أقلام وكتابات
2019/05/28 | 0 | 424
الوائلي ورسالة القرآن
قال الله تعالى :
《 ٱلَّذِینَ یُبَلِّغُونَ رِسَـٰلَـٰتِ ٱللَّهِ وَیَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا یَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِیبࣰا 》[سورة الأحزاب 39] .
حين بُشِّر الشيخ حسون (والد الخطيب أحمد الوائلي) بمولوده ، استفتح بالقرآن فكانت الآية :《 وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولࣲ یَأۡتِی مِنۢ بَعۡدِی ٱسۡمُهُۥۤ أَحۡمَدُۖ ... 》[سورة الصف 6] .
وكان تاريخ الولادة آنذاك موافقاً لذكرى ميلاد النبي (ص) في ١٧ ربيع أول (عام ١٣٤٢هجري/١٣٤٧هجري) .
الوائلي ورسالة القرآن
قال الله تعالى :
《 ٱلَّذِینَ یُبَلِّغُونَ رِسَـٰلَـٰتِ ٱللَّهِ وَیَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا یَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِیبࣰا 》[سورة الأحزاب 39] .
حين بُشِّر الشيخ حسون (والد الخطيب أحمد الوائلي) بمولوده ، استفتح بالقرآن فكانت الآية :《 وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولࣲ یَأۡتِی مِنۢ بَعۡدِی ٱسۡمُهُۥۤ أَحۡمَدُۖ ... 》[سورة الصف 6] .
وكان تاريخ الولادة آنذاك موافقاً لذكرى ميلاد النبي (ص) في ١٧ ربيع أول (عام ١٣٤٢هجري/١٣٤٧هجري) .
فما أعظمه من شأنٍ ، أن تحفّه الآية بقدسيتها ، وتعطرّه ذكرى ميلاد النبوة بشذاها ! .
ومن الجميل بعد ذلك أن قرن (الشيخُ أحمد الوائلي) لشخصيته المباركة سماتٍ عظيمة من ميراث الأنبياء والأوصياء ، هي : رسالة التبليغ والخطابة الحسينية ، كما زاوج بين الدراسة الحوزوية والأكاديمية ، ليكون القرآن محور اهتمامه وجهده المنبري .
وظل بعزم الرساليّين قرابة (خمسين عاماً) مُبلِّغاً لم ينطفىء صوته ، ولم يخبُ عزمه ، يؤسس منهجاً خطابياً جديداً ، يتصل بمشارب المذاهب الإسلامية ، وينهل من مدارس التفسير المتعددة والمتنوعة ، من غير أن يستأثر مذهباً دون آخر ، أو يتحيّز لاتجاه على حساب اتجاه آخر ؛ فهو صوت الجميع ، انطلق من رسالة القرآن للعالم كله ، ليجمعهم إلى غاياته وأهدافه ، فاتحاً صدره لجميع الاطروحات المتعددة ما دامت تحمل شذى الفهم السليم والمنهج الصحيح ، حيث يجعل من الاختلاف مدخلاً لتقارب الرؤى بدل الإقصاء والنزاع والشتات .
كان بحق مصداق المبلّغ ، الأمين المخلص على الرسالة ، الباحث الجاد والموسوعي في الحقول الشرعية والمعرفية .
فحقَّ بذلك أن يكون حاضراً في وعينا ، لنستلهم من كدحه الرسالي ، نموذجاً يكمل المشوار الذي شقّه وانتهجه .
# منهجه الخطابي في تفسير القرآن /
اعتمد في خطابته على محورية المضمون القرآني ، ليجعل حديثه يدور حول مدار الآية .
وقد دفعه لهذا النهج موقفٌ نقله الشيخ نفسه في كتابه (تجاربي مع المنبر) حينما اقتنى تفسير الفخر الرازي ، ليجد فيه بغيته ، حيث التعرف على أسلوب مطارحة الآراء والتأويلات الذي انتهجه الرازي ، مما شد عزمه للغوص أكثر في مشارب المفسرين والمذاهب التفسيرية .
وقد ألمح آنذاك لآثار الأجواء الطائفية الممجوجة ، والتي انتشر عدواها بين المسلمين جرّاء تعاطيهم مع مدونات التفسير .
يقول معبِّراً عن تلك الأزمة المتشابكة :
" ما آلمني أشد الألم ... ما رأيته من تراشق بين فرق المسلمين لا يقتصر على المساجلة والاعتداد برأي المذهب الذي ينتمون له بشكل إيجابي ، بل يجمح حتى يصل إلى مستوى قد لا يرضاه خلق القرآن وروح الايمان .
وفرقٌ بين الانتصار لما يراه المفسر حقاً ويعتقده صواباً ، وبين الإصرار على التمسك بالرأي ؛ وإن كان الرأي كله ثغرات، وكل من عاش في أجواء تفسير القرآن يعرف ذلك جيداً " (تجاربي مع المنبر ص١١٤-١١٥) .
حيث نلاحظ في هذه النفثة الموجعة ، أنه يضع يده على تلك الأزمة التي عانت منها الأمة الإسلامية مئات من السنين ، عبر تركيزه لثلاثة عناصر :
١- أن أهل التفسير هم الأولى في تمثّل روح القرآن ومقاصده السامية في مسلكهم العلمي وسلوكهم الأخلاقي ، فالاعتداد بالرأي المسبق والعناد لا محل له في حضرة القرآن ، لأن آياته تعلمنا اتباع الأدلة ، واتباع الأحسن من القول ، وتجنب الجدليات والسجالات التي من ورائها يقف كل واحد ليثبت أن مذهبه هو الصحيح ولو على حساب القرآن ، ومن قسرٍ لآياته نحو عقيدةٍ يؤمن بها .
