2026/08/21 | 0 | 148
قدماي في الارض و قلبي في السماء
ثمة معنى عميق يمرّ بنا في آيات القرآن، معنى يضع الإنسان بين أرضٍ يمشي فيها، وسماءٍ يأتيه منها رزقه.
يقول الله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]،
ثم يقول سبحانه:
﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: 15]،
ثم يرفع أبصارنا عن الأرض إلى السماء فيقول:
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22].
وكأن القرآن يرسم للإنسان خريطة حياته في ثلاث كلمات: الأرض للسعي، والسماء للرزق، والقلب للتوكل.
لقد هيّأ الله للإنسان في الأرض أسباب البقاء: ماءً، وطعامًا، ودواءً، ومعادن، وزروعًا، ودوابّ، ووسائل لا تكاد تنتهي؛ ثم لم يقل له: اجلس في الأرض وانتظر رزقك، بل قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾.
فالسعي في الأرض تكليف، أما الرزق ففضل.
نزرع في الأرض، لكننا لا ننبت الحبّة.
نحرث التراب، لكننا لا نخلق المطر.
نضع البذرة، لكننا لا نمنحها الحياة.
نسعى إلى أبواب العمل، لكننا لا نملك أن نفتح بابًا كُتب لنا أن يُفتح.
نلتقي بالأسباب، لكننا لا نملك النتائج.
وهنا تكمن روعة التعبير القرآني: ﴿وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾؛ لم يقل: كلوا من الأرض، مع أن الطعام يخرج منها، وإنما نسب الرزق إلى صاحبه الحقيقي: الله.
فالأرض ليست خزينة الرزق، وإنما هي ميدان السعي إليه.
ولعل أجمل ما في المشهد أن الله حين أراد أن يتحدث عن الرزق، لم يُبقِ أعيننا معلّقة بالتراب؛ بل قال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾.
كأن المعنى: لا تجعل الأرض نهاية نظرك؛ فما تبحث عنه فيها، إنما يأتيك بأمرٍ من فوقها.
وليس المقصود أن الرزق ينزل من السماء بمعنى مادي مباشر، وإنما أن مصدر تقديره وإنفاذه من عند الله؛ فالسماء في التعبير القرآني تذكّر القلب بأن الرزق ليس أسير الأسباب، وإن جرت الأسباب في الأرض.
فالأسباب أبواب، لكنها ليست أربابًا.
قد يُغلق باب كنت تظنه باب رزقك، ثم يفتح الله لك بابًا لم يخطر لك على بال. وقد تتعطل وسيلة، ولا يتعطل رزق. وقد تضيق الأرض بما رحبت، ثم يأتيك الفرج من جهة لم تكن تنظر إليها.
ولهذا لم يقل الله: اقعدوا في الأرض وانتظروا الرزق، ولم يقل أيضًا: الأرض تمنحكم الرزق؛ بل جمع بين الأمرين في ميزان بالغ الدقة:
﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ — هذا دورك.
﴿وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ — وهذا فضله.
اسعَ، ولكن لا تتعلّق بسعيك.
اعمل، ولكن لا تعبد عملك.
اطرق الأبواب، ولكن لا تظن أن الباب هو الذي يرزقك.
خذ بالأسباب، ثم ارفع قلبك عن الأسباب إلى مسببها.
ولعل في رفع الرزق إلى السماء تربيةً للروح قبل أن يكون بيانًا للرزق؛ حتى لا يتحول السعي إلى قلق، ولا يتحول العمل إلى عبودية، ولا تتحول الدنيا إلى إلهٍ صغير يسكن القلب.
فالذي كتب رزقك قبل أن تمشي في مناكب الأرض، لن يعجزه أن يبلّغه إليك.
وما أجمل أن يعيش الإنسان بهذه المعادلة القرآنية: قدماه في الأرض، وقلبه في السماء.
يمشي حيث أمره الله أن يمشي، ويزرع حيث أمره أن يزرع، ويعمل ويكدّ ويجتهد، لكنه حين ينظر إلى ثمرة سعيه لا يقول: هذا ما صنعت يداي، بل يقول في يقين هادئ:
هذا رزقٌ ساقه الله إليّ.
فالأرض تعلمنا كيف نسعى،
والسماء تعلمنا ممن نرجو،
وبينهما يتعلم الإنسان أجمل دروس الحياة:
أن عليك أن تمشي في الأرض… لكن لا تجعل قلبك فيها.
وأن تطلب الرزق بالأسباب… لكن لا تطلبه إلا من رب الأسباب.
وحين يستقر هذا المعنى في القلب، يصبح السعي عبادة، والانتظار طمأنينة، والتأخر حكمة، والوصول فضلًا؛ ويصبح الإنسان، مهما اضطربت حوله الدنيا، على يقين بأن رزقه ليس تائهًا في الأرض يبحث عنه، بل هو مكتوب في السماء، ينتظر ساعة وصوله التي لا تتقدم ولا تتأخر
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾
جديد الموقع
- 2026-08-22 الغرب وقضية اللاجئين
- 2026-08-22 ومضات رائية ( 17)
- 2026-08-22 الحاج محمد الهودار بوعبدالخالق في ذمة الله تعالى بالهفوف
- 2026-08-22 نعم المجيبون
- 2026-08-21 القراءة في "إثراء" أكثر من مجرد مهرجان
- 2026-08-21 كتابة بالدموع.. غادة السمان
- 2026-08-21 أكرمك الله وخيبة المقهى
- 2026-08-21 بمشاركة 35 يافعًا ويافعة فرع هيئة الصحفيين بالأحساء يختتم "ميديا لاب"
- 2026-08-20 العيون الخيرية بالأحساء تطلق برنامج الذكاء الاصطناعي والتصميم والمونتاج
- 2026-08-20 الأمير فيصل بن سلمان بثمن إهداء أسرة الدكتور الحميدان مكتبته لدارة الملك عبدالعزيز