تراثنا الروائي.
· ما انتهى إليه المحقّق محمد آصف المحسني ـ من تلامذة مرجع الطائفة السيّد محسن الحكيم وزعيم الحوزة العلمية السيّد الخوئي ـ في تحقيقاته على كتاب جامع أحاديث الشيعة، حيث يُصرِّح في مطلع كتابه (الأحاديث المعتبرة في جامع أحاديث الشيعة)، من أنَّ عدد الروايات الصحيحة فيه لا تتجاوز (11) ألف رواية !، مع أنَّ عدد الروايات المبحوثة تفوق الخمسين ألف، إن لم تكن مائة ألف رواية؛ فتكون النسبة 20% على أفضل التقادير، و 10% على أقلّ التقادير من الصحيح في الأخبار؛ هذا هو قول محقّق أنفق من عمره الكثير متتبّعاً الأخبار، متجوِّلاً بين الأبواب والأبواب، ولكنها أبواب العلم وليست أبواب الدوائر الحكومية !.
· في كتاب البحار للعلامة المجلسي انتهى المحقّق آصف محسني إلى نتائج سيضطرب لها القائل عن التراث:(لهو أنقى موروث ديني في التاريخ الإسلامي ... الخالص عن التحريف والدسّ)، ففي الباب الأول (فضل العقل وذمّ الجهل)، من الجلد الأول، يوجد (47) حديثاً، لم يصحّ منها سوى حديث واحد فقط !؛ وفي الباب السادس والعشرين (إنَّ حديثهم صعب مستصعب): (116) حديثاً، لم يصح ولا حديث واحد !!.؛ ولأجل الاختصار أيها السيّد الموظّف، عليك مراجعة ما دوّنه تلميذك العزيز الذي أتعب نفسه فيما لم تقرأه أنت فضلاً عن أن تكون بحثت أو حقَّقت فيه؛ فراجع كتاب (نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي)، الأستاذ العلامة حيدر حبّ الله، وانظر تحديداً في الجدولة: ص 585 فما بعد.
· المجلسي نفسه (البحار: ج 1 ص 10) يصرِّح بأنه قد اعتمد على كتب كثيرة منها كتاب (مشارق الأنوار)، و (الألفين) للحافظ رجب البرسي، وهما نموذجان للدسّ والوضع والتزوير، وقد صرَّح المجلسي بقوله:(ولا أعتمد على ما يتفرّد بنقله؛ لاشتمال كتابيه على ما يوهم الخبط والخلط والارتفاع، وإنما أخرجنا منهما ما يوافق الأخبار المأخوذة من الأصول المعتبرة)، فكيف يأخذ من كتاب هذه صفته، وأية أُصول كان يعنيها، ولو كان فعلاً يحتكم إلى تلك الأُصول فلماذا لم يكتف بتلك الأُصول ؟، وهل كانت الأُصول بحجم البحار ؟، هذا ما ينبغي أن يُجيب عنه المحقّقون لا السيّد الموظّف.
· ذكر الأستاذ جلال الدين الاشتياني في شرحه على (مقدمة القيصري: ص 928) ما هذا ترجمته:(إنَّ بحار الأنوار مملوء بالروايات التي لا أساس لها، وأنَّ الأخبار المجعولة فيه كثيرة جداً، وروايات المناقب فيه لا أصل لها إلا ما دلّ على العكس)، والكلام هو الكلام في مدينة المعاجز، وفي تفسير البرهان في تفسير القرآن.
نتائج مهمة:
1. كنا في السابق نتوهّم أنَّ السيّد الحيدري مدفوع من الحكومة الإيرانية لإضعاف الحوزة العلمية في النجف الأشرف، ولكن بعدما نطق الناطق الرسمي والموظّف الاسمي السيّد محمود الهاشمي سابقاً الشاهرودي لاحقاً([9])، تبيَّن لنا وللعالم أجمع أنَّ السيّد الحيدري مستقلّ في رأيه ومشروعه، ولا يمثّل مشروعاً إيرانياً أبداً؛ ولذلك أتمنّى كثيراً على علمائنا وسادتنا في حوزة النجف الأشرف، وهي الأصل الأصيل لكلّ الحوزات العلمية في العالم، كانت ولا زالت، أن تعيد النظر في تقاطعها مع السيّد الحيدري الذي أتمنّى كثيراً أن ألتقي به لفتح حوار مباشر بينه وبين علمائنا الأخيار في النجف الأشرف؛ ونحن نعلم أنها حوزة تقدّر العلم والعلماء، وتُجلّ الباحثين المحقّقين، وعسى أن تكون لدعوتي هذه آذان صاغية ببركة محمد وآله الطاهرين.