٢- وتبعاً لذلك صار الانتصارُ للمذهب والتوجّه الفكري على حساب القرآن شعارَ البعض من أهل التفسير ، وهي أكبر مشكلة عاشتها الأمة ، حيث طغت المذهبية هلى روح الإسلام ونبع القرآن الأصيل في الدعوة لخير أمة .
٣- صار بعض أهل التفسير مثالاً للتفسير بالرأي ؛ الذي ينهون عنه وهم الأقرب إليه .
أي أنهم يدعون الموضوعية والنزاهة ، لكن منهجهم بعكس ذلك .
لذا حاول الشيخ جاهداً تجاوز هذه الحالة التي ورثناها من التراث التفسيري ، ليصنع نهجاً وحدوياً يجمع الكل على طاولة المناقشة الموضوعية والروح الهادئة .
# نظرة عامة لتراث الوائلي (المسموع والمدوّن)/
ترك الخطيب الوائلي تراثا ضخماً مسموعاً من المحاضرات تعد بالمئات ، حيث تجلّى فيها بأسلوبه الخطابي وتيسيره للآراء التفسيرية ومناقشتها على طاولة البحث والمساءلة ، بنهج موضوعي نزيه ، ثم الترجيح وتجاوز هالات التقديس لأهل التفسير أو حدود المذهبية والطائفية ، لينتصر في نهاية المطاف لروح الآية ، ويجعلها الغاية .
كما ترك أيضاً تراثاً مكتوباً بالإمكان تقفي مواقع منهجه التفسيري ورسالته القرآنية ، والكتب التي يجد المتتبع لنهجه التفسيري ؛ هي :
١- نحو تفسير علمي القرآن .
٢- هوية التشيع .
٣- من فقه الجنس في قنواته المذهبية .
٤- تجاربي مع المنبر .
بالإضافة إلى تسجيلات صوتية ممنهجة حول :
٥- دروس في علم التفسير ( ٢٥ درساً)(أعدها خصيصاً للجامعة الإسلامية بلندن عام ١٤١١هجري تقريباً) .
٦- وهناك جهود كبيرة بُذِلَت في تفريغ وتحرير وتوثيق محاضراته الصوتية ، وهي بحسب اطلاعي :
١- محاضرات الوائلي (١٥ مجلداً) حوت (٢٤٥ محاضرة) من إعداد مصطفى عبد الحميد المرهون ، وهو أهمها وأكثرها مقداراً وعدداً .
٢- الموسوعة المنبرية في المجالس الرمضانية (٣٥ محاضرة) من إعداد الشيخ عبد الحسين الدرازي البحراني .
٣- روائع محاضرات الوائلي (٣٠ محاضرة) إعداد مركز الإمام الحسن .
٤- المجالس الحسينية لخادم العترة النبوية (٢٣ محاضرة) إعداد مركز الامام الحسن عام ١٤٢٨هجري .
٥- محاضرات حول الإمام المهدي للوائلي (٥ محاضرات) إعداد مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي ١٤٢٥هجري .
وهذه المدونات - لا شك - تفيد الباحث في تتبع منهجه الخطابي والتفسيري في عرض الآراء والترجيح بينها والأسلوب العلمي الذي يطبقه في المناقشة والنقد ، فبالتأكيد سيخرج القارىء بسمات عملية علمية سار عليها الشيخ .
# المنهجية التفسيرية :
وقد تجلى اتجاهه الموضوعي في الجانب المذهبي العقدي والفقهي المقارن في كتابيه (من فقه الجنس وَ هوية التشيع) ، عبر اتخاذه أساليب بحثية علمية يقرّ بها كل من جمع في عقله تراث المذاهب الإسلامية :
١- الاستدلال القرآني في صحة مذهب أهل البيت ، وأحقية إمامتهم في الأمة ، وتوضيح بعض عقائدهم كالرجعة ؛ وتتبع الأدلة النقلية لعصمة الأئمة؛ وذلك من كتب الفرق الأخرى (انظر : هوية التشيع ص٦٦ وَ ٩٦) .
٢- انتهاج الطرح الفقهي المذهبي المقارن ، وجعل محور الاستدلال الآيات ، وما يطرحه المفسرون من عدة مشارب ومذاهب ، حيث طرح عدة مسائل فقهية كثيرة تحت رؤى المذاهب ، كمسألة زواج المسلم من الكتابية (انظر : من فقه الجنس ص٢٤٥ - ٢٥٠) .
٣- شرح نهجه الخطابي في تبليغ رسالة القرآن وتفسيره ، وقد وثّق لذلك محاضرتين بالتفصيل في كتابه (تجاربي مع المنبر) .
# الوائلي والمشروع التفسيري :
لعل أبرز موضوع حريٌ أن يُعرض في هذا المقال ، ما طرحه تحت عنوان (التفسير العلمي) في كتيّب صغير (٦٨ صفحة) ألّفه عام ١٣٩٠هجري .
وكذا مشروع علمي بحثي دعا له في محاضرة صوتية له مؤرخة عام ١٤٠٠هجري حول (القرآن والتفسير التخصصي) .
فماذا يعني الوائلي بمصطلح (التفسير العلمي) ؟
ينصرف الذهن لمعنى هذه التركيبة إلى ثلاثة احتمالات :
١- تفسير القرآن بحسب معطيات العلوم الإنسانية والعلمية التجريبية .
٢- تفسير القرآن بطريقة موضوعية ونزيهة وممنهجة ومرتكزة على أدلة وقواعد منظمة .
