2026/10/29 | 0 | 82
ليس كلُّ إنفاقٍ مكسبًا
إقتصاد المعيشـــة ( 7 )
فلسفة الاعتدال في الإنفاق
كم من مالٍ يدخل حياة الإنسان، ثم يتسرّب منها دون أن يترك وراءه استقرارًا أو راحة! وكم من أسرةٍ محدودة الدخل تُحسن تدبير مواردها، فتعيش بوعيٍ وطمأنينة، وتوازن بين حاجات اليوم ومتطلبات الغد!
ليست المسألة دائمًا في مقدار ما نكسب، بل في الكيفية التي ننفق بها ما نملك. فقد نشتري ما لا نحتاج إليه، أو ننفق لمجاراة الآخرين، ثم نكتشف أن المال لم يمنحنا الرضا الذي انتظرناه منه. وقد نبالغ في الادخار حتى نحرم أنفسنا وأهلنا من حاجات مشروعة، ظنًّا أن الاحتفاظ بالمال وحده يضمن الأمان.
وهنا تتجلّى حقيقة جديرة بالتأمل: ليست العبرة بما ننفقه أو ندّخره فحسب، بل بالحكمة التي توجّه قراراتنا المالية. فكيف ننفق أموالنا باعتدال، فننتفع بالنعم دون إسراف، ونحفظها دون تقتير؟
أولًا: فلسفة الاعتدال في الرؤية القرآنية
لا ينظر الإسلام إلى الإنفاق بوصفه تصرّفًا ماليًّا مجرّدًا، بل يجعله مجالًا تظهر فيه حكمة الإنسان، وقدرته على ضبط رغباته، ووعيه بحقوقه ومسؤولياته. فالمال وسيلةٌ لحياةٍ كريمة، لا أداةٌ لتبديد الموارد أو سببٌ لإهمال الواجبات.
وفي وصف عباده الصالحين، يقول الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ الفرقان: 67
ترسم الآية منهجًا متوازنًا يجمع بين اجتناب الإسراف والابتعاد عن التقتير، ويجعل الاعتدال أساسًا لاستقامة السلوك المالي. فليس المطلوب تقليل النفقات كيفما اتفق، بل وضع المال في موضعه المناسب؛ فقد يكون الإنفاق الكبير محمودًا إذا تعلّق بعلاجٍ ضروري أو تعليمٍ نافع، وقد يكون الإنفاق القليل مذمومًا إذا أدّى إلى تضييع حقٍّ واجب مع القدرة على أدائه.
ويعبّر أمير المؤمنين عليّ عليه السلام عن هذا التوازن بعبارةٍ موجزة تجمع بين السماحة وحسن التدبير، فيقول:
" كُنْ سَمْحًا، ولا تَكُنْ مُبَذِّرًا، وكُنْ مُقَدِّرًا، ولا تَكُنْ مُقَتِّرًا " شرح ابن أبي الحديد 18/ 150
فليس المطلوب أن يمسك الإنسان ماله خوفًا من نقصه، ولا أن يطلق يده في إنفاقه دون حساب، بل أن يجمع بين الكرم والتقدير؛ فيبذل حيث ينبغي البذل، ويتجنّب التبذير والتضييق. وهكذا يصبح الاعتدال قدرةً على اختيار موضع الإنفاق المناسب، لا مجرّد تقليل النفقات.
وهكذا لا تكون كثرة المال مبرّرًا لتبديده، ولا قلّته ذريعةً إلى إهمال الحقوق، بل يُوزن الإنفاق بقدر الحاجة والإمكان والمسؤولية.
ثانيًا: هل الاعتدال يعني الحرمان من الطيبات؟
قد يظنّ بعض الناس أن الاقتصاد في الإنفاق يقتضي التضييق على النفس والابتعاد عن أسباب الراحة والجمال، غير أن الاعتدال لا يعني حرمان الإنسان من النعم المشروعة، بل حسن الانتفاع بها.
