2026/05/14 | 0 | 85
تأملات حول مفهوم الرومنطيقية عن حازم صاغية
الرومنطيقية مفهوم غربي بامتياز، ارتبط ظهوره بالتحولات التي شهدتها أوروبا بعد الثورة الفرنسية وقيم الحداثة التي أعلت من شأن العقلانية والعلم والتقدم وأحطت من شأن كل ما يرتبط بالمخيلة من قيم ومفاهيم . لذلك هذا الظهور هو تيار نقدي تفرع منه تيارات في الأدب والفكر والفلسفة والاجتماع ، وأصبح تاريخ الفكر الغربي منذ أوائل القرن التاسع عشر هو تاريخ الصراع بين قيم الحداثة وبالخصوص عند المفكرين الفرنسيين من جهة ، وبين ما يقابلها من قيم نقدية سجاليّة ارتبطت أكثر بالمثالية الألمانية كالقومية والأمة والجمالية . ضمن هذا السياق وعلى إيقاعه تطورت المجتمعات الغربية باتجاه النقد والنقد المضاد على جميع الأصعدة والمجالات . وليست الرومنطيقية سوى واحدة من تلك المجالات التي أثرت بشكل أو بآخر على المشرق العربي خصوصا أبّان التحرر من الاستعمار والبحث عن هوية جامعة وعن دولة في طور التشكل وعن قيم وتاريخ تناسب المرحلة .
عند الكاتب حازم صاغية في كتابه ( رومنطيقي المشرق العربي ) دار رياض الريس - بيروت ٢٠٢١ تبدو الرومنطيقية كأنها ذلك التوتر الطويل بين أمة تتخيل نفسها أكثر مما تبني نفسها. أمة تمشي داخل اللغة. داخل القصيدة. داخل الخسارة المؤجلة.
في المشرق العربي لم تكن السياسة تخرج من المصالح بقدر ما كانت تخرج من البلاغة. الزعيم يشبه شاعرًا متعبًا أكثر من كونه إداريًا. والشهيد فكرة جمالية أحيانًا، لا واقعة سياسية فقط. الأمة نفسها لم يكن ينظر إليها كمساحة جغرافية بل ككائن ميتافيزيقي، روح معلقة بين ماضٍ ذهبي ومستقبل خلاصّي. ولذلك بدا أن الرومنطيقية لم تستقر كحقل أدبي مستقل عن السياسة، بل هي السياسة حين فقدت برودتها وصارت تنطق كقصيدة.
لكن شيئًا ما – يبدو لي - ناقصًا في هذا التفسير. شيء أقدم تاريخيا لو تجاوزنا حقبة الرومنطيقية ، أعمق من اللغة الحديثة ذاتها. فالعصبية، كما لو أنها نهر قابع في عمق الأرض ، كانت تواصل جريانها تحت خرائط الأحزاب والشعارات. القومي يتحدث عن الأمة لكنه يعود إلى جماعته عند الخوف. والماركسي يتكلم عن الطبقة فيما يختبئ داخل شبكة من القرابات كثيفة. وحتى الدولة الحديثة، بمؤسساتها وأناشيدها ودساتيرها، كانت كثيرًا ما تستعير جلد الحداثة فيما عظامها ما تزال قديمة.
يبدو مفهوم العصبية عند ابن خلدون أقل افتتانًا باللغة وأكثر انتباهًا للمادة الخام للتاريخ. العصبية ليست خطأ أخلاقيًا عنده. إنها الطاقة الأولى. النار التي تجعل الجماعة قادرة على الحركة، على الاحتمال، على التوحش أحيانًا، وعلى بناء الدول أحيانا أخرى .
ولذلك لا يمكن تفكيكها كما تُفكك آلة. التاريخ لا يعمل بهذه النظرة الباردة للأشياء. لا توجد يد تقف فوق المجتمع وتقول: الآن انتهى القديم وبدأ الجديد. المسارات أكثر عتمة. أكثر التواءً. ثمة مصادفات كبرى، هزائم وحروب و انهيارات، وفجأة تظهر نافذة ضيقة تمر منها جماعة أو قائد أو دولة تمتلك حدس اللحظة، وقوة الإرادة .
لهذا لم يكن المطلوب في ظني قتل العصبية بل تحويل مجراها. إفراغها من دمها القديم وضخها بفكرة الدولة الحديثة. لا بوصفها قطيعة مع المجتمع، بل أفقًا أعلى يعيد ترتيب الولاءات. القبيلة لا تختفي، لكنها تتراجع خطوة إلى الخلف. الطائفة لا تموت، لكنها تكف عن كونها قدرًا سياسيًا. الناس يتعلمون الدولة ببطء، كما لو أنهم يتعلمون لغة جديدة، لغة لا تنكر ذاكرتهم لكنها تمنع الذاكرة من التحول إلى سكين قاتلة
وربما الرهان على الدولة هو في نهاية المطاف هو النجاح المأمول ليس باعتبارها جهازًا فقط، بل باعتبارها الإمكانية الوحيدة تقريبًا لتحويل الطاقة الاجتماعية إلى تاريخ. كل تحول في الوعي، في الثقافة، في معنى الفرد، كان يمر عبرها. المدرسة، الجيش، القانون، المدينة، الإذاعة، الطريق، الوظيفة، حتى شكل الحلم الشخصي؛ كلها كانت تخرج من رحم الدولة أو تتشوه بغيابها.