٣- تفسير القرآن بالاجتهاد الشرعي (العلوم اللغوية والشرعية والتاريخية) .
فأيٌ منها يعنيه الدكتور الوائلي ؟
لقد وصف في بداية كتابه (نحو تفسير علمي للقرآن) تعريفاً لمصطلح (التفسير العلمي) بأنه : " يجب أن يكون للقرآن ؛ لا لغير القرآن بدعوى أنه القرآن " (ص١٢) .
وهو بهذا يتجّه نحو الغرض من عملية التفسير .
أي أنه منفتح على أي وسيلة تعينه لفهم النص القرآني ؛ ولكن يشترط أن يكون غرض عملية التفسير تقفي ماذا يريد قوله القرآن ؛ لا ما يسقطه المفسِّر بدعوى أنه منه وهو ليس منه .
وفي موضع آخر يحدّد هدفاً للمفسر بقوله : " الوصول لفهم المضامين التي أرادها الله " (ص١١) .
فالمفسر وظيفته تقفي مضمون النص ومراد الله بالوسيلة التي توصله لذلك .
ثم راح يقسّم أنواعاً من التفسير اللا علمي وأمثلة عليها ، وهذه التقسيمات لو نظرنا إليها ودققنا في مؤداها ، لاستطعنا استنتاج التقسيم الموجب للتفسير العلمي ؛ لأن الدكتور ركّز على القسمة التي تسلب الجانب العلمي من التفسير .
# أنواع التفسير اللا علمي /
قدّم ثلاثة أنواع مع الشرح والأمثلة التطبيقية .
١- التفسير الذي يدخله الأيديولوجي :
وهو المتأثر بنزعة ذهنية أو معرفية مسبقة ، تفسر الآية على ضوئها ، ليطوّع المعنى الذي يتوافق مع رأيه لا مع ما يظهر من الآية .
ومثّل لبعضٍ من اتجاهات النزعة ، بقوله : " فقد يكون نزعة مذهبية أو عقائدية ، أو منهجية صوفية أو نظرية علمية باختلاف مجالات العلم " (ص١٢-١٣) .
كما أشار أيضاً إلى أن عدوى الإيديولوجية تحصل في التفسير بالمأثور ، حينما يختار المفسر النصوص التي تتوافق مع عقيدته ومذهبه ، وهذا النوع لا يقل خطورة عن التفسير بالهوى والرأي .
٢- التفسير الزائد على القرآن وليس منه :
وهو أن يقحم المفسر بعضاً مما لا ينتمي لمضمون القرآن ، وقدّم عدة صور لذلك .
* كأن يقسر بعض الآيات لنظرية علمية .
* يتوسّع المفسر في فهمه لحدود معنى ، كمن يذهب إلى أن حرمة الربا في حال الأضعاف المضاعفة فقط ، عبر قول الله تعالى : (یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأۡكُلُوا۟ ٱلرِّبَوٰۤا۟ أَضۡعَـٰفࣰا مُّضَـٰعَفَةࣰۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ)[سورة آل عمران 130] . دون أن يلتفت إلى أن النفي يطال الربا وأوصافه .
٣- التفسير الناقص عن استيعاب محتوى القرآن .
وقدمه بعدة صور .
* إغفال عنصر الأبدية في المقصود من بعض المعاني ، والوقوع في الجزم بالمعنى ، دون ملاحظة محدودية ذهن المفسر ، وأن كل جيل له نصيب من جهد ومقدار يكتشفه من بحار المعاني .
* إغفال ما يتصوره بعض المفسرين أنه ليس محل ابتلاء في نظر القرآن ، وما يُعزَى من مفاهيم ونظريات للإسلام ، مثل إهمال نظرية الحكم بحجة عدم الابتلاء بها في أحقاب زمانية طويلة .
* إهمال تفسير بعض الآيات بحجة أنها مما استأثر الله بعلمه ، كالتوقف عن تفسير أو تأويل المتشابهات .
ومن خلال هذا التقسيم نلاحظ أنه ركّز على :
١- ضرورة تصفية ذهن المفسر من النزعات الفكرية والمذهبية والمعرفية والنفسية التي تسبق عملية الفهم للآيات .
٢- تقفي مدلول الآية بحسب المعطيات التي تظهر من النص .
٣- بذل الجهد بحسب الطاقة والحدود البشرية ، وتجنب الجزم بالمعنى .
٤- استنطاق المفاهيم القرآنية من جميع جوانب الحياة فالقرآن دستور أبدي لجميع جوانب حياة الإنسان .
٥- القرآن أنزل ميسّراً ببيان بليغ يعقله الناس ، وأن القول باستئثار الله لآيات من القرآن يتصادم مع تلك البيانية المقررة .
بخاصة أن ادعاء الاستئثار لا يصمد أمام معطيات النص القرآني نفسه .
فعلى المفسر بذل الجهد بحسب الطاقة لتبيانه ، وعلى كل جيل تقديم ما يستطيع الوصول إليه .
وهذه الأسس المنهجية هي ما ينبغي الالتزام بها لأجل تفسير علمي .
والملاحظ أنها تجمع الاحتمالات الثلاثة التي بدأنا بها .
أي أن المنهج العلمي للتفسير الذي قدمه الشيخ يسعها ، بشرط أن ينطلق المفسر من النص بطريق علمي معتمد على قواعد وأدلة ؛ ليحقق غرض القرآن نفسه .
