2013/10/31 | 0 | 4781
رواية ( الكوت ) و اعتراف الروائي حسن الشيخ
الرواية متعددة الأبعاد والرؤى ، ولعل السبب وراء ذلك هو أن رواية الكوت لا تركز على أهمية اللحظة الزمنية الآنية و الطارئة في عمر منطقة و حياة شخوص الرواية بكل هواجسها و تناقضاتها النفسية و الفكرية و الاجتماعية ، بل اللحظة الإنسانية بكل أبعادها الحياتية . وليس غريبا ذلك طالما أن الروائي يرصد تلك التحولات الاجتماعية و الفكرية التي عاشها الإنسان العربي و الأحسائي خصوصا في حقبة الخمسينات من القرن المنصرم . في منطقة الأحساء خاصة والعالم العربي عامة .
ابطال الرواية وشخوصها متحابون ، متنافرون في نفس الوقت . من هنا نجد انشغال الشخوص بهمومهم الإنسانية و بوح مشاعرهم بدقة , الا أنها الدقة التي لا تزيد المتلقي إلا إرباكا , في ظل تناقض معيشي . هذا الواقع الريفي المعاش و المتغير بفعل صيرورة الزمن . هناك في الرواية أجواء تاريخية إلا إنها قطعا ليست رواية تاريخية بالمفهوم الأكاديمي للرواية , أنها تاريخ الأفراد و الأحياء القديمة في الأحساء التي تشكل في مجموعها تاريخ المنطقة الشرقية للملكة . فالكوت تركز على دلالات الشخوص العامة التي نبتت من الأحياء الاحسائية القديمة , شخوص يؤرقها الواقع الراهن , ذلك الواقع الضاغط على الوجدان العربي .
ورواية الكوت هي رواية الناس البسطاء وتحديدا الكوت الحي الأحسائي القديم , يحكي قصة مجانين وعقلاء سكنوا هذا الحي الأحسائي الشهير. كما صور الحي القديم شخوص نفسيات سكانه باعتباره قضية إنسانية حلل فيها دوافع و نوازع النفس الإنسانية و خباياها و صور أيضا همومها اللامتناهية .
رؤية في الجنون :
الرواية هي رواية العقلاء ولكن رواية الكوت تطرح قضية الجنون او الخواء الروحي الذي عايشته شخصيات الرواية , مثل سالم المصروع بطل الرواية و أصدقائه , الا ان حسن الشيخ نجح في رسم صورة جديدة للمجانين الأحسائيين الذين عايشوا متناقضات تلك الفترة التاريخية . و الى ذلك يشير إنها مأساة مجنون الكوت , القضية الإنسانية عند فتيان الحي ...عندما حلل الروائي دوافع و هموم نفوسهم البشرية , و غاص في أعماقهم بشكل متميز .
هناك مجموعة هائلة من الشخوص . و رغم التفرد السردي بشخصية سالم المصروع بمحورية الرواية الا ان الراوي ترك لهذه الشخصية ان تتقاسم المشاهد و الأحداث مع عدد من الشخوص الأساسية و الثانوية الأخرى . بل يمكن القول ان الراوي قد حشد كما هائلا من الشخوص الروائية , تقاسمت قيما بينها الأحداث . كما ترك الروائي لهذه الشخوص المتنافرة حرية الحركة و التفكير , و الرفض , و المسايرة .
صراع الشخوص حياتيا فيه نوع من الثبات ، أما صراعها على المسرح الروائي فقد كان حياديا تارة و داميا تارة أخرى . جنون سالم المصروع الشخصية المحورية هو جنون لشخوص الرواية جميعا . جنون الجيل و ولا دة جيل آخر له قيم اخرى . الا انها شخصيات مركبة تعيش هي الأخرى صراعا من الداخل . و استطاع الكاتب بفضل تقنيته السردية ان يغوص في دواخل تلك الشخصيات , مما ابعد عنها التسطيح . و صيرها الى شخصيات متنامية مع إيقاعها الزماني و إيقاعها المكاني . و ابتدع شخوصا متغيرة في كل نقلة مكانية في مسرح الرواية .