يقول الله تعالى:
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الأعراف: 32
فليس تحسين المسكن، أو العناية بالصحة، أو توفير التعليم الجيد، أو الاستمتاع بما تيسّر من أسباب الراحة إسرافًا لمجرّد أنه يكلّف مالًا؛ إنما يتحدد الحكم بالنظر إلى مشروعية الإنفاق، ومناسبته للحاجة والقدرة، وآثاره في حياة الإنسان.
وثمّة فرقٌ بين من ينفق على ما يحفظ كرامته ويحسّن معيشته، ومن يحمّل نفسه الديون ليحافظ على مظهرٍ اجتماعي يفوق إمكاناته. فالأول يوظّف المال في مصلحةٍ مشروعة، أما الثاني فقد يجعل رضا الآخرين سببًا لقلقه واضطراب حياته.
إن الاعتدال لا يحرم الإنسان من الطيبات، بل يحرّره من التعلّق المفرط بها؛ فلا يجعل المظاهر مقياسًا لقيمته، ولا يحوّل الشراء المتكرر إلى وسيلةٍ يبحث بها عن رضا لا يتحقق.
ثالثًا: معايير الإنفاق المتوازن
كيف نميّز الإنفاق المعتدل من الإسراف والتقتير؟ لا يكفي النظر إلى المبلغ المصروف وحده، بل ينبغي مراعاة أربعة معايير:
1ـ الحاجة: ليس كل ما ترغب فيه النفس حاجةً حقيقية، كما أن ما يبدو كماليًّا قد يصبح ضروريًّا بتغيّر الظروف. لذلك ينبغي التمييز بين الضروري والنافع والكمالي، بدل الاستجابة لكل رغبةٍ عابرة.
2ـ القدرة: يراعي الإنفاق الرشيد مقدار الدخل والالتزامات والأعباء الأسرية، فلا يحمّل الإنسان نفسه ديونًا تثقل مستقبله من أجل أمور يمكن تأجيلها أو الاستغناء عنها، ولا يمنعه الحرص من تلبية حاجاته المشروعة مع القدرة.
ولا يقتصر أثر التدبير المالي على حفظ المال، بل يمتد إلى استقرار المعيشة نفسها. فقد ورد عن الإمام الصادق "عليه السلام :" "لَا يَسْتَكْمِلُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى تَكُونَ فِيهِ خِصَالٌ ثَلَاثٌ: الْفِقْهُ فِي الدِّينِ، وَحُسْنُ التَّقْدِيرِ فِي الْمَعِيشَةِ، وَالصَّبْرُ عَلَى الرَّزَايَا " تحف العقول عن آل الرسول، ص 263
وتكشف هذه الرواية عن منزلة حسن التدبير في حياة الإنسان المؤمن؛ فهو ليس انشغالًا بالأمور المادية على حساب القيم، بل وعيٌ بكيفية إدارة شؤون الحياة، وحفظ الموارد، ومواجهة الظروف المتغيّرة دون إسراف أو تقتير.
3. المصلحة: لا تُقاس جودة الإنفاق بكلفته وحدها، بل بما يحققه من منفعة. فقد يكون شراء شيءٍ متينٍ أعلى سعرًا أحكم من تكرار شراء بديلٍ رخيص سريع التلف، وقد يكون الإنفاق على التعليم أو الوقاية الصحية استثمارًا نافعًا للمستقبل.
4. الحقوق والمسؤولية: لا تنحصر المسؤولية المالية في الرغبات الشخصية، بل تشمل حقوق الأسرة والالتزامات الواجبة وما يستطيع الإنسان تقديمه من وجوه الإحسان. فقد يكون الإنفاق على الكماليات غير مناسب، لا لأنها محرّمة في ذاتها، بل لأن تقديمها على حاجةٍ أساسية أو حقٍّ واجب يخلّ بترتيب الأولويات.