وفي موقع آخر قدم مصطلحاً آخر هو (الاجتهاد الشرعي) والذي يمكّن المفسّر من عملية التفسير العلمي للقرآن ، وعرّف عمل المجتهد الشرعي في تفسيره للقرآن : " ما يصل إليه المفسر الجامع للشروط عن طريق النظر والاستدلال كاستنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها من القرآن ، وما يستند إلى بذل الجهد وإعمال الرأي والفكر ضمن نطاق الأدلة " (ص١٠) .
وهذا ما يوحي أن الدكتور يعني أن عمدة (التفسير العلمي) هو توفر ملكة الاجتهاد الشرعي ، وأضاف شروطاً ، أهمها :
١- إتقان علوم اللغة وعلوم الشرعية من كلام وفقه وتاريخ والتخصص فيها .
٢- بذل الجهد والتأني والصبر على البحث .
٣- توفر الموهبة والفطنة لدقائق النكات في القرآن .
٤- الورع والتقوى . (ص٥٨)
وهذه الشروط هي ما توفر حصانة لنهج التفسير العلمي ، وتضفي عليه طابعاً تخصصياً دقيقاً ؛ ليؤدي الغرض المنشود .
وفي آخر الكتاب (ص٥٥-٦٧) قدّم نماذج تفسيرية علمية ، استقاها من عدة مفسرين ، مما يعني أنه ينظر للمنهج في العملية التفسيرية وليس لمذهب المفسر واتجاهه ، فالتفسير العلمي (عملية طريقية منهجية) بالإمكان سلكها ، بغض النظر عن مذهب المفسر وعقيدته .
وهذا الاختيار يحكي انفتاح الدكتور واستيعابه لمشارب المفسرين ، وأن نظره يقع على المنهج دائماً .
وفي محاضرة صوتية مؤرخة ١٤٠٠هجري ، تحدث في العشر الدقائق الأولى بإيجاز حول مشروع قرآني بحثي دعا إليه في أكثر من مؤتمر منذ (٣٠ سنة) لإيجاد تفسير علمي .
كما أشار في نفس المحاضرة أنه شارك بورقة بحثية في مؤتمر بالإمارات عام ١٣٩٩هجري ، وقد وتحدث بإيجاز في بداية المحاضرة عن طبيعة هذا العمل ، منطلقاً من عناية عصرنا بتدوين دوائر للمعارف البشرية المتنوعة والمتخصصة ، حيث يقوم كل متخصص بكتابة مادة علمية في مجال علمي محدد .
وأخذ يصف هذا المشروع :
ينبغي أن ننهض بالقرآن لأنه كتاب الإنسانية والدستور الأبدي ، والنهوض المقصود به أن لا نكتفي بجهد فردي في تفسيره ، بل يكون هناك مجموعة من الجهود ، يتناول كل واحد مجالاً معرفياً وعلمياً تطرق له القرآن .
لتكون لدينا حصيلة ضخمة من المباحث والمجالات العلمية التخصصية .
وباختصار :
العمل العلمي لكي يكون أصيلاً ومستوعباً ومثمراً ينبغي أن لا ينهض به فرد واحد فقط ؛ بل لا بد من تكاتف الجهود الجماعية في كل حقبة لتقديم نظرات ورؤى جديدة مبتكرة لم يتم التطرق لها ، أو تصحح فكرة ترسبت وترسخت ، أو تطوّر مساراً سابقاً .
والغرض من هذه الدعوة كما أشار :
١- تغطية القصور والمحدودية التي مُنِيَ بها المفسرون في أعمالهم ، فكل مفسر (منفرداً) لا يمكن له أن يدّعي معرفته بكل الحقول العلمية والمعرفية ، ولا تمثّل آراء كل واحد منهم الحقيقة أو المقصد التام من الآية ، وهذا لا يعني بالضرورة أن إلغاء جهودهم ، بقدر ما نجعل تراثهم قابلاً للرد والمناقشة .
٢- إن المفسر في عمله التفسيري قد يخرج عن دائرة تخصصه ، فيؤثر ذلك على جودة الرأي والنتيجة المترتبة عليه .
٣- إن المفسرين يغلب عليهم اتجاهات واهتمامات متباينة ومتنوعة ، وبالمحصلة ستكون هنالك حقول لم يتم تناولها أو تحتاج لتتمة .
بعد هذا يقترح طريقة مختصرة لهذا العمل :
١- يتم توزيع الآيات على ذوي الاختصاصات ، فالفقيه يأخذ نصيبه ، والأصولي كذلك ، والمختص النفسي والاجتماعي ... وهكذا ؛ بحيث تتوزع الآيات على العقول المتخصصة والمتنوعة لتأخذ حقها التفسيري .
٢- إعادة الانسجام بين هذه الأجزاء ، للانطلاق بهذه العقول نحو تفسير علمي .
إن هذا المشروع انتقال جذري بنهج التفسير من مساره الفردي إلى خط المنافسة الجماعية والعمل المؤسساتي ، والذي يختصر الجهد والوقت ، ويوفر أكبر كمية من المعلومات والتحليل والمناهج .
ومما لا شك فيه أن أداء التفسير العلمي بصورته الجماعية سيقدم الكثير من الفوائد والتطلعات والرؤى ، وهو في الوقت ذاته لا يتقاطع مع الأعمال الفردية ، بقدر ما يجمعها في خطة وهدف أكثر اتساعاً وشمولية وتجاذباً بين الأطياف والاتجاهات والمناهج والرؤى .
هذا باختصار فكرة مشروعه القرآني العلمي البحثي ، والذي يعتبر طريقاً من طرق التفسير العلمي الذي ألمح إليه .