2. إنَّ الدعوة لتنقية التراث الروائي الإسلامي (الشيعي والسنّي) هي أقصر الطرق لوحدة الأُمة، وأعظم الطرق لمواجهة الاستكبار العالمي، فالقرآن ما كان يوماً مُفرِّقاً، بخلاف المنقول إلينا في السنة، فإنها محفوفة بالوضع والدسّ والتدليس؛ وكلّ حزب وفرقة تنتصر لنفسها بمجموعة أحاديث مخالفة للآخر، وهذا هو ما يسمّيه الحيدري ب:(إسلام الحديث)، وهو سرّ التفرقة، أو قل: هو المفهوم من قوله تعالى:{مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (الروم: 32).
3. إنَّ الاستجابة لإعادة قراءة التراث الروائي برؤية قرآنية، بغية تقديم معالجات حقيقية، هي مهمة الجميع، وليست مهمة الحيدري وحده.
وقبل أن أختم كلماتي هذه أود أن أُعرِّج على كلمة مهمّة قالها الشيخ المفيد، ذلك العملاق الكبير الذي ما راعه ما للشيخ الصدوق من منزلة عظيمة بعدما وجده يبحث في أُمور يقصر باعه عنها؛ وهذا ما نريد أن نوجّهه للسيد الموظّف العزيز، فعسى أن يرعوي ويعرف قدره.
قال الشيخ المفيد رضوان الله عليه بشأن الشيخ الصدوق رحمه الله:(إعلم، أنَّ الذي حكيت عنه ما حكيت، مما قد أثبتناه، قد تكلَّف ما ليس من شأنه، فأبدى بذلك عن نقصه في العلم وعجزه، ولو كان ممن وفق لرشده لما تعرّض لما لا يحسنه، ولا هو من صناعته، ولا يهتدي إلى معرفة طريقه، لكن الهوى مودٍ لصاحبه، نعوذ بالله من سلب التوفيق، ونسأله العصمة من الضلال، ونستهديه في سلوك منهج الحق، وواضح الطريق بمنّه)([10]).
والكلام هو الكلام أيها السيّد الموظّف، فقد أثبت ببيانيتك العظيمة!:
1 ـ أنّك قد تكلَّفت ما ليس من شأنك.
2 ـ أنّك قد أبديت بذلك عن نقصك في العلم وعجزك.
3 ـ أنّك ممَّن لم تُوفَّق لرشدك؛ لتعرّضك لما لا تحسنه، وما هو ليس من صناعتك.
4 ـ أنّك لم تهتد إلى معرفة طريقك.
5 ـ وهو الأخطر: أنّك ممَّن أودى به هواه.
ونعوذ بالله من سلب التوفيق، ونسأله العصمة من الضلال، ونستهديه في سلوك منهج الحق، وواضح الطريق بمنّه، إنّه على كل شيء قدير.
ملاحظة: كان بالإمكان جداً فتح ملفات التخاذل التي ما عرفت سواك، سواء في العراق قبل رحيلك ـ حيث لا عودة بإذنه تعالى ـ أو في الجمهورية الإسلامية العزيزة، ولكننا ارتأينا غضّ الطرف عن ذلك؛ ولن ينسى لك الشعب العراقي ـ الذي تحتقره كثيراً، ويحتقرك كثيراً ـ مواقفك الجبانة تجاه الشهيد الصدر الثاني، كما لا ننسى لك مواقفك الاتهامية الجبانة لعلمائنا في حوزة النجف بالخنوع تارة وبالعمالة تارة أُخرى، وليت شعري متى كنت شجاعاً لتتّهم الآخرين بالخنوع، ومتى كنت مخلصاً وليس وصولياً ـ كعادتك ـ لتتّهم الآخرين في ولاءاتهم ؟!.