ولهذا لم تفشل الإيديولوجيات العربية لأنها بلا أحلام، بل لأنها لم تستطع أن تتحول إلى دولة حديثة بما يكفي. كانت ترفع شعارات أكبر من قدرتها المؤسسية. تقول الأمة فيما هي خائفة من المجتمع. تقول الحداثة بينما تستخدم الأدوات القديمة نفسها: الولاء، القرابة، الخوف، الغنيمة.
أما الإسلامويون فقد فهموا مبكرًا أن العصبية لا تُهزم بمواجهتها، بل باحتوائها داخل لغة مقدسة. وهنا صار الاجتماعي دينًا، وصار التاريخي أبديًا، وصارت بعض العادات القديمة تبدو كأنها نزلت دفعة واحدة من السماء. وهذه قوة هائلة، لأن نقد البنية الاجتماعية يتحول فورًا إلى اتهام بالكفر أو الخيانة أو فقدان الهوية.
لكن حتى هذا لم يكن استثناءً كاملًا. فقد كانت كل الأيديولوجيات، بصورة ما، تبحث عن خلاص. عن معنى كبير يغطي هشاشة الواقع. القومي، الماركسي، الإسلاموي؛ جميعهم أبناء جرح واحد: الإحساس بأن العالم سبق هذه المنطقة، وأن عليها أن تقفز فوق تاريخها دفعة واحدة.
إلا أن التاريخ لا يقفز. إنه يتراكم ببطء، مثل طبقات الغبار على المدن القديمة. والدولة الحديثة نفسها لم تكن معجزة أوروبية خالصة، بل نتيجة قرون من إعادة تدوير العصبيات داخل القانون والمؤسسات والاقتصاد. هناك أيضًا كانت القبائل القديمة تتحول بالتدريج إلى أوطان.
لذلك تبدو الرومنطيقية العربية، في النهاية، أقل ارتباطًا بالأدب مما تبدو مرتبطة بالعجز عن إنتاج دولة مستقرة. كل شيء كان يبحث عن تعويض: القصيدة، الزعيم، الثورة، العقيدة، وحتى الهزيمة نفسها. كأن المنطقة ظلت طويلًا تعيش داخل استعارة كبرى، فيما الواقع منفصلا عنها تماما ، ثم يحدث أن تتحول الدولة نفسها إلى عصبية كبيرة. عصبية ترتدي بدلة رسمية، تتكلم باسم الشعب، ترفع العلم فوق المباني، لكنها في الداخل ما تزال تخاف. كل سلطة تخاف تعود إلى أصلها الأول: الجماعة الضيقة. كأن الحداثة في هذه المنطقة لم تستطع أن تثق بنفسها تمامًا. كانت دائمًا تنظر خلفها، إلى القبيلة، إلى الطائفة، إلى العائلة. فلم تكن الدولة العربية باردة بما يكفي. الدولة الحديثة تحتاج قدرًا من البرودة، من اللامبالاة النبيلة أحيانًا. القانون لا يسأل عن الدم. المؤسسة لا تفكر بالعاطفة. لكن المنطقة خرجت من تاريخ طويل كانت فيه السلطة امتدادًا للقرابة أو الغلبة أو الغنيمة، ولذلك بقيت الدولة، حتى وهي تتحدث لغة العصر، مشدودة إلى خوفها البدائي من التفكك.
كان يمكن ملاحظة ذلك في كل شيء تقريبًا. في الطريقة التي يتحول بها الخلاف السياسي إلى خصومة وجودية. في الحساسية المفرطة تجاه النقد. في الحاجة الدائمة إلى الزعيم الملهم. حتى الجماهير نفسها لم تكن تثق بالمؤسسة بقدر ما تثق بالشخص. كأن الوعي السياسي العربي ظل يبحث عن الأب أكثر من بحثه عن العقد الاجتماعي.
والغريب أن هذا لم يكن تخلفًا خالصًا، بل فائض حرارة اجتماعية أيضًا. المجتمعات الباردة تنتج مؤسسات قوية لكنها فقيرة وجدانيًا أحيانًا. أما هنا فالعلاقات أكثر كثافة، قسوة . الحب نفسه يأخذ شكل العصبية أحيانًا كما الصداقة والدين . كل شيء يميل إلى التكتل والاحتماء بالجماعة، كما لو أن الفرد لم يولد كاملًا بعد.