وهو بذلك لا يُصادم بين العمل التفسيري للقرآن وبين الأعمال العلمية (الإنسانية أو التجريبية) ، بقدر ما يشق طريقاً مشتركاً بينها ، لمعرفة الفوارق بين طبيعة النص القرآني وغايته وغرضه ، وبين طبيعة العلوم ومساراتها وتطبيقاتها في الحياة .
وفي الوقت ذاته لا يدعو لمقاطعة التراث التفسيري وهجرانه ، بقدر ما يؤكد على أهمية مناقشته ونقده ؛ لأنه تجربة جهد بشري عايش القرآن وتعاطى معه ، ومن حق كل جيل مدارسة تراثه وملاقحة ذلكم التراث بما يستجد لديه من وسائل وأسس ورؤى .
رحم الله الشيخ الذي بلّغ وأبلغ في الرسالة القرآنية .
فما أعظمه من شأنٍ ، أن تحفّه الآية بقدسيتها ، وتعطرّه ذكرى ميلاد النبوة بشذاها ! .
ومن الجميل بعد ذلك أن قرن (الشيخُ أحمد الوائلي) لشخصيته المباركة سماتٍ عظيمة من ميراث الأنبياء والأوصياء ، هي : رسالة التبليغ والخطابة الحسينية ، كما زاوج بين الدراسة الحوزوية والأكاديمية ، ليكون القرآن محور اهتمامه وجهده المنبري .
وظل بعزم الرساليّين قرابة (خمسين عاماً) مُبلِّغاً لم ينطفىء صوته ، ولم يخبُ عزمه ، يؤسس منهجاً خطابياً جديداً ، يتصل بمشارب المذاهب الإسلامية ، وينهل من مدارس التفسير المتعددة والمتنوعة ، من غير أن يستأثر مذهباً دون آخر ، أو يتحيّز لاتجاه على حساب اتجاه آخر ؛ فهو صوت الجميع ، انطلق من رسالة القرآن للعالم كله ، ليجمعهم إلى غاياته وأهدافه ، فاتحاً صدره لجميع الاطروحات المتعددة ما دامت تحمل شذى الفهم السليم والمنهج الصحيح ، حيث يجعل من الاختلاف مدخلاً لتقارب الرؤى بدل الإقصاء والنزاع والشتات .
كان بحق مصداق المبلّغ ، الأمين المخلص على الرسالة ، الباحث الجاد والموسوعي في الحقول الشرعية والمعرفية .
فحقَّ بذلك أن يكون حاضراً في وعينا ، لنستلهم من كدحه الرسالي ، نموذجاً يكمل المشوار الذي شقّه وانتهجه .
# منهجه الخطابي في تفسير القرآن /
اعتمد في خطابته على محورية المضمون القرآني ، ليجعل حديثه يدور حول مدار الآية .
وقد دفعه لهذا النهج موقفٌ نقله الشيخ نفسه في كتابه (تجاربي مع المنبر) حينما اقتنى تفسير الفخر الرازي ، ليجد فيه بغيته ، حيث التعرف على أسلوب مطارحة الآراء والتأويلات الذي انتهجه الرازي ، مما شد عزمه للغوص أكثر في مشارب المفسرين والمذاهب التفسيرية .
وقد ألمح آنذاك لآثار الأجواء الطائفية الممجوجة ، والتي انتشر عدواها بين المسلمين جرّاء تعاطيهم مع مدونات التفسير .
يقول معبِّراً عن تلك الأزمة المتشابكة :
" ما آلمني أشد الألم ... ما رأيته من تراشق بين فرق المسلمين لا يقتصر على المساجلة والاعتداد برأي المذهب الذي ينتمون له بشكل إيجابي ، بل يجمح حتى يصل إلى مستوى قد لا يرضاه خلق القرآن وروح الايمان .
وفرقٌ بين الانتصار لما يراه المفسر حقاً ويعتقده صواباً ، وبين الإصرار على التمسك بالرأي ؛ وإن كان الرأي كله ثغرات، وكل من عاش في أجواء تفسير القرآن يعرف ذلك جيداً " (تجاربي مع المنبر ص١١٤-١١٥) .
حيث نلاحظ في هذه النفثة الموجعة ، أنه يضع يده على تلك الأزمة التي عانت منها الأمة الإسلامية مئات من السنين ، عبر تركيزه لثلاثة عناصر :
١- أن أهل التفسير هم الأولى في تمثّل روح القرآن ومقاصده السامية في مسلكهم العلمي وسلوكهم الأخلاقي ، فالاعتداد بالرأي المسبق والعناد لا محل له في حضرة القرآن ، لأن آياته تعلمنا اتباع الأدلة ، واتباع الأحسن من القول ، وتجنب الجدليات والسجالات التي من ورائها يقف كل واحد ليثبت أن مذهبه هو الصحيح ولو على حساب القرآن ، ومن قسرٍ لآياته نحو عقيدةٍ يؤمن بها .
٢- وتبعاً لذلك صار الانتصارُ للمذهب والتوجّه الفكري على حساب القرآن شعارَ البعض من أهل التفسير ، وهي أكبر مشكلة عاشتها الأمة ، حيث طغت المذهبية هلى روح الإسلام ونبع القرآن الأصيل في الدعوة لخير أمة .
٣- صار بعض أهل التفسير مثالاً للتفسير بالرأي ؛ الذي ينهون عنه وهم الأقرب إليه .
أي أنهم يدعون الموضوعية والنزاهة ، لكن منهجهم بعكس ذلك .
لذا حاول الشيخ جاهداً تجاوز هذه الحالة التي ورثناها من التراث التفسيري ، ليصنع نهجاً وحدوياً يجمع الكل على طاولة المناقشة الموضوعية والروح الهادئة .
