2026/10/30 | 0 | 70
حي العدامة في رحلة الهجرة والتحول
قراءة في كتاب : الهجرات الداخلية والتنقلات السكنية
دراسة حصر لمجموعة من السكان في حي العدامة والتغيرات الثقافية التي أثرت على تطور المسكن السعودي
للدكتورة فاطمة مصطفى رضا
تاريخ الطبعة ١٤٣٧ هجرية، عدد الصفحات ٤٤٣ صفحة ، طباعة ونشر : مكتبة المتنبي
من الأحساء إلى أحياء الدمام
يأخذنا كتاب الدكتورة فاطمة مصطفى رضا في رحلة بين الأمكنة والتحولات؛ من هجرة جماعية، إلى تنقلات داخل المدينة الواحدة، ومن سيرة أسر محددة إلى أسئلة أوسع عن المجتمع والمسكن والمدينة. فالكتاب يتتبع مجموعة بشرية هاجرت من الأحساء، وبالتحديد من حي الشُّعبة في مدينة المبرّز، إلى حي الدواسر، أو «الديرة»، في الدمام، ثم إلى حارة الشعيبة في حي العدامة، فحي الجلوية المعروف بـ«بورشيد»، وصولًا إلى حي العنود.
لا يعرض الكتاب هذه المحطات بوصفها أسماء متتابعة على خريطة فحسب، بل يتتبع ما جرى للأسر في كل محطة: كيف تغيرت في نمط اقتصادها وانتاجها وفي أحجامها، وما الذي احتاجته في مساكنها، ولماذا اختارت البقاء أو الانتقال، وكيف انعكست تلك التحولات على علاقاتها وطريقة عيشها. ومن هذا المسار نفهم أن حركة السكان لا تغيّر عنوان السكن وحده؛ بل تكشف تحولات المجتمع وأفكاره وأنماط معيشته واقتصاده وانتاجه عبر الزمن.
العدامة قلب الحكاية
في قلب هذه الرحلة تقف حارة الشعيبة في حي العدامة؛ فهي ليست مجرد محطة عابرة بين حي الدواسر والجلوية، بل المرحلة التي تكشف بوضوح كيف يفاوض السكان بين الاستقرار والضيق، وبين ما ورثوه من نمط سكني وما استجد في المدينة. وتصف الصفحات المسكن في الشعيبة بوصفه نقلة عن المسكن السابق، مع بقاء بعض ملامح الحياة الأسرية والاجتماعية، ثم تتابع ما طرأ عليه من توسع وتعديلات مع نمو الأسرة وتغير حاجاتها.
وتبرز أهمية العدامة في أن تجربة السكن فيها لم تكن واحدة لكل الأسر؛ فقد ارتبطت ظروف المسكن بمساحته، وكثافة السكان، وطريقة البناء، وبمدى قدرة البيت على استيعاب الأسرة الممتدة. ومع ازدياد أفراد الأسرة واحتياج الأبناء إلى الاستقلال والخصوصية، أخذت محدودية المساحة والخدمات تدفع بعض الأسر إلى التفكير في الانتقال. بهذا المعنى، تقدم العدامة صورة مكثفة عن أثر المسكن والحي في القرار الأسري، وعن كون الاستقرار نفسه قابلًا للتغير حين لا يعود المكان ملائمًا للحياة اليومية.
المسكن يروي سيرة الأسرة
تمنح الباحثة تفاصيل المسكن مكانًا أساسيًا في الحكاية. فهي تصف الانتقال من المسكن التقليدي في الأحساء، حيث تتجاور الأسرة الممتدة وتتشابك وظائف المكان، إلى مساكن الدمام التي تبدلت أقسامها ومواد بنائها وطرائق استخدامها. وتظهر في الصفحات أوصاف للمجالس، وقاعات الطعام، والمطبخ، وغرف النوم، والأفنية والارتدادات، لا باعتبارها عناصر معمارية منفصلة، بل بوصفها فضاءات تنظم الحياة اليومية والضيافة والخصوصية والعلاقات بين أفراد الأسرة.
وتكشف المقارنة بين المراحل كيف استجابت الأسر لتغير حجمها واحتياجاتها. فحين كبرت الأسرة أو تزوج الأبناء، ضاق المسكن القديم عن استيعابهم، وظهرت الحاجة إلى غرف ومساحات إضافية وإلى قدر أكبر من الخصوصية. وفي مساكن لاحقة، صارت علاقة القسم العام بالقسم الخاص، وموقع المطبخ واتصاله بالصالة، وتعدد مداخل البيت، مؤشرات على تغير نمط الحياة وعلى التفاوض المستمر بين العادات الموروثة ومتطلبات الحاضر.
أسباب الانتقال ومغناطيس الحي
ترصد الدراسة أسبابًا متعددة للحركة بين الأحياء: تحسن الوضع المادي، ازدياد عدد أفراد الأسرة، البحث عن مسكن أوسع وأكثر ملاءمة، والرغبة في الاستقرار أو تأمين مسكن مستقل للأبناء. وتبرز كذلك عوامل تتصل بالحي نفسه، مثل توفر الخدمات التعليمية والصحية، واتساع الأراضي، وتنظيم الشوارع، ومواقف السيارات، وما تمنحه الأحياء الحديثة من خيارات سكنية أوسع.
لكن الانتقال لا تفسره المباني والخدمات وحدها. فالروابط بين الأقارب والجيران، والتواجد بالقرب من الأهل، والتجانس الثقافي، كلها عناصر أسهمت في جذب الأسر إلى أحياء بعينها وفي استمرار استقرارها فيها. وتوضح الصفحات أن الحي قد يكون جاذبًا بما يتيحه من فرص مادية وعمرانية، وبما يحفظه في الوقت نفسه من علاقات اجتماعية تمنح السكان الألفة والانتماء.