وفي ضوء هذه المعايير نفهم معنى القوام في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾؛ فهو التوازن الذي يستقيم به الإنفاق، فلا يتجاوز الإنسان الحد المناسب، ولا يقصّر في موضع ينبغي فيه البذل. وليس الاعتدال مقدارًا ثابتًا يصلح للجميع، بل يختلف باختلاف الدخول والحاجات والظروف.
ويؤكد القرآن هذا المنهج بقوله تعالى:
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ الإسراء: 29
فالآية تحذّر من الإمساك الذي يمنع البذل في موضعه، ومن الإنفاق الذي يستنفد المال حتى يعجز صاحبه عن الوفاء بالتزاماته. وبين الطرفين يقوم التدبير الرشيد الذي يمنح الحاضر حقّه، ويحسب للمستقبل حسابه، ويحفظ للآخرين حقوقهم.
ومن هنا، لا يكون الادخار فضيلةً في كل حال، ولا يكون الإنفاق الواسع خطأً في كل حال؛ إنما تتحدد قيمة كلٍّ منهما بموضعه وغايته ونتائجه. فالمال الذي يُدَّخر استعدادًا لحاجةٍ مستقبلية يختلف عن المال الذي يُمنع عن مستحقّه، والمال الذي يُنفق في مصلحةٍ حقيقية يختلف عن المال الذي يُبدّد طلبًا للتفاخر أو استجابةً لنزوةٍ عابرة.
وفي بيان أثر الاقتصاد في المعيشة، ورد عن الإمام الصادق عليه السلام" : «إنَّ القصدَ أمرٌ يحبُّه الله عزَّ وجلَّ، وإنَّ السَّرَفَ أمرٌ يبغضُه الله " الكافي، ج 4، باب فضل القصد، ح 2، ص 52–53
فالقصد ليس حرمانًا للنفس من النعمة، بل إحسانٌ في استعمالها؛ إذ يمنح الإنسان القدرة على الانتفاع بما يملك، مع الاحتفاظ بالتوازن بين حاجاته الحاضرة ومسؤولياته المقبلة.
خاتمة: حين يصبح المال في موضعه
إن حسن تدبير المال ليس مهارةً مالية فحسب، بل ممارسةٌ أخلاقية تكشف عن نضج الإنسان وحكمته في ترتيب أولوياته. فالاعتدال لا يدعو إلى الحرمان، ولا يطلق الرغبات بلا ضابط، بل يعلّمنا أن ننتفع بالنعم، ونحفظ الحقوق، ونصون المستقبل.
فليس كل إنفاقٍ مكسبًا، وليس كل ادخارٍ حكمة؛ إنما المكسب أن نحسن توظيف ما نملك في حياةٍ كريمة، وحقوقٍ محفوظة، وخيرٍ يتجاوز ذواتنا.
جديد الموقع
- 2026-10-29 محمد العلي... قرنٌ من الأسئلة وشاعر لم يتقاعد عن التنوير
- 2026-10-29 رحيل الأديب محمد العلي.. شاعر تجاوز حدود القصيدة
- 2026-10-29 طلاب قانون البيئة بجامعة الملك فيصل يزورون جمعية البيئة الخضراء بالأحساء
- 2026-10-29 لقاء في بيت الثقافة
- 2026-10-29 قراءة كتاب المدينة الفاضلة
- 2026-10-29 أمانة الأحساء ترفع جاهزيتها لموسم الأمطار
- 2026-10-29 جمعية البر بالأحساء تتابع أداء مراكزها عبر منصة «أثر»
- 2026-10-29 من قلب باريس.. الأدب السعودي يحلّق بـ "القيم الإنسانية العليا" وتجربة "حافة النهر صعوداً" للدكتور عبدالله البطيان:
- 2026-10-29 السَّيِّدُ مُحَمَّدْرِضَا السَّلْمَانُ (أَبُو عَدْنَانَ).. حِينَ تَتَحَوَّلُ الْغَزَارَةُ إِلَى ظَاهِرَةٍ
- 2026-10-29 بر الفيصلية بالهفوف يستضيف اليوم العالمي لكبار السن الذي نظمته جمعية (رحماء )