# نظرة عامة لتراث الوائلي (المسموع والمدوّن)/
ترك الخطيب الوائلي تراثا ضخماً مسموعاً من المحاضرات تعد بالمئات ، حيث تجلّى فيها بأسلوبه الخطابي وتيسيره للآراء التفسيرية ومناقشتها على طاولة البحث والمساءلة ، بنهج موضوعي نزيه ، ثم الترجيح وتجاوز هالات التقديس لأهل التفسير أو حدود المذهبية والطائفية ، لينتصر في نهاية المطاف لروح الآية ، ويجعلها الغاية .
كما ترك أيضاً تراثاً مكتوباً بالإمكان تقفي مواقع منهجه التفسيري ورسالته القرآنية ، والكتب التي يجد المتتبع لنهجه التفسيري ؛ هي :
١- نحو تفسير علمي القرآن .
٢- هوية التشيع .
٣- من فقه الجنس في قنواته المذهبية .
٤- تجاربي مع المنبر .
بالإضافة إلى تسجيلات صوتية ممنهجة حول :
٥- دروس في علم التفسير ( ٢٥ درساً)(أعدها خصيصاً للجامعة الإسلامية بلندن عام ١٤١١هجري تقريباً) .
٦- وهناك جهود كبيرة بُذِلَت في تفريغ وتحرير وتوثيق محاضراته الصوتية ، وهي بحسب اطلاعي :
١- محاضرات الوائلي (١٥ مجلداً) حوت (٢٤٥ محاضرة) من إعداد مصطفى عبد الحميد المرهون ، وهو أهمها وأكثرها مقداراً وعدداً .
٢- الموسوعة المنبرية في المجالس الرمضانية (٣٥ محاضرة) من إعداد الشيخ عبد الحسين الدرازي البحراني .
٣- روائع محاضرات الوائلي (٣٠ محاضرة) إعداد مركز الإمام الحسن .
٤- المجالس الحسينية لخادم العترة النبوية (٢٣ محاضرة) إعداد مركز الامام الحسن عام ١٤٢٨هجري .
٥- محاضرات حول الإمام المهدي للوائلي (٥ محاضرات) إعداد مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي ١٤٢٥هجري .
وهذه المدونات - لا شك - تفيد الباحث في تتبع منهجه الخطابي والتفسيري في عرض الآراء والترجيح بينها والأسلوب العلمي الذي يطبقه في المناقشة والنقد ، فبالتأكيد سيخرج القارىء بسمات عملية علمية سار عليها الشيخ .
# المنهجية التفسيرية :
وقد تجلى اتجاهه الموضوعي في الجانب المذهبي العقدي والفقهي المقارن في كتابيه (من فقه الجنس وَ هوية التشيع) ، عبر اتخاذه أساليب بحثية علمية يقرّ بها كل من جمع في عقله تراث المذاهب الإسلامية :
١- الاستدلال القرآني في صحة مذهب أهل البيت ، وأحقية إمامتهم في الأمة ، وتوضيح بعض عقائدهم كالرجعة ؛ وتتبع الأدلة النقلية لعصمة الأئمة؛ وذلك من كتب الفرق الأخرى (انظر : هوية التشيع ص٦٦ وَ ٩٦) .
٢- انتهاج الطرح الفقهي المذهبي المقارن ، وجعل محور الاستدلال الآيات ، وما يطرحه المفسرون من عدة مشارب ومذاهب ، حيث طرح عدة مسائل فقهية كثيرة تحت رؤى المذاهب ، كمسألة زواج المسلم من الكتابية (انظر : من فقه الجنس ص٢٤٥ - ٢٥٠) .
٣- شرح نهجه الخطابي في تبليغ رسالة القرآن وتفسيره ، وقد وثّق لذلك محاضرتين بالتفصيل في كتابه (تجاربي مع المنبر) .
# الوائلي والمشروع التفسيري :
لعل أبرز موضوع حريٌ أن يُعرض في هذا المقال ، ما طرحه تحت عنوان (التفسير العلمي) في كتيّب صغير (٦٨ صفحة) ألّفه عام ١٣٩٠هجري .
وكذا مشروع علمي بحثي دعا له في محاضرة صوتية له مؤرخة عام ١٤٠٠هجري حول (القرآن والتفسير التخصصي) .
فماذا يعني الوائلي بمصطلح (التفسير العلمي) ؟
ينصرف الذهن لمعنى هذه التركيبة إلى ثلاثة احتمالات :
١- تفسير القرآن بحسب معطيات العلوم الإنسانية والعلمية التجريبية .
٢- تفسير القرآن بطريقة موضوعية ونزيهة وممنهجة ومرتكزة على أدلة وقواعد منظمة .
٣- تفسير القرآن بالاجتهاد الشرعي (العلوم اللغوية والشرعية والتاريخية) .
فأيٌ منها يعنيه الدكتور الوائلي ؟
لقد وصف في بداية كتابه (نحو تفسير علمي للقرآن) تعريفاً لمصطلح (التفسير العلمي) بأنه : " يجب أن يكون للقرآن ؛ لا لغير القرآن بدعوى أنه القرآن " (ص١٢) .
وهو بهذا يتجّه نحو الغرض من عملية التفسير .
أي أنه منفتح على أي وسيلة تعينه لفهم النص القرآني ؛ ولكن يشترط أن يكون غرض عملية التفسير تقفي ماذا يريد قوله القرآن ؛ لا ما يسقطه المفسِّر بدعوى أنه منه وهو ليس منه .
وفي موضع آخر يحدّد هدفاً للمفسر بقوله : " الوصول لفهم المضامين التي أرادها الله " (ص١١) .
