2026/05/18 | 0 | 140
*تلوّن الهويات الإنسانية*: من جدران القبيلة والقرية إلى فضاء العالم الجديد
اللوحة المتغيرة للذات البشرية
لم تكن هوية الإنسان يوماً قالباً مصبوباً من معدن واحد لا يتغير، بل هي أشبه بلوحة فسيفسائية تتداخل ألوانها وتتبدل بمرور الزمن.
إن الأسئلة الوجودية من قبيل "من أنا؟" و"إلى أين أنتمي؟" لا تُجاب في معزل عن الواقع؛ فالإنسان كائن علاقاتي، تشكله "الهوية المرتبطة" التي تحدد ملامحه بناءً على ارتباطه بالآخر وبالأرض.
لكن هذا الارتباط عاش طفرات كبرى؛ فالهوية الساكنة التي صبغت أجدادنا قبل سبعينيات القرن الماضي، ليست هي ذاتها الهوية السائلة والمتلونة التي يحملها جيل اليوم.
المحددان الأساسيان للهوية التقليدية: 1- *العائلة (القبيلة)*
2- *الجغرافيا الضيقة*
تاريخياً، وإلى عهد قريب، كانت هوية الإنسان تتركز بشكل صارم وحاسم حول عنصرين يمثلان الدائرة الأضيق والأكثر عمقاً في توجيه سلوكه وتحديد ملامحه:
المحدد الأول: *الانتماء العائلي والقبلي*: يمثل خط الدفاع الاجتماعي الأول في هذا النطاق، يعرف الإنسان نفسه بلقبه ونسبه، وينال أمانه النفسي والاجتماعي من خلال هذا الانتماء.
كان الفرد قديماً يذوب في الجماعة (القبيلة)، ليكون مرآة لها وتحتكم تصرفاته بإرثها القيمي.
المحدد الثاني:
*الانتماء الجغرافي*
المحدود (القرية أو البلدة): ونقصد به الحيز المكاني الصغير الذي يولد ويعيش فيه الفرد. هذا السكن المحدود لم يكن مجرد جدران، بل كان صبغة نفسية وثقافية تجمع أهل هذه المنطقة؛ فالكل يعرف الكل، والعادات متطابقة، والمزاج العام متسق.
سؤال الهوية الأول: بناءً على هذين المحددين، فإن أول ما يُسأل عنه الإنسان داخل وطنه لتحديد هويته العامة والخاصة هو: "من أي عائلة أنت؟ وأين تسكن؟". هذا الثنائي (القبيلة + القرية) كان يمثل البوصلة الكاملة لتعريف الذات.
الدوائر الأوسع: الهوية الوطنية والدينية
فوق هذه الدائرة الضيقة، تتقاطع في وجدان الإنسان هويات أكثر عمومية وتداخلاً، تنقله إلى نطاق مجتمعي وسياسي أوسع:
*الهوية الوطنية*: التي تبلورت في نطاق البلاد الشاملة، لتجمع شتات القبائل والمناطق تحت مظلة نظام سياسي وجيوسياسي وقانوني واحد، يصهر الجميع في بوتقة "المواطنة".
*الهوية الدينية والإسلامية*: وهي الفضاء الروحي والأخلاقي الأشمل الذي يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، ليمنح الفرد صلة بالكون وقيمًا مطلقة عابرة للقارات.
نقطة التحول: من صبغة ما قبل السبعينات إلى اصطباغ الألوان
نهاية القرن الماضي كان أفراد القبيلة أو العائلة الواحدة، الذين يعيشون في سكن جغرافي واحد، يمتلكون "هوية متماثلة" ذات صبغة واحدة متشابهة في التفكير، والمستقبل، والمزاج.
ولكن مع مرور الزمن، ودخول التعليم، والتطور المدني المتسارع، بدأت هذه الصبغة الواحدة تتفكك لتفسح المجال أمام هويات فردية ذات ألوان متعددة. ولم يعد ابن القبيلة نسخة كربونية من ابن عمه، بل أصبح لكل فرد مزيج هوياتي خاص به.
إن الجيل الذي نشأ وتشكل وعيه ما بعد عام 2000، ووصل إلى ذروته في 2020، يحمل ثقافة ومزاجاً يختلف جذرياً عن الأجداد والآباء. هذا التلون الهوياتي ناتج عن عنصرين محوريين غيرا طبيعة "الهوية المرتبطة"
1. طفرة المصاهرة (الانتقال من الزواج الداخلي إلى الخارجي)
كان السائد والمقدس سابقاً هو التزاوج من داخل العائلة نفسها أو النطاق القبلي الضيق، مما يحافظ على نقاء الصبغة الثقافية الواحدة وتكرارها. تحول هذا النمط تدريجياً وبشكل لافت في العقود الأخيرة نحو الزواج خارج العائلة وخارج القبيلة والمنطقة. هذا التداخل الأسري الجديد أنتج جيلاً هجيناً بثقافات متعددة داخل البيت الواحد؛ فالأبناء باتوا يحملون في عروقهم وثقافتهم أخوالاً وأعماماً من بيئات ومناطق مختلفة، مما كسر أحادية الهوية القديمة.
2. النزوح الجغرافي والتغير الديموغرافي (التخلي عن القرية)
بسبب التوسع العمراني، وطلب الوظائف، والحاجة الملحّة للحصول على مناطق سكنية ومخططات جديدة خارج حدود القرية أو البلدة الأم، اضطر آلاف الأفراد إلى الهجرة الداخلية والنزوح الجغرافي.
هذا الانتقال يعني سوسيولوجياً "التخلي عن القرية" بخصوصيتها الضيقة، والانتقال إلى مدن أو أحياء جديدة تتميز بأنها متعددة الهويات والأفراد. في السكن الجديد، يجاوز الفرد جيراناً من مناطق شتى، وثقافات متباينة، وخلفيات متنوعة. هذا العيش المشترك صبغ الجيل الجديد بهوية المنطقة الجديدة الواسعة، ونزع عنه الخصوصية القديمة لبلدته الأولى.
خاتمة: كيف نفهم ونعقل عقلية الجيل الجديد؟
إن الأديان والأفكار والتيارات التي تعصف بجيل ما بعد 2000 تجد أرضاً خصبة في عقولهم لأنهم ينتمون إلى "هواء مختلف" ومناطق مفتوحة غير مسوّرة بالتقاليد الصارمة للمكان الواحد. هم يحملون ثقافة منفتحة ومزاجاً مستقلاً تشكل في فضاء الإنترنت، والتعليم العالي، والبيئات السكنية المختلطة.
لذا، من الخطأ بمكان محاكمة ابن عام 2000 بأدوات ومعايير عام 1970. إن الواجب الاجتماعي والتربوي يحتم علينا أن نتفهم، ونُدرك، ونعقل كيف يفكر هذا الجيل. لقد تلونت هويتهم بفعل حركية الحياة (المصاهرة الجديدة والنزوح السكني)؛ فالارتباط لديهم لم يعد يعني الانغلاق، بل أصبح يعني التمدد والاندماج في العالم الأوسع مع الاحتفاظ بقدسية الوطن وقيم الدين الأساسية.
ودع عنك جيل الطيبين مابعد السبعين وقبل الألفين
جديد الموقع
- 2026-05-18 سمو محافظ الأحساء يطّلع على جهود وبرامج بنك التنمية الاجتماعية بالمحافظة
- 2026-05-18 عائلة المجحد بالأحساء تحتفل بزفاف ابنها “خليل "
- 2026-05-18 عضو نادي جافل فخر توستماسترز الأحساء المشترك ثنائي اللغة جافيلرنزار بوخمسين يتأهل لنهائي "الخطب العالمية" باللغة الأنجليزية ويحرز المركز الأول مكرر في مؤتمر ساتاك السعودي السنوي للتوستماسترز..
- 2026-05-18 *الأحساء تشارك في المنتدى الحضري العالمي بباكو لاستعراض تجربتها التنموية ومشروعاتها الحضرية*
- 2026-05-18 التوازن الدقيق بين المشاعر الايجابية والسلبية
- 2026-05-18 «الأدب واقتصاديات الاستدامة الروحية».. أحدث أطروحات نادي النورس الثقافي
- 2026-05-18 القراءة والتحصين الفكري
- 2026-05-18 (زهوكَ لا يُعطيكَ ما تبتغيه)
- 2026-05-16 بحضور 15 متدرب .. "زينب الخليف" تقدم ورشة التصوير والمونتاج بالجوال في مساحة الشايب بالأحساء
- 2026-05-16 هيرمونطيقيات أدبية