بطولة مطلقة للمكان :
حسن الشيخ وكما اعتدنا على العديد من أعماله السردية ، يجعل من المكان هو البطل الحقيقي والمطلق . و ( الكوت ) هي الأخرى نص نهضوي استرجاعي بني على أساس سطوة المكان . الأحياء الاحسائية القديمة , والقرى الحسائية كلها مؤشرات واضحة على تلك الهينة المكانية على الرواية . كما يمكن الإدراك بوضوح انتصار الروائي للاحساء المكان الفردوسي على الأرض , يقول الروائي الشيخ (قصر إبراهيم منتصب هكذا في شمال حي الكوت، منذ أن كان الأجداد صغارًا، وحتى الآن، لا أحد يدري على وجه الدقة متى بني. والقصر موجود ولشدة حضوره في الحي، لم يلتفت إليه أحد. يعرفونه إنه قلعة مهجورة منذ عشرات السنين، لا أحد يدخله، وقد نسجت حوله الحكايات الطويلة، لا يستطيع السامع تصديقها، ولا دليل عند الناقل على صحتها. قالوا إن العفاريت تسكن (قصر إبراهيم) وتتزاوج هناك وتتوالد. وأن عفاريت القصر عكرة المزاج، نزقة، ليست ككل عفاريت الدنيا، لا تسمح لأحد بالدخول إلى القصر.)
الانسداد للماضي و الحنين و التعلق بأهداب الماضي الجميل تلح في كل صفحات الرواية . و يرسم الشيخ منظرا مغايرا عند وصف حي الكوت .
(حي الكوت حتى الأمس القريب، أشهر أحياء مدينة الهفوف. وأهالي الأحساء يدركون بعمق كيف حصل حي الكوت على هذه الشهرة. ويعرفون جيدًا أن العثمانيين اتخذوا من هذا الحي المركز الإداري لهم، ومقر الهيئة الرسمية، وكانت فيه الحامية العسكرية أيضًا. إلا أن الأمر لا يقتصر على ذلك، فبإمكان الأحسائيين التسوق داخل هذا الحي أيضًا لوجود عدد كبير من المحلات التجارية، والمخازن المليئة بالكثير من احتياجات الناس. وبفضل سور الكوت القوي، يتمكن أهل الحي من الاكتفاء الذاتي، بما يوجد عندهم من مؤن، وهم في مأمن من هجوم الأعداء عليهم.
واليوم نقل عدد من التجار محلاتهم التجارية إلى القيصرية. وفيما كان يسكن هذا الحي علية القوم وموظفي الدولة، وأصحاب الجاه والمال، دخل إلى هذا الحي العديد من الأسر الفقيرة، للسكن، وتحولت محلاته الكبرى إلى محلات للتجزئة الصغيرة.
براحة
الكوت من المعالم الشهيرة لهذا الحي. وفي هذا الميدان الكبير تقام الاحتفالات
الرسمية، ويتجمع الناس فيها إبان عيدي الفطر والحج. وتقع هذه البراحة جنوب بوابة
الخيل مباشرة. ويقع قصر العبيد ملاصقًا لهذه البراحة من زاويتها الشمالية الغربية.)
هكذا يكتب الروائي ، و على هذا المنحى يحاول الروائي ان يدعم سطوة المكان وجبروته أكثر من خلال الحكايات الأسطورية القديمة و هيمنة المكان ،و وصف ملامح الوجوه الاحسائية التي بسطت سيطرتها هي الأخرى يوما ما على هذه الأرض .
البناء الفني ( للكوت ) :
العمل الروائي مختلف عن العمل القصصي ، فلكل منهما تقنياته السردية الخاصة به . و تعامل الروائي فنيا مع زمن ارتدادي في رواية الكوت , فجاءت الرواية من حيث تقنيتها السردية عملا هندسيا رائعا . و كانت فصول الرواية الأربع و العشرين أشبه باللوحات او المشاهد المسرحية السريعة للحركة و التنقل . ينقلنا الشيخ من زمن لاخر و من مكان لاخر دون حرج . هذا الفعل الهندسي أضفى على الرواية طابعا تشويقا . ووضعها من الناحية الفنية في مصاف السرد الحديث .