أقول قولي هذا، والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.
جمع من طلبة ومحبي السيد المرجع الديني السيد كمال الحيدري (حفظه الله )
من المحبّين لكلمة الحقَّ والتغيير نحو الأصلح.
3 / 9 / 2013م
جديد الموقع
- 2026-05-29 ومضات رائية ( 14 )
- 2026-05-29 رعاية المرضى المقعدين في المنازل: بين عِظم الأجر وفن التعامل الإنساني
- 2026-05-29 سيولة الوعي المعاصر: قراءة في ظاهرة «فلسفة المزاج» العربية
- 2026-05-27 مدير عام فرع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بالمنطقة الشرقية أ. محمد بن سعود السماري يرفع التهنئة للقيادة بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك
- 2026-05-27 سمو محافظ الأحساء يستقبل المهنئين بعيد الأضحى المبارك
- 2026-05-27 سمو أمير المنطقة الشرقية وسمو نائبه يستقبلان المهنئين بعيد الأضحى المبارك
- 2026-05-27 سمو أمير المنطقة الشرقية وسمو نائبه يؤديان صلاة عيد الأضحى مع جموع المصلين بالدمام
- 2026-05-27 سمو محافظ الأحساء يؤدي صلاة عيد الأضحى
- 2026-05-27 كلُّنا خُدّامُ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْن
- 2026-05-26 كَرَامَةُ الْإِنْسَانِ لَيْسَتْ لُعْبَةَ أَطْفَالْ
تعليقات
زكي
2013-09-06مع انني اختلف مع السيدين الكريمين في الكثير من المواقف و لكن لم اكن اتصور ان يأتي من ابن جلدتنا و كتب بهذه الفجاجة و هذا القلم المسموم ضد اي احد كان من المسلمين فكيف اذا كان من لهم دور و مساهمة في حفظ هذا الدين. و نحن نطبل و نهلل وراء كل من يرفع صوته من هم الجميع من الطلبة و المحبين ؟ فكيف نروج لمن لا نعرف؟ هذه اللغة ابعد ما تكون عن شيعة الصادق صدرت من كائن من كان!!!! نحن اليوم احوج الى لغة الوحدة لا نبش الامور الجانبية و التي مكانها ليس في هذه الصفحات اتقوا الله في امة محمد بوكميل
باقر عبدالوهاب
2013-09-07كنت أتابع الساحة بحذرٍ شديد، ولكن م أرَ مثل هذه الوقاحة وقلة الدين والورع.. وأستبعد أن يكون هذا بيان طالبٍ حوزويٍ فضلاً أن يكونوا طلبة السيدكمال الحيدري.. وإذا كانوا حقاً طلبته فهم بحاجة ماسة لدورة أخلاقية جادة.. فهذا الذي أسموه بالموظف هو أستاذ أستاذهم المحقق السيد كمال الحيدري حفظه الله، وهو لا ينكر ذلك.. ووظيفته شريفة وأخلاقية لا تُسقط عنه ملكته وإلا لأسقطتها عمن سواه.. فتوظيف العبارة لإنشاء مقاصد قذرة تدل على عدم صحة الانتساب للسيد كمال نفسه وأنا أجله عن هذه الوقاحة.. واضحة كلمة السيد محمود الهاشمي وهو بالمناسبة أستاذ أغلب فقهاء المنطقة الكبار من المتأخرين.. وهو أن وجود آلية مشددة في التعامل مع هذه الحالة تمنع من تسلط أو هيمنة تلك الاختراقات للعمل الاجتهادي أو لعقائد الطائفة.. هؤلاء إذا ما أصدر السيد سعيد الحكيم بياناً ففي جعبتهم تهمة معدة له.. نعم هناك عبارات قاسية في بيان سماحة السيد محمو الهاشمي، ولكن هما من بيئة واحدة ويعرفان منشأ تلك الحدة لديهما، فالسيد كمال أيضاً استجلب عبارات مستفزة وغير علمية أبداً في قراءته لمخالفيه.. أملي ألا نتورط في استدراج الشيطان وأعداء الطائفة.. والله الموفق والمسدد والحافظ.