التحديث والتفاوض مع الموروث
من الأفكار اللافتة في الكتاب أن التغير العمراني لا يحدث دائمًا وفق التصميم الأصلي للمسكن. فعندما لا يلائم التصميم حاجات الأسرة أو عاداتها، يُدخل السكان تعديلات على الفراغات والعلاقات بين الأقسام؛ وقد تتحول مساحة أو يتغير استعمالها، أو تضاف غرف ومرافق مع اتساع الأسرة. وتقرأ الباحثة هذه التغييرات بوصفها استجابة لحاجات واقعية، وفي الوقت نفسه علامة على أثر التوتر بين التصميم ومتطلبات السكان في هوية المسكن.
وتتابع الدراسة أيضًا أثر التقنية والمواد الحديثة وتغير أنماط الاستهلاك في شكل البيت. فالمسكن ليس وعاءً محايدًا؛ إنه يتأثر بما يدخل حياة الأسرة من أجهزة ووسائل، وبما يتبدل في أساليب إعداد الطعام والضيافة والعمل داخل المنزل. لذلك يبدو التطور السكني في الكتاب عملية متدرجة، تتداخل فيها الخيارات الاقتصادية مع الثقافة والخبرة اليومية، ولا تمحو بالضرورة كل ما سبقها.
قراءة في منهج الكتاب وقيمته
يعتمد الكتاب على تتبع تاريخ أسر بعينها ومقابلة أفراد منها، مع الاستفادة من مخططات المساكن والصور والوثائق التي تضيء تفاصيل الحياة المنزلية. ويمنح تتبع تجربة العدامة مساحة واضحة في هذا المسار، إذ يجعل تفاصيل المسكن في الحي وشكل العلاقات بين أقسامه جزءًا من تفسير الاستقرار ثم الانتقال. ومن هذه المادة اليومية يبني الكتاب قراءة أوسع للهجرة داخل الدمام، رابطًا بين مسار الأسرة وتحولات المسكن والحي. وتظهر قيمة هذا المنهج في أنه يجعل التجربة المعيشة جزءًا من فهم المدينة: فالتنقلات تفسرها اختيارات السكان وظروفهم، كما تترك هي نفسها أثرًا في أحيائهم وعلاقاتهم.
ومع أهمية هذا التتبع، تظل الدراسة نافذة على مجتمع بحث محدد وأسر محددة، لا وصفًا شاملًا لكل سكان الدمام. وهذه الحدود لا تنتقص من قيمة الكتاب؛ بل تساعد القارئ على تقدير ما يقدمه بدقة: صورة مفصلة لمسار اجتماعي وعمراني، تتيح فهمًا أعمق لتغير بعض الأسر وأحيائها، وتفتح الباب لدراسات تقارن بين تجارب ومجتمعات أخرى.
المدينة في سيرة ساكنيها
تدفعنا قراءة الكتاب إلى النظر للمكان بوصفه سجلًا للحياة الاجتماعية، لا مجموعة مبانٍ وطرق فقط. فالتخطيط الذي يراعي دورة حياة الأسرة، وحاجتها إلى الخصوصية والضيافة، وصلاتها بالأقارب والجيران، أقدر على دعم الاستقرار من تصميم جامد لا يتسع لتغير السكان. كما تذكّرنا الدراسة بأن الحفاظ على هوية الحي يتصل بفهم ساكنيه وما يمنح المكان معناه.
إنه كتاب يتتبع الدمام في حركة ساكنيها، ويضيء جانبًا من تطورهم الثقافي والاقتصادي وأنماط معيشتهم من خلال تفاصيل الهجرة والانتقال والسكن. وبعد هذه الرحلة يبقى سؤالان يرافقان القارئ: ماذا يحدث للمدينة حين يغادر سكانها حيًّا اعتادوه؟ وماذا يبقى من الحي القديم في البيوت الجديدة، وفي عادات الأسرة، وفي صلات الأقارب والجيران؟ لعل الإجابة تبدأ من الإصغاء إلى حكايات السكان؛ فهم لا يسكنون المدينة فقط، بل يحملونها معهم كلما انتقلوا.
إبراهيم علي الطويل
باحث وكاتب مهتم بسرديات المدن وأدب الحواس ويعمل على مشاريع بحثية توثق الذاكرة الشمية وتاريخ الأمكنة، وله اشتغالات في الكتابة السردية والنقدية
جديد الموقع
- 2026-10-30 نَارٌ مِنَ الشَّوْقِ
- 2026-10-30 *هل الطبيعة كتاب؟* *المقالة الثامنة: كيف نعرف أننا نعرف؟*
- 2026-10-30 (قَرِّرْ كيف تكونُ ماهيَّةُ قصيدتِكَ الأخيرة)
- 2026-10-30 محامون تحولوا إلى الكتابة
- 2026-10-30 ضمن جناح المملكة ضيف شرف المعرض في دورته الـ29..الشؤون الإسلامية تشارك في معرض الجزائر الدولي للكتاب 2026م
- 2026-10-30 معرض الجزائر الدولي للكتاب يطلق برنامجه الثقافي ويستقبل زواره
- 2026-10-30 د. أحمد المضحي.. مسيرة علم وعطاء وإنجاز
- 2026-10-30 ريان الزكري يرفع راية الوطن عاليًا في سماء دبي ويحقق إنجازًا عربيًا مشرّفًا
- 2026-10-29 محمد العلي... قرنٌ من الأسئلة وشاعر لم يتقاعد عن التنوير
- 2026-10-29 رحيل الأديب محمد العلي.. شاعر تجاوز حدود القصيدة