لذلك فكرة الحرية ملتبسة في الوعي العربي الحديث. الحرية لا تعني فقط التخلص من الاستبداد، بل الخروج التدريجي من الحماية القديمة أيضًا. من الطائفة بوصفها مأوى، من القبيلة بوصفها ذاكرة، من الزعيم بوصفه أبًا رمزيًا. وهذه عملية موجعة، لأن الإنسان لا يغادر انتماءاته الأولى بسهولة. إنه يشعر دائمًا أن شيئًا من الدفء يضيع.
وهذه إحدى مظاهر توتر الحداثة العربية إلى هذا الحد أو ذاك. فهي ليست رفضًا كاملًا للماضي ولا قدرة كاملة على تجاوزه. نوع من العيش بين زمنين. اللغة حديثة لكن الخيال قديم. الجامعة حديثة لكن الوعي الأهلي ما يزال يقيم في داخلها مثل شبح. حتى المدن الكبرى، بزجاجها وإسفلتها، كانت تخفي تحتها خرائط قديمة للعائلات والطوائف والمناطق.
كانت هناك لحظات اقتربت فيها الدولة من أن تصبح فكرة عامة فعلًا، لا ملكية خاصة لجماعة أو حزب أو قائد. لحظات شعر فيها الناس أن القانون يمكن أن يكون أعلى من الدم، وأن الوظيفة العامة ليست غنيمة، وأن الوطن ليس استعارة شعرية فقط. لكنها كانت لحظات قصيرة، لأن البنية القديمة كانت دائمًا أسرع في العودة، كأنها تعرف تضاريس الأرض أكثر من الأفكار الجديدة.
حتى الثورات، تلك التي جاءت صارخة ومحمّلة بأحلام هائلة، اكتشفت بسرعة أن إسقاط السلطة أسهل بكثير من بناء الدولة. الشارع يستطيع هدم التمثال، لكنه لا يعرف وحده كيف يبني مؤسسة. ولهذا كانت الفوضى أحيانًا هي الوجه الآخر للرومنطيقية: الحلم الكبير حين يكتشف أنه بلا أدوات.
في النهاية لا يبدو السؤال الحقيقي متعلقًا بالعصبية أو الرومنطيقية وحدهما. السؤال الأعمق ربما: كيف يمكن إنتاج دولة لا تنكر التاريخ الاجتماعي للمجتمع، لكنها لا تستسلم له أيضًا؟ دولة لا تعادي الجماعات، ولا تتحول إلى أسيرة لها. دولة تجعل الفرد ممكنًا دون أن تتركه وحيدًا في العراء.
هذا هو الامتحان الذي لم يُحسم بعد. وربما لن يُحسم قريبًا. لأن المنطقة ما تزال تعيش داخل طبقات متعددة من الزمن: إمبراطوريات ميتة، قبائل حيّة، مدن نصف حديثة، أديان مؤجلة سياسيًا، وحداثة دخلت متأخرة وتحاول أن تلحق بالعالم وهي تلهث. كأن الجميع هنا يصل متأخرًا إلى التاريخ ثم يحاول تعويض ذلك بالصوت العالي .
ليست المشكلة أن المنطقة العربية تأخرت عن الحداثة فقط، بل أنها لم تجد بعد الإيقاع الذي يسمح لها بأن تدخل التاريخ دون أن تفقد ذاكرتها. كل محاولة للعبور كانت تخشى شيئًا ما: أن تصبح بلا ماضٍ، بلا جماعة، بلا يقين. ولذلك ظلت تتأرجح بين خوفين: خوف الذوبان في العالم، وخوف الانغلاق داخل نفسها.
جديد الموقع
- 2026-05-14 أمين الحباره يتوج بجائزة الأحساء للاستدامة البيئية
- 2026-05-14 "مزاج الكتابة ومجازها"...أمسية حوارية تُبحر في فلسفة الحرف مع الأديب جاسم المشرف بنادي ابن عساكر.
- 2026-05-14 < < الصادق الأمين > >
- 2026-05-13 السِّيَر ومفهوم كتابة الحياة
- 2026-05-13 الكافكائية الأدبية
- 2026-05-13 التدريب التقني بالمنطقة الشرقية يطلق النسخة الأولى من جائزة التميز ويكرّم الفائزين
- 2026-05-13 سمو أمير المنطقة الشرقية يرعى حفل جمعية إيثار لتكريم الشركاء والداعمين ويُدشّن مبادرة “مسيرة إيثار”
- 2026-05-13 سمو محافظ الأحساء يرعى الحفل الختامي لجائزة الأحساء للاستدامة البيئية ويكرّم الفائزين في نسختها الأولى
- 2026-05-13 جامعة حفرالباطن تشارك في ورشة «نقل المهام التشغيلية من الجامعات الحكومية إلى شركة تطوير التعليم القابضة»
- 2026-05-13 *قدّمها 23 متحدثًا من طلاب الدراسات العليا* *ملتقى “عدسة التمريض” يجمع التخصصات الصحية لرسم خارطة ما بعد التخرج بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل*