2026/06/02 | 0 | 125
أَزْمَةُ الْمَوَاقِفِ .. حِينَ يَضِيقُ الشَّارِعُ وَتَضِيقُ النُّفُوسُ
لَمْ تَعُدْ أَزْمَةُ الْمَوَاقِفِ فِي أَحْيَائِنَا مُجَرَّدَ تَفْصِيلٍ يَوْمِيٍّ عَابِرٍ يُمْكِنُ تَجَاوُزُهُ بِبَعْضِ الصَّبْرِ أَوِ التَّأَفُّفِ الْمُؤَقَّتِ، بَلْ أَصْبَحَتْ وَاحِدَةً مِنْ أَكْثَرِ الْمَشَاهِدِ اسْتِنْزَافًا لِأَعْصَابِ النَّاسِ وَعَلَاقَاتِهِمْ وَرَاحَتِهِمُ النَّفْسِيَّةِ. فَمَا إِنْ يَعُودَ الْإِنْسَانُ مُثْقَلًا مِنْ يَوْمِ عَمَلٍ طَوِيلٍ، حَتَّى يَجِدَ نَفْسَهُ يَدُورُ فِي شَوَارِعِ حَيِّهِ دَوَرَانَ الْحَائِرِ الْمُنْهَكِ، يَبْحَثُ عَنْ مَوْقِفٍ ضَائِعٍ بَيْنَ مَرْكَبَةٍ مُهْمَلَةٍ، وَأُخْرَى مُتَعَدِّيَةٍ عَلَى الْمَسَاحَاتِ، وَثَالِثَةٍ تُرِكَتْ بِطَرِيقَةٍ تُشْعِرُكَ أَنَّ صَاحِبَهَا يَعْتَقِدُ أَنَّ الشَّارِعَ مُلْكٌ خَاصٌّ لَهُ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ.
وَالْمُؤْلِمُ فِي الْأَمْرِ أَنَّ الْمُشْكِلَةَ لَيْسَتْ دَائِمًا فِي قِلَّةِ الْمَوَاقِفِ بِقَدْرِ مَا هِيَ فِي سُوءِ اسْتِخْدَامِهَا، وَفِي غِيَابِ الْإِحْسَاسِ بِالْآخَرِينَ، وَفِي تَرَاجُعِ ذَلِكَ الْوَعْيِ الِاجْتِمَاعِيِّ الَّذِي يُفْتَرَضُ أَنْ يَجْعَلَ الْإِنْسَانَ يُفَكِّرُ قَبْلَ أَنْ يُطْفِئَ مُحَرِّكَ مَرْكَبَتِهِ: هَلْ تَرَكْتُ مَسَاحَةً لِغَيْرِي؟ هَلْ ضَيَّقْتُ عَلَى جَارٍ؟ هَلْ تَسَبَّبْتُ فِي إِرْبَاكِ طَرِيقٍ أَوْ حَرْمَانِ أُسْرَةٍ مِنْ مَوْقِفٍ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكْفِيَهَا؟
إِنَّ بَعْضَ السُّلُوكِيَّاتِ الْخَاطِئَةِ فِي التَّوَقُّفِ أَصْبَحَتْ تُمَارَسُ بِكُلِّ بَرُودٍ وَكَأَنَّهَا أُمُورٌ طَبِيعِيَّةٌ لَا تُسْتَحْقُّ الْمُرَاجَعَةَ. فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُوقِفُ مَرْكَبَتَهُ بِصُورَةٍ مَائِلَةٍ أَوْ مُتَبَاعِدَةٍ عَنِ الرَّصِيفِ فَيَسْتَهْلِكُ مَكَانَ مَوْقِفَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ دُونَ أَدْنَى مُبَالَاةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَعَمَّدُ تَرْكُ مَسَاحَاتٍ مُبَعْثَرَةٍ لَا تَسْمَحُ بِاسْتِفَادَةِ الْآخَرِينَ مِنْهَا، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَحْجِزَ الْفَرَاغَ لِمَرْكَبَةٍ قَادِمَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ.
وَمِنْ أَكْثَرِ الْمَشَاهِدِ إِثَارَةً لِلِاسْتِيَاءِ أَنْ تَجِدَ بَعْضَ الْمَنَازِلِ تَمْتَلِكُ عَدَدًا كَبِيرًا مِنَ الْمَرْكَبَاتِ، ثُمَّ يَقُومُ أَصْحَابُهَا بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى كُلِّ مَا حَوْلَهُمْ مِنْ مَوَاقِفَ بِصُورَةٍ دَائِمَةٍ، فَتَجِدُ الْجَارَ الْمُسِنَّ، أَوِ الْأُسْرَةَ الْعَائِدَةَ مُتْعَبَةً بَعْدَ عَنَاءِ يَوْمٍ طَوِيلٍ، أَوِ الْمَرِيضَ الْمُنْهَكَ، يَضْطَرُّونَ لِلْوُقُوفِ بَعِيدًا عَنْ مَنَازِلِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ تَحَوَّلَ إِلَى مَا يُشْبِهُ الْمِلْكِيَّةَ الْخَاصَّةَ غَيْرِ الْمُعْلَنَةِ.
وَلَا يَقِفُ الْأَمْرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، فَهُنَاكَ مَنْ يَتْرُكُ مَرْكَبَاتِهِ التَّالِفَةَ أَوِ الْمُعَطَّلَةَ أَسَابِيعَ وَأَشْهُرًا فِي الطُّرُقَاتِ، وَكَأَنَّ الشَّارِعَ مُسْتَوْدَعٌ مَجَّانِيٌّ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ. وَهُنَاكَ مَنْ يَضَعُ الْحَوَاجِزَ وَالْأَقْمَاعَ وَالْكَرَاسِيَّ وَالسَّلَاسِلَ أَمَامَ بَيْتِهِ لِيَمْنَعَ النَّاسَ مِنَ الْوُقُوفِ، فِي تَصَرُّفٍ يُجَسِّدُ أَنْوَاعًا مِنَ الْأَنْانِيَّةِ وَالتَّعَدِّي عَلَى الْمَسَاحَاتِ الْعَامَّةِ. بَلْ إِنَّ بَعْضَهُمْ يُثِيرُ الْمُشَاجَرَاتِ إِذَا وَقَفَ أَحَدٌ أَمَامَ مَنْزِلِهِ، وَكَأَنَّ الشَّارِعَ كُتِبَ بِاسْمِهِ فِي صَكِّ مِلْكِيَّةٍ خَاصَّةٍ.
وَمِنَ السُّلُوكِيَّاتِ الَّتِي أَصْبَحَتْ تُثِيرُ الْاِسْتِيَاءَ فِي الْمَوَاقِفِ الْعَامَّةِ مَا يَحْدُثُ عِنْدَ الْأَسْوَاقِ وَالْمُجَمَّعَاتِ التِّجَارِيَّةِ وَالْمُسْتَشْفَيَاتِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَرَافِقِ، حِينَ يَنْتَظِرُ أَحَدُ النَّاسِ خُرُوجَ مَرْكَبَةٍ لِلْوُقُوفِ فِي مَكَانِهَا، وَيَظَلُّ دَقَائِقَ يُرَاقِبُ وَيَنْتَظِرُ حَتَّى تَخْلُوَ الْمَسَاحَةُ، ثُمَّ يَأْتِي شَخْصٌ آخَرُ فِي اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ مُسْتَغِلًّا فُرْصَةً عَابِرَةً لِيَنْدَفِعَ نَحْوَ الْمَوْقِفِ وَيَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ دُونَ أَدْنَى مُرَاعَاةٍ لِحَقِّ السَّبْقِ أَوْ لِقَوَاعِدِ الذَّوْقِ الْعَامِّ. وَقَدْ يَظُنُّ فَاعِلُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَقَّقَ مَكْسَبًا صَغِيرًا، لَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ يَفْتَحُ بَابًا لِلضَّغِينَةِ وَالِاحْتِقَانِ وَسُوءِ التَّعَامُلِ بَيْنَ النَّاسِ.
وَكَمْ مِنْ خِلَافٍ بَدَأَ بِمَوْقِفِ سَيَّارَةٍ ثُمَّ تَطَوَّرَ إِلَى مُشَادَّةٍ كَلَامِيَّةٍ، ثُمَّ إِلَى تَرَاشُقٍ بِالْأَلْفَاظِ الْجَارِحَةِ وَالْبَذِيئَةِ، ثُمَّ إِلَى عِرَاكٍ وَتَدَافُعٍ وَإِصَابَاتٍ، وَرُبَّمَا انْتَهَى فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ إِلَى مَشَاكِلَ قَانُونِيَّةٍ وَخُصُومَاتٍ طَوِيلَةٍ لَمْ تَكُنْ لِتَقَعَ لَوْ أَنَّ الْمَرْءَ تَحَلَّى بِشَيْءٍ مِنَ الذَّوْقِ وَالْإِنْصَافِ وَالْمُرُوءَةِ وَاحْتِرَامِ الْآخَرِينَ. فَالْمَوْقِفُ الَّذِي يُسْرَقُ فِي لَحْظَاتٍ قَدْ يَكُونُ شَرَارَةَ خِلَافٍ تَتَّسِعُ دَائِرَتُهُ حَتَّى تَتَجَاوَزَ بِكَثِيرٍ قِيمَةَ الْمَوْقِفِ نَفْسِهِ.
قَدْ يَرَى بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْحَدِيثَ عَنْ مَوْقِفِ سَيَّارَةٍ مَسْأَلَةٌ تَافِهَةٌ لَا تَسْتَحِقُّ التَّوَقُّفَ عِنْدَهَا طَوِيلًا، وَأَنَّ الْخِلَافَ عَلَيْهَا أَمْرٌ يَسِيرٌ يُمْكِنُ تَجَاوُزُهُ بِسُهُولَةٍ. وَهَذَا مِنْ حَيْثُ الْمَبْدَأِ صَحِيحٌ؛ فَلَا مَوْقِفُ سَيَّارَةٍ يَسْتَحِقُّ أَنْ تَتَعَكَّرَ مِنْ أَجْلِهِ النُّفُوسُ أَوْ تَتَفَكَّكَ بِسَبَبِهِ الْعَلَاقَاتُ. لَكِنَّ الْوَاقِعَ الَّذِي نُشَاهِدُهُ يَوْمِيًّا يُؤَكِّدُ أَنَّ مَا يَبْدُو تَافِهًا فِي ظَاهِرِهِ قَدْ يُصْبِحُ شَرَارَةً لِمُشْكِلَاتٍ أَكْبَرَ مِنْهُ بِكَثِيرٍ، خُصُوصًا عِنْدَمَا يَقْتَرِنُ بِالْأَنْانِيَّةِ وَالِاسْتِفْزَازِ وَالشُّعُورِ بِالظُّلْمِ وَالِاسْتِهَانَةِ بِحُقُوقِ الْآخَرِينَ.
وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الْقَضِيَّةَ لَيْسَتْ قَضِيَّةَ مَوْقِفٍ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، بَلْ قَضِيَّةُ سُلُوكٍ وَاحْتِرَامٍ وَوَعْيٍ مُجْتَمَعِيٍّ. فَالنَّاسُ لَا يَغْضَبُونَ لِأَجْلِ بُقْعَةِ إِسْفَلْتٍ، بَلْ يَغْضَبُونَ عِنْدَمَا يَرَوْنَ حَقَّهُمْ يُنْتَزَعُ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ، وَعِنْدَمَا يَشْعُرُونَ أَنَّ بَعْضَ الْأَفْرَادِ يَتَصَرَّفُونَ بِعَقْلِيَّةِ "أَنَا أَوَّلًا" دُونَ أَدْنَى مُبَالَاةٍ بِالْآخَرِينَ. إِنَّ الْمُشْكِلَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَكْمُنُ فِي الْإِسْفَلْتِ وَلَا فِي ضِيقِ الْأَزِقَّةِ فَقَطْ، بَلْ فِي ضِيقِ بَعْضِ النُّفُوسِ الَّتِي لَا تُحْسِنُ مُشَارَكَةَ الْمَكَانِ مَعَ الْآخَرِينَ. فَالْمَدِينَةُ لَا تَعِيشُ بِالْأَنْظِمَةِ وَالْخُطَطِ وَحْدَهَا، بَلْ تَعِيشُ أَيْضًا بِالذَّوْقِ الْعَامِّ، وَالِاحْتِرَامِ امُتَبَادَلِ، وَالْإِحْسَاسِ بِحَاجَاتِ النَّاسِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْحُلُولَ مَوْجُودَةٌ إِذَا وُجِدَ الْوَعْيُ وَالْحَزْمُ مَعًا. فَالْبِدَايَةُ تَكُونُ بِتَعْزِيزِ الثَّقَافَةِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ الَّتِي تُعَلِّمُ الْإِنْسَانَ أَنَّ حُسْنَ التَّوَقُّفِ لَيْسَ مَسْأَلَةَ مَهَارَةٍ فِي الْقِيَادَةِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ أَخْلَاقٌ وَاحْتِرَامٌ وَإِحْسَاسٌ بِالْمُشَارَكَةِ. وَيَنْبَغِي أَنْ تُفَعَّلَ الْأَنْظِمَةُ بِصُورَةٍ أَكْثَرَ جِدِّيَّةً ضِدَّ الْمَرْكَبَاتِ الْمُهْمَلَةِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْمَوَاقِفِ وَالتَّوَقُّفِ الْعَشْوَائِيِّ. كَمَا أَنَّ تَخْطِيطَ الْأَحْيَاءِ الْجَدِيدَةِ يَجِبُ أَنْ يُرَاعِي الزِّيَادَةَ الْمُطَّرِدَةَ فِي أَعْدَادِ الْمَرْكَبَاتِ، وَأَلَّا تُتْرَكَ الْأَحْيَاءُ ضَحِيَّةَ لِتَصَامِيمَ قَدِيمَةٍ لَمْ تَعُدْ تَسْتَوْعِبُ وَاقِعَ الْيَوْمِ.
وَلَعَلَّ أَجْمَلَ الْحُلُولِ كُلِّهَا أَنْ يَسْأَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ مِنْ مَرْكَبَتِهِ: لَوْ كُنْتُ أَنَا الْقَادِمَ بَعْدَ دَقَائِقَ، فَهَلْ سَأَرْضَى بِهَذَا الْمَشْهَدِ؟ فَكَثِيرٌ مِنْ أَزَمَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى مِيزَانِيَّاتٍ ضَخْمَةٍ وَلَا مَشَارِيعَ مُعَقَّدَةٍ، بِقَدْرِ مَا تَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الضَّمِيرِ .. وَشَيْءٍ مِنَ الِاحْتِرَامِ .. وَشَيْءٍ مِنَ الْإِحْسَاسِ بِأَنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَ لَنَا وَحْدَنَا.
جديد الموقع
- 2026-06-02 بالمطيرفي عيد الاضحى المبارك شعوراً عميقاً بالوحدة والرضا الروحي
- 2026-06-02 حقيقة ام خرافة - تناول الجرز يقوي البصر
- 2026-06-02 أكثر من 4300 أسرة تستفيد من 4666 أضحية ببر بالأحساء
- 2026-06-01 ( سيد الفكر والقوافي ) اصدار جديد
- 2026-06-01 احْنَا جِيرَانُهُ - صَادِقُ الْعِتْرَةِ عَلَيْهِ السَّلَامُ
- 2026-06-01 مع عروجٍ أريب .. ما أقصر عمره
- 2026-06-01 "سلسلةٌ وألفيةُ" سيرةٍ .. سيفية وكاظمية
- 2026-06-01 *اعتذار متأخر*
- 2026-05-31 اختتام مسرحية (جنون بشر) على مسرح ثقافة وفنون الأحساء
- 2026-05-31 معايدة أسرة العيسى.. لقاء عائلي يجسد قيم الوفاء وصلة الرحم في الهفوف