ومن زمن الرواية الى زمن الراوي بفلسفته الابتكارية . فنحن نتلمس محاولات الشيخ في إعطاء تفسيره النفسي للزمن , الزمن الطوفاني الذي لم يتمكن الراوي من صده بل هادنه تارة و حاربه تارة أخرى . و يشير الشيخ الى ذلك بقوله :
(إلا أن كل ذلك الجمال والمظاهر الأخاذة، التي تثير الزائرين لحي الكوت، أو أن كل ذلك المعمار الذي يثير الفخر والاعتزاز عند الأحسائيين ليس بذي قيمة وليس بذي أهمية عند سالم المصروع وصاحبيه جمعة الوطيرش وجميل أبو رمش. بل وعلى الأرجح إنهم لم يشاهدوا كل ذلك أبدًا. فالقصر ليس سوى ملجأً نائيًا بالنسبة إليهم، يخفيهم عن أعين الفضوليين، ويحميهم من بطش العمدة محسن أبو ركبة ورجاله.
وقصر
إبراهيم اليوم خالٍ من كل القادة والضباط والجنود العثمانيين. ولم تعد توجد حامية
عسكرية لحماية هذا الحي. لأن الهفوف القديمة، وأحيائها الثلاثة الرفعة والكوت
والنعاثل، لم تعد هي الأحياء الوحيدة فقط. بل تجاوز الأحسائيون الأسوار المحيطة
بالهفوف، وبنوا خلف الأسوار. وأنشأوا أحياء جديدة. ولم يعد الأحسائيون يخافون من
السكنى خلف الأسوار. فأيام الحروب والغزوات والسلب والنهب قد ولت من غير رجعة.
والجنود والأتراك قد تركوا الأحساء ورحلوا منذ زمن بعيد. ولم يبق في القصر سوى
سالم المصروع. فهو السيد المطلق لكل هذا القصر الكبير الفارغ. ) .
اعتراف الروائي :
وكما كتب حسن الشيخ في روايته الأولى ( الفوارس ) كتب حسن الشيخ في الكوت زمنه الخاص به , و برؤيته الخاصة به ايضا , و قد اعترف الروائي بهذا المعنى و هو يتلمس زمن كغيره من الحمقى الذين تصوروا أنهم أقوى من الزمن , لكنه يعود ليؤكد اعترافه وهو منكس الرأس بأن ذلك هراء .
رواية الكوت وادعة في سردها ، شرسة في أحداثها . و رغم الحب الكبير الذي بثه الراوي للاحساء و أحيائها , إلا أن الأحياء تغتال أبنائها . و توصلهم إلى مصير مأساوي مفجع . حيث تهدم الأحياء , و يحرق المسرح , و يقتل الشخوص ....كما تقتل الخيول الكبيرة رحمة بها . فلماذا اختار الشيخ تلك النهاية المأساوية لأبطال الكوت؟ وكما فعل مسبقا في روايته ( الفوارس ) , و لماذا هدم المسرح على من فيه ؟ و لماذا حاول اجتثاث الماضي الجميل الذي انتصر له في كل صفحة من صفحات روايته الطويلة ؟ هل انتقم حسن الشيخ من الأحساء الذي رفضته يوما ما ؟ لماذا كل هذا الدمار حينما يقدم الروائي على شنق الأحساء ؟ .
كاتبة من السعودية / الخبر
جديد الموقع
- 2026-06-09 *الفردانية والإنتماء القبلي*
- 2026-06-09 أمير المنطقة الشرقية يستقبل منسوبي جمعية سند للمسؤولية الاجتماعية ويثمّن جهود متطوعيها في خدمة ضيوف الرحمن
- 2026-06-09 تكريم الاعب العباس الجاسم
- 2026-06-09 الخزرجي في "المرجعية الدينية" يتابع موقفها من عراق المستقبل
- 2026-06-09 يكتب في جنازة ابنه
- 2026-06-08 سمو محافظ الأحساء يستقبل مدير الدفاع المدني بالمحافظة
- 2026-06-08 افراح الملا والسليمان بالهفوف في كرستال
- 2026-06-08 الأدب والشعر الإداري
- 2026-06-08 ختام حملة التبرع بالدم9 بمركز برّ النجاح بالمبرز
- 2026-06-07 قراءة في كتاب نفحات بيانية من دعاء الصباح