فالمفسر وظيفته تقفي مضمون النص ومراد الله بالوسيلة التي توصله لذلك .
ثم راح يقسّم أنواعاً من التفسير اللا علمي وأمثلة عليها ، وهذه التقسيمات لو نظرنا إليها ودققنا في مؤداها ، لاستطعنا استنتاج التقسيم الموجب للتفسير العلمي ؛ لأن الدكتور ركّز على القسمة التي تسلب الجانب العلمي من التفسير .
# أنواع التفسير اللا علمي /
قدّم ثلاثة أنواع مع الشرح والأمثلة التطبيقية .
١- التفسير الذي يدخله الأيديولوجي :
وهو المتأثر بنزعة ذهنية أو معرفية مسبقة ، تفسر الآية على ضوئها ، ليطوّع المعنى الذي يتوافق مع رأيه لا مع ما يظهر من الآية .
ومثّل لبعضٍ من اتجاهات النزعة ، بقوله : " فقد يكون نزعة مذهبية أو عقائدية ، أو منهجية صوفية أو نظرية علمية باختلاف مجالات العلم " (ص١٢-١٣) .
كما أشار أيضاً إلى أن عدوى الإيديولوجية تحصل في التفسير بالمأثور ، حينما يختار المفسر النصوص التي تتوافق مع عقيدته ومذهبه ، وهذا النوع لا يقل خطورة عن التفسير بالهوى والرأي .
٢- التفسير الزائد على القرآن وليس منه :
وهو أن يقحم المفسر بعضاً مما لا ينتمي لمضمون القرآن ، وقدّم عدة صور لذلك .
* كأن يقسر بعض الآيات لنظرية علمية .
* يتوسّع المفسر في فهمه لحدود معنى ، كمن يذهب إلى أن حرمة الربا في حال الأضعاف المضاعفة فقط ، عبر قول الله تعالى : (یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأۡكُلُوا۟ ٱلرِّبَوٰۤا۟ أَضۡعَـٰفࣰا مُّضَـٰعَفَةࣰۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ)[سورة آل عمران 130] . دون أن يلتفت إلى أن النفي يطال الربا وأوصافه .
٣- التفسير الناقص عن استيعاب محتوى القرآن .
وقدمه بعدة صور .
* إغفال عنصر الأبدية في المقصود من بعض المعاني ، والوقوع في الجزم بالمعنى ، دون ملاحظة محدودية ذهن المفسر ، وأن كل جيل له نصيب من جهد ومقدار يكتشفه من بحار المعاني .
* إغفال ما يتصوره بعض المفسرين أنه ليس محل ابتلاء في نظر القرآن ، وما يُعزَى من مفاهيم ونظريات للإسلام ، مثل إهمال نظرية الحكم بحجة عدم الابتلاء بها في أحقاب زمانية طويلة .
* إهمال تفسير بعض الآيات بحجة أنها مما استأثر الله بعلمه ، كالتوقف عن تفسير أو تأويل المتشابهات .
ومن خلال هذا التقسيم نلاحظ أنه ركّز على :
١- ضرورة تصفية ذهن المفسر من النزعات الفكرية والمذهبية والمعرفية والنفسية التي تسبق عملية الفهم للآيات .
٢- تقفي مدلول الآية بحسب المعطيات التي تظهر من النص .
٣- بذل الجهد بحسب الطاقة والحدود البشرية ، وتجنب الجزم بالمعنى .
٤- استنطاق المفاهيم القرآنية من جميع جوانب الحياة فالقرآن دستور أبدي لجميع جوانب حياة الإنسان .
٥- القرآن أنزل ميسّراً ببيان بليغ يعقله الناس ، وأن القول باستئثار الله لآيات من القرآن يتصادم مع تلك البيانية المقررة .
بخاصة أن ادعاء الاستئثار لا يصمد أمام معطيات النص القرآني نفسه .
فعلى المفسر بذل الجهد بحسب الطاقة لتبيانه ، وعلى كل جيل تقديم ما يستطيع الوصول إليه .
وهذه الأسس المنهجية هي ما ينبغي الالتزام بها لأجل تفسير علمي .
والملاحظ أنها تجمع الاحتمالات الثلاثة التي بدأنا بها .
أي أن المنهج العلمي للتفسير الذي قدمه الشيخ يسعها ، بشرط أن ينطلق المفسر من النص بطريق علمي معتمد على قواعد وأدلة ؛ ليحقق غرض القرآن نفسه .
وفي موقع آخر قدم مصطلحاً آخر هو (الاجتهاد الشرعي) والذي يمكّن المفسّر من عملية التفسير العلمي للقرآن ، وعرّف عمل المجتهد الشرعي في تفسيره للقرآن : " ما يصل إليه المفسر الجامع للشروط عن طريق النظر والاستدلال كاستنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها من القرآن ، وما يستند إلى بذل الجهد وإعمال الرأي والفكر ضمن نطاق الأدلة " (ص١٠) .
وهذا ما يوحي أن الدكتور يعني أن عمدة (التفسير العلمي) هو توفر ملكة الاجتهاد الشرعي ، وأضاف شروطاً ، أهمها :
١- إتقان علوم اللغة وعلوم الشرعية من كلام وفقه وتاريخ والتخصص فيها .
٢- بذل الجهد والتأني والصبر على البحث .
٣- توفر الموهبة والفطنة لدقائق النكات في القرآن .
٤- الورع والتقوى . (ص٥٨)
وهذه الشروط هي ما توفر حصانة لنهج التفسير العلمي ، وتضفي عليه طابعاً تخصصياً دقيقاً ؛ ليؤدي الغرض المنشود .
وفي آخر الكتاب (ص٥٥-٦٧) قدّم نماذج تفسيرية علمية ، استقاها من عدة مفسرين ، مما يعني أنه ينظر للمنهج في العملية التفسيرية وليس لمذهب المفسر واتجاهه ، فالتفسير العلمي (عملية طريقية منهجية) بالإمكان سلكها ، بغض النظر عن مذهب المفسر وعقيدته .
وهذا الاختيار يحكي انفتاح الدكتور واستيعابه لمشارب المفسرين ، وأن نظره يقع على المنهج دائماً .
وفي محاضرة صوتية مؤرخة ١٤٠٠هجري ، تحدث في العشر الدقائق الأولى بإيجاز حول مشروع قرآني بحثي دعا إليه في أكثر من مؤتمر منذ (٣٠ سنة) لإيجاد تفسير علمي .
كما أشار في نفس المحاضرة أنه شارك بورقة بحثية في مؤتمر بالإمارات عام ١٣٩٩هجري ، وقد وتحدث بإيجاز في بداية المحاضرة عن طبيعة هذا العمل ، منطلقاً من عناية عصرنا بتدوين دوائر للمعارف البشرية المتنوعة والمتخصصة ، حيث يقوم كل متخصص بكتابة مادة علمية في مجال علمي محدد .
وأخذ يصف هذا المشروع :
ينبغي أن ننهض بالقرآن لأنه كتاب الإنسانية والدستور الأبدي ، والنهوض المقصود به أن لا نكتفي بجهد فردي في تفسيره ، بل يكون هناك مجموعة من الجهود ، يتناول كل واحد مجالاً معرفياً وعلمياً تطرق له القرآن .
لتكون لدينا حصيلة ضخمة من المباحث والمجالات العلمية التخصصية .
وباختصار :
العمل العلمي لكي يكون أصيلاً ومستوعباً ومثمراً ينبغي أن لا ينهض به فرد واحد فقط ؛ بل لا بد من تكاتف الجهود الجماعية في كل حقبة لتقديم نظرات ورؤى جديدة مبتكرة لم يتم التطرق لها ، أو تصحح فكرة ترسبت وترسخت ، أو تطوّر مساراً سابقاً .
والغرض من هذه الدعوة كما أشار :
١- تغطية القصور والمحدودية التي مُنِيَ بها المفسرون في أعمالهم ، فكل مفسر (منفرداً) لا يمكن له أن يدّعي معرفته بكل الحقول العلمية والمعرفية ، ولا تمثّل آراء كل واحد منهم الحقيقة أو المقصد التام من الآية ، وهذا لا يعني بالضرورة أن إلغاء جهودهم ، بقدر ما نجعل تراثهم قابلاً للرد والمناقشة .
٢- إن المفسر في عمله التفسيري قد يخرج عن دائرة تخصصه ، فيؤثر ذلك على جودة الرأي والنتيجة المترتبة عليه .
٣- إن المفسرين يغلب عليهم اتجاهات واهتمامات متباينة ومتنوعة ، وبالمحصلة ستكون هنالك حقول لم يتم تناولها أو تحتاج لتتمة .
بعد هذا يقترح طريقة مختصرة لهذا العمل :
١- يتم توزيع الآيات على ذوي الاختصاصات ، فالفقيه يأخذ نصيبه ، والأصولي كذلك ، والمختص النفسي والاجتماعي ... وهكذا ؛ بحيث تتوزع الآيات على العقول المتخصصة والمتنوعة لتأخذ حقها التفسيري .
٢- إعادة الانسجام بين هذه الأجزاء ، للانطلاق بهذه العقول نحو تفسير علمي .
إن هذا المشروع انتقال جذري بنهج التفسير من مساره الفردي إلى خط المنافسة الجماعية والعمل المؤسساتي ، والذي يختصر الجهد والوقت ، ويوفر أكبر كمية من المعلومات والتحليل والمناهج .
ومما لا شك فيه أن أداء التفسير العلمي بصورته الجماعية سيقدم الكثير من الفوائد والتطلعات والرؤى ، وهو في الوقت ذاته لا يتقاطع مع الأعمال الفردية ، بقدر ما يجمعها في خطة وهدف أكثر اتساعاً وشمولية وتجاذباً بين الأطياف والاتجاهات والمناهج والرؤى .
هذا باختصار فكرة مشروعه القرآني العلمي البحثي ، والذي يعتبر طريقاً من طرق التفسير العلمي الذي ألمح إليه .
وهو بذلك لا يُصادم بين العمل التفسيري للقرآن وبين الأعمال العلمية (الإنسانية أو التجريبية) ، بقدر ما يشق طريقاً مشتركاً بينها ، لمعرفة الفوارق بين طبيعة النص القرآني وغايته وغرضه ، وبين طبيعة العلوم ومساراتها وتطبيقاتها في الحياة .
وفي الوقت ذاته لا يدعو لمقاطعة التراث التفسيري وهجرانه ، بقدر ما يؤكد على أهمية مناقشته ونقده ؛ لأنه تجربة جهد بشري عايش القرآن وتعاطى معه ، ومن حق كل جيل مدارسة تراثه وملاقحة ذلكم التراث بما يستجد لديه من وسائل وأسس ورؤى .
رحم الله الشيخ الذي بلّغ وأبلغ في الرسالة القرآنية .
جديد الموقع
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي
- 2026-04-01 إنقاذ مولودة تعاني من استرواح صدري مزدوج عبر فريق النقل الطبي لحديثي الولادة بتبوك
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية