2021/05/17 | 0 | 1963
المهندس أحمد بن طاهر الحمد
كانت بداية معرفتنا بأسرة الحمد فرع فريج الرقيات عام: 1406هـ تقريباً، وذلك عندما كنتُ أعمل في سوق الخضار لدى الشريكين (ابن الخال) الحاج محمد بن حسين بن محمد بن حمزة بن محمد اليوسف، و(ابن العمة) الحاج حبيب بن سلمان بن حسن بن علي الزاير، وطبيعة تجارتهما كانت بيع الفواكه. وكان من المحلات القريبة من ذلك المحل محل الحاج ناصر بن حسين الحمد وأخيه الحاج مهدي، وقد لفت نظري الحاج ناصر آنذاك بكفاحه، وإدارته التجارية إلا أن الموت خطفه منا في مرحلة الشباب رحمة اللَّه عليه، لكنه ما زال حيّاً في أذهاننا بمعروفه وأخلاقه وذريته الطيبة. ومن الطرائف المتعلقة بالمرحوم الحاج ناصر بأنه في منتصف عام: 1439هـ تقريباً التقيتُ بابنه المهندس حسين وقال لي: عم أبا محمد أريد أن أصور معك وأرسل ذلك لذرية والدي لأخبرهم بأنك تشبه والدي، وإنني من زمان كنتُ أرى ذلك لكنني للتوّ أخبرتك بذلك.
وفي سوق الخضار تعرفنا على العم الحاج حسين بن علي بن خليفة الحمد، وعلى العم الحاج عبد اللَّه بن علي بن خليفة الحمد. وفيما بعد تعرفتُ على العم الحاج طاهر بن علي بن خليفة الحمد وذلك عبر سماع صوته الجميل في أداء الأذان بمسجد آية اللَّه الشيخ محمد بن سلمان الهاجري وقد كتبنا عنه مقالة بتاريخ: 16/10/1437هـ نشرت في موقع المطيرفي الالكتروني.
وفي عام: 1415هـ تزوجتُ كريمة العم الحاج حجي بن علي بن خليفة الحمد ومنها توسعت علاقتي بهذه الأسرة وبفروعها، وكانت لنا في تلك الفترة ذكريات وأحداث...... وكان الأبرز لي فيها ولادة ابنتي وحبيبتي (فدك) والتي كانت ولا زالت في أرقى مستوى البر بأبيها...... وإنه إن صح أن أطلق عليها أم أبيها كما كان رسول اللَّه K يطلق على سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء D ذلك، وما ذلك إلا لبرها، وندعو اللَّه دوام ذلك، وأن يبارك لها في رزقها، ويوفقها في أولادها هي وجميع أولادنا.
وفي منتصف عام: 1415هـ تعرفتُ على الأخ المهندس أحمد بن طاهر الحمد عندما زارني للمرة الأولى في شقتي، ثم نمت تلك العلاقة وزاد التواصل معه، وساهم في تعميق ذلك أخي الكبير وصديقي الخليل مدير جمعية سيهات فرع الدمام الأستاذ علي بن ناصر بن أحمد بوعيسى.
وفي ذاكرتي السريعة مع المترجم له أربعة مشاهد لا يمكن تغافلها نستعرضها سريعاً ومنها نختمها بتحليل.
(1) كان المهندس أحمد الحمد ممّن يقرأ الأدعية في المسجد الذي يقيم فيه صلاة الجماعة العلامة الشيخ محمد بن سلمان الهاجري وكان يشدنا إليه، ويطير بنا في عالم المعنويات، ويحرك مشاعرنا تجاه السمو والقيم.
(2) كان يتواصل معنا عندما كنتُ مدير التدريب التعاوني بالكلية التقنية لطلب إمداده بمن يريد أن يعمل في شركتهم من متدريبي الكلية ممن تتوفر لديه الكفاءة والجدية وحس المسؤولية. ولهذا كان سبباً في توفير فرص وظيفية لشريحة من طلابنا بالكلية.
(3) استشرته وطلبتُ منه الدخول في حل مشكلة لدي، وبذل قصارى جهده في ذلك بحكمته ومهارته وغيرته ووعيه، ومن أمثاله مصداق لصفات الحكم الواعي الذي ينبغي أن يرجع إليه لحل الملفات الشائكة، أما إذا غاب من أمثاله أو همش دوره تأزمت تلك الملفات، وأصبح من يديرها هو المتحكم فيما يريده بالأخص إذا ملك مهارة في زيادة مشجعيه بتبني أهدافه والدفاع عنها حتى لو كانت على غير الجادة.
(4) رغبته في دوام تواصلي مع أسرة الحمد.... فقد كان يحثني على اللقاء بالأسرة في يوم تجمعهم في أول أيام العيد واستمر ذلك مني لسنوات وبالأخص في عيد الفطر المبارك.
أما عن ملخص ما لفت نظري في هذا المؤمن: توفر أهم صفتين تجذبك فيمن تتوفر فيه من المؤمنين وهما: الوعي والتقوى. تبرز صفة الوعي في شخصه في حبه وعشقه للقراءة، وطموحه للرقي بمستواه المعرفي، وتشجعيه للمبادرات التي تثمر بمشاريع تقدم المجتمع في تفكيره، وفي نتاجه، وفي اقتصاده، وفي تكاتفه، وفي تراحمه، وفي......
ولهذا تراه أصبح نجماً بالأخص في أسرته في قراءة الأحداث بشمولية، ببعد النظر في تحليل المواقف التي تمر عليه، وفي الربط بين هذا الموقف وذاك، وفي عدم تصديقه ما يقال له عن مثالب الناس، وفي تشخيصه فيما يحدثه من الصادقين كان أو من الكاذبين مع احتفاظه لذلك الزاد في ذهنه، ويبني عليه بما يشخصه ومن قرائن في أن الخلل في ذلك الفرد، أو في ذلك المجتمع الصغير أو الكبير.
وأما صفة التقوى تتجسد ملكتها لديها بحسب ما ورد عنهم A معيار الإيمان في الصدق، وفي أداء الأمانة، وفي حس المسؤولية، وفي النصح، وفي النقد البناء، وفي رفع المعنويات، وفي قضاء حوائج الناس......... وهذه الصفات ومن دون مجاملة رأيتُها في شخصه بالأخص في الفترة التي كنتُ قريباً منه في الفكر والتناغم والتحليل في مشاريع عدة.
فيما بعد طلبتُ من أخي المهندس أحمد أن يستجيب لي في كتابة أهم الملامح الإيجابية في حياته التي لو قرأها شبابنا استفادوا منها، وأصبحت إحدى القنوات المشجعة على تقدمهم. وبعد محاولات عدة منا ورفضه ذلك بحسب تشخيصه بأن مشروعي يحتاج أن أسلط الضوء فيه على كبار الناجحين، وأن يتم البحث عن الأفضل من وجهة نظره، ومع الإصرار والتشجيع استجاب لنا وكان أبرز ما كتب لنا في سيرته (وفق أسلوب حواري) ما يلي.
قصة النجاح:
التقديم:
بعد أن حقق الكثير من النجاحات لتتوج بسلسلة من الترقيات، وتحميله للكثير من المسؤوليات، وبعد ما يقارب من الثلاثة والثلاثين سنة من الكفاح والعمل والمسؤوليات المتعددة، اليوم يرأس ويدير المهندس أحمد بن طاهر الحمد قسمين من أقسام إحدى أكبر شركات المملكة، والإقليم الآسيوي والأفريقي لتصنيع المباني الحديدية للمشاريع العملاقة داخل وخارج المملكة ألا وهي: شركة الزامل للمباني الحديدية والفولاذية، فهو يدير الإدارة الهندسية لتصميم وإعداد المخططات الهندسية لتصنيع وتشييد مشاريع الشركة، حيث تتكون هذه الإدارة من أربعة فروع ومكاتب هندسية متكاملة من مهندسين ومخططين ورسامين هندسيين، فرعين منها بالمملكة، أحدهما لقسم الرجال والآخر للنساء، ومكتب ثالث في الأردن، ورابع في الهند.
أما الإدارة الثانية: فهي إدارة الدراسات والتسعيرات لمشاريع الشركة، وهذه الإدارة أيضاً تتكون من فرعين ومكتبين، واحد في المملكة والآخر في الإمارات.
ولأجل التعرف على ما حققه الأخ أحمد (أبو هاشم)، سنحلق معاً في قصة نجاحه رجوعاً إلى المراحل الأولية من سنين نشأته ودراسته، لأن وراء كل نجاح قصة فيها الكثير من الجهد والمثابرة والمواهب ليؤخذ منها العبرة والاستفادة، فالنجاح لا يتحقق بالأمنيات لوحدها ما لم تقم على الجد والاجتهاد والمثابرة وتحمل المسؤولية بعد التوفيق والسداد من اللَّه سبحانه وتعالى.
النشأة والتربية:
كما يروي عن نفسه وعن نشأته، فقد ولد على كبر لوالديه مما جعل والديه يغدقان عليه الحب والحنان بالشيء الكثير، وهذا ترك في نشأته وتربيته الكثير من الإيجابيات التربوية، مما زرع فيه الثقة بالنفس بشكل كبير لتخلق فيه شخصية متزنة وواثقة وصلبة. ولعل الحب الكبير والعاطفة الجياشة التي كانت تغدق عليه من والدته جعلت من شخصيته شخصية هادئة ومحبة، أما من ناحية والده، فقد اكتسب منه قوة الشخصية، والاعتماد على الذات، وحب العمل والكفاح والطموح والتطلع إلى الأفضل، وتحديد الأهداف، والعمل على تحقيقها، وهذا ما كان يلتمس من شخصيته منذ الصغر وفي مرحلة الشباب وبالخصوص في الفترة التعليمية، حيث كان لا يقبل والده أي عذر للتغيب عن المدرسة ويدفع ويشجع بقوة للتعليم ويردد دائماً رحمة اللَّه عليه أن المستقبل يكمن في الدراسة كما روى لنا الأخ أبو هاشم.
وحيث إن والده رحمة اللَّه عليه كان أحد مؤذني مسجدي الشيخ علي بن شبيث، والشيخ محمد الهاجري رحمة اللَّه عليهما وعلى جميع موتى المؤمنين والمؤمنات، وكان يداوم على الحضور لصلاة الجماعة حتى اشتهر صوته بالأذان الجهوري، كما ينقل عمن كان يسمعه، وكان دائماً يحث أبناءه على الالتزام بصلاة الجماعة، كما يروي لنا الأخ أبو هاشم حيث يقول:
«كان والدي رحمة اللَّه عليه يشجعنا ويدفعنا للحضور معه للمسجد والمشاركة فيما يمكن القيام به ونحن أطفال، حيث كنتُ مبلّغاً للشيخ محمد الهاجري رحمة اللَّه عليه في صغري، وكان المبلّغ يقف بجانب إمام الجماعة ومهمته أن يبلّغ المصلين في الجماعة بصوت مرتفع من ركوع وسجود وقيام وقعود إمام الجماعة حتى يتابع المصلون الإمام في حركاته، حيث لم تكن موجودة أجهزة تكبير الصوت آنذاك كما هو الحال الآن، وهذا أثر في حياتي، حيث نشأتُ غالباً متعلماً الكثير من سماحة الشيخ محمد الهاجري وبالخصوص في عموم مسائل الفقه لأن سماحة الشيخ محمد رحمة اللَّه عليه كانت له دروس فقهية متواصلة في المسجد عن الفقه، وعموم شؤون الدين، ومن ذلك: كانت لي مشاركات في فعاليات المسجد كقراءة الأدعية، ورفع الأذان، والمشاركة في الخروج للاستهلال مع الشيخ وحاشيته، وما شابه، وهذا ترك الشيء الكثير على توجهاتي الشخصية وللَّه الحمد».
التعليم الدراسي والموهبة الهندسية:
بانت على ميول الأخ أحمد الهندسية منذ السنين الأولى في دراسته بالمرحلة الابتدائية بشكل فطري، حيث كان مولعاً بالرسوم الهندسية ذات الأبعاد الثلاثية منذ صغره، فكان يرسم أشكالاً بالأبعاد الثلاثة على الصفحة الأخيرة في نهاية كتبه الدراسية، والتي عادة ما تترك هذه الصفحة بيضاء، فكان يستغلها برسمة هندسية بسيطة كطاولة أو مكتب أو غرفة نوم أو مكعبات ثلاثية وما شابه.
في المرحلة المتوسطة، برزت لديه موهبته الهندسية بشكل أكبر ليتم صقلها بشكل دراسي منظم، حيث التحق في هذه المرحلة بالمدرسة المتوسطة الحديثة بالأحساء، وكما هو معلوم لدى البعض، فهذه المدرسة تدرّس مواد إضافية أكثر من باقي المدارس المتوسطة الأخرى كمادة الرسم الهندسي، ومواد أخرى فنية كالكهرباء والنجارة والزراعة والعلوم التطبيقية والتوجيه المهني وما شابه، إضافة إلى المواد الأساسية التي تدرّس في المرحلة المتوسطة كالرياضيات والإنجليزي والعلوم والأدب وما شابه.
ومن بين جميع المواد التي كان يدرسها بالمرحلة المتوسطة، برع وبشكل كبير الأخ أبو هاشم في مادة الرسم الهندسي، حيث كان يحقق أعلى الدرجات في هذه المادة بفارق كبير، بل أيضاً كان متقدماً في أداء التمارين الهندسية التي كان المعلم يعطيها للطلبة حسب المنهج، بحيث كان ينهي التمارين والواجبات الهندسية اللاحقة قبل أن ينهي الطلبة الآخرون التمارين السابقة، حتى كان أستاذ المادة يطلب منه التأني ليتماشى مع الطلبة الآخرين كما تحدث لنا. وقد لاحظ معلم مادة الرسم الهندسي هذه الموهبة عليه مما جعله يكرر عليه دائماً هذه الجملة (ستصبح مهندساً بارعاً يوماً من الأيام).
بعد المرحلة المتوسطة، التحق بالثانوية العامة، ومن ثم تخرج منها ليسجل مباشرة في الخطوط الجوية السعودية لهندسة الطيران، ولكن لم يحالفه الحظ بالقبول مما اضطره للعمل مؤقتاً في وزارة الإعلام، بالقسم الإداري بالتلفزيون السعودي ولمدة أربعة شهور.
البداية المهنية الهندسية:
في الأثناء، طرحت شركة أرامكو السعودية دورة وبرنامجاً تدريبياً في الرسم الهندسي، وما إن سمع عن البرنامج، إلا وترك الوظيفة بوزارة الإعلام ليلتحق بالبرنامج الهندسي من خلال شركة هندسية محلية تحت رعاية شركة أرامكو السعودية وخلال البرنامج، حقق الأخ أحمد أيضاً أفضل النتائج ليتخرج منها متميزاً باعتباره الثاني على الدفعة، ومن ثم يلتحق بالشركة الهندسية، ولمدة ثلاث سنوات تقريباً، حيث برع في أداء وظيفته، فإضافة لعمله الأساسي لإعداد المخططات والتصاميم الهندسية لمشاريع الشركة، أعطي بعض المهمات الإدارية.
كانت بعض المشاريع التي يكلف بها تأتي عن طريق شركة الزامل التي يعمل بها حاليّاً والتي ذكرناها في المقدمة، وقد عرض عليه بعض زملائه بالعمل الالتحاق بشركة الزامل كونه متميزاً في وظيفته وبالفعل فقد قدم في شركة الزامل التي يعمل بها حاليّاً بالقسم الهندسي في صباح أحد الأيام، ولم يأت نهاية ذالك اليوم إلا وقد تم قبوله بعد الاطلاع على شهادته وخبرته، من ثم تم توقيع العقد بينه وبين الشركة.
ومنذ ذلك اليوم وإلى الآن، لا يزال يعمل في هذه الشركة، حيث أكمل ما يقارب من الثلاثين سنة معهم، وقد تقلد مناصب ومسؤوليات متعددة سنتطرق لها فيما يأتي.
ففي البدء، كان الوحيد السعودي بالقسم الهندسي بالشركة المتخصص في إعداد المخططات الهندسية للمباني الحديدية والفولاذية، وحيث إن طبيعة المشاريع والمتطلبات الهندسية فيها مختلفة ومعقدة، فقد كان يواجه الكثير من الصعوبات لإنجاز مخططات المشاريع الهندسية التي يكلف بها، ولولا الرغبة في النجاح والإصرار على تجاوز الصعوبات للاستمرار، لأوشك على ترك الشركة لما واجهه من تحديات كونه الوحيد العربي والسعودي بالقسم، فكان عليه مواجهة الصعوبات بالتعلم، والاستفادة من الآخرين ذوي الخبرة من الجنسيات غير عربية، وأيضاً عليه إنجاز مخططات المشاريع المكلف بها حسب تواريخ التسليم المحددة في العقود، ولكن بفضل اللَّه ثم بفضل مثابرته، صمد وواجه كل التحديات ليبدأ بالتميز في سرعة إعداد المخططات الهندسية، وأيضاً بدقة معلوماتها، حيث كان يراقب نتائج عمله، ويهتم بالملاحظات المعطاة له من قبل المهندسين المراجعين لمخططاته، وهذا ما جعله يتقن عمله بسرعة وبدقة.
ذاع صيته بالشركة، ولدى القسم الذي يعمل به، ليرشح إثر ذلك لحضور جرعات تدريبية في اللغة الإنجليزية تساعده في الترقي في عمله، وتقليد مسؤوليات أكبر، وبالفعل فقد أنجز أربع دورات مكثفة في معهد المجلس البريطاني الثقافي ليتخرج منها، ولتساعده لأداء، وتواصل أفضل في عمله.
المرحلة الجامعية:
لم يكتف بذلك ولا تزال الشهادة الجامعية الهندسية ضمن أهدافه الرئيسة، حيث تقدم بطلب لإدارة الشركة لإتاحة فرصة إكمال دراسته الجامعية وهو على رأس العمل، وبالفعل تمت الموافقة، بل والدعم المادي له من مسؤولي الشركة، فالتحق بمعهد جامعي بالبحرين لدراسة الهندسة المدنية تحت مظلة جامعة بريطانية، فكان يواظب ويحضر المحاضرات بمعدل 4 أيام بالأسبوع في البحرين إضافة إلى عمله بالشركة، لينهي السنة الأولى والثانية بنجاح، ولكن ما بين المسؤوليات بالعمل والعائلية والتنقل ما بين الدولتين تعرض للكثير من التحديات والصعوبات، ولكن بدل أن يتوقف أمام هذه الصعوبات تقدم بطلب التحويل إلى إحدى الجامعات السعودية ليواصل المشوار في إكمال دراسته.
ففي البدء، حاول التحويل إلى جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، ولكن لم يوافق عليه من قبل إدارة الجامعة كونه خريج ثانوية قديم، ولكن أيضاً لم يقف عند ذلك، فتقدم بطلب آخر إلى جامعة الملك فيصل بالدمام ليهيئ اللَّه له عميد الكلية الهندسية ليقف بجانبه أمام إدارة الجامعة لما عرف عنه وعن مثابرته وخبرته ودراسته حسب السيرة الذاتية المقدمة، حتى قال له عميد الكلية كلمة تبين افتخاره به: (لولا الأنظمة، وإلا من المفترض أنك تلتحق بالجامعة معلماً لا طالباً) وعلى يدي هذا العميد، وفقه اللَّه بالتحويل للجامعة، ليحقق فيها أعلى الدرجات، فقد التحق بقسم هندسة المباني، وهذا التخصص هو جامع ما بين تخصصي الهندسة المدنية والمعمارية، حيث تميز بشكل منقطع النظير في دراسته، لما يملكه من موهبة هندسية وخبرة عملية ليتخرج منها الأول على الجامعة، بل وقد حقق معدلاً قياسيّاً في تاريخ الجامعة ليرشح وينال جائزة الأمير محمد بن فهد أمير المنطقة الشرقية في حينها للتفوق العلمي في سنة تخرجه.
وما إن أتم دراسته الجامعية، إلا ويتقدم لدراسة الماجستير في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في قسم إدارة المشاريع، وقد تم قبوله مباشرة بسبب معدله الجامعي المرتفع والتوصيات الخاصة من أساتذته الجامعيين، ليبدأ دراسته ويواصل الحضور مساءً في الجامعة للسنة الأولى، ولكن مع ازدياد مسؤولياته وكثرة سفره لتمثيل الشركة في اجتماعاتها مع الشركات الكبيرة في عدة دول أجنبية، لم يتمكن من إكمال مرحلة الماجستير.
أما الدورات والورش التدريبية التي حضرها داخل وخارج المملكة، سواء الإدارية أو الفنية أو حتى المالية منها فحدث ولا حرج، فقد رشح للعشرات منها لتصقل مواهبه في الجانب الفني والإداري والمالي ليبرز كواحد من أفضل إداري الشركة وبالخصوص الأقسام الهندسية.
المسؤوليات والتحديات المهنية:
وتتتالى النجاحات في عمله، حيث تمت ترقيته إلى مهندس مراجع لمخططات وتصاميم مهندسين آخرين، ومن ثم أعطي قيادة مجموعة من موظفي القسم الهندسي، وما إن مرت سنوات قليلة حتى تمت ترقيته مشرفاً على كامل قسم إعداد المخططات الهندسية بالمملكة، وبعدها تم ترقيته ليصبح المسؤول عن قسمين، القسم الهندسي بالمملكة، وآخر بقسم الشركة بالفلبين لتبدأ مرحلة جديدة من مهماته ومسؤولياته حيث أصبح المسؤول عن مكتب الفلبين مما جعله يتردد على الفلبين عدة مرات بالسنة، ليتابع المكتب والموظفين والمشاريع التي تنجز هناك، وكل ما يتعلق من شؤون المكتب الفنية والإدارية والمالية والقانونية منها.
وبعد مرور بضع سنوات، تم ترقيته مديراً للقسم الهندسي بالشركة بما يحتويه من فروع متعددة، ومن ثم كلف بفتح مكتب هندسي بالأردن بدل الفلبين، حيث تم تأسيس مكتب كامل من البداية إلى النهاية ليشرف بشكل تام على فتح المكتب وتزويده بالأجهزة والبرامج الهندسية والأثاث اللازم للمكتب، ومن ثم مقابلة واختبار المتقدمين على الوظائف ثم اختيار المهندسين المؤهلين لتبدأ بعدها مرحلة التدريب، فكان يقوم بتدريب جميع المهندسين ولفترة أسابيع متتالية، حتى تم وضع الأسس الأولية ليبدأ العمل، ومن ثم إعداد تصاميم ومخططات المشاريع من مكتب الأردن، إضافة إلى المكتب الرئيسي بالمملكة العربية السعودية.
وما إن مرت سنوات قليلة، حتى حقق مكتب الأردن إنتاجية عالية وبتكاليف أقل، مما جعل إدارة الشركة توافق على توسعته مرات متكررة، وهو لا يزال يتردد على المكتب عدة مرات بالسنة للمتابعة والإدارة، إضافة إلى المتابعات اليومية من مقر عمله بمدينة الدمام.
وتماشياً مع طموح المملكة في إعداد كوادر سعودية في القطاع الخاص، قام الأخ أحمد بتوظيف كوادر سعودية سواء في قسم التخطيط والتصميم، أو في قسم إعداد المخططات الهندسية والتفصيلية للمشاريع، أو القسم المساند للإدارة الهندسية، وبالفعل حقق في فترة وجيزة ما نسبته: 30 بالمئة سعودة في داخل القسم بالمملكة ليحقق أعلى النسب في الأقسام الفنية بالشركة. واليوم يوجد بقسمه بالشركة كوادر سعودية هندسية ذات خبرات ممتازة تعد مخططات لأعقد مشاريع الشركة ولله الحمد.
ومع رغبة الشركة في إعداد كوادر نسائية أيضاً، كلف الأخ أحمد بوضع دراسة لقسم هندسي نسائي وبالفعل تم اعتماد الدراسة من إدارة الشركة ليكلف أيضاً بإعداد قسم نسائي هندسي متكامل، فتم تخطيط وإقامة مبنى مستقل لهن، ومن ثم إضافة ما يلزم من أثاث وأجهزة وبرامج هندسية ومستلزمات أخرى، ومن ثم قام بمقابلة واختبار واختيار وتعين المهندسات السعوديات المؤهلات للقسم النسائي.
وحيث إن القسم نسائي بالكامل، قام الأخ أحمد بنقل وتحويل بعض المهندسات من فرع الأردن إلى المملكة ليقوموا على تدريب القسم النسائي، ويعين عليهن أحد مهندسي القسم الرجالي لمتابعتهم، وبعد انتهاء فترة التدريب، قام بتوظيف مهندسات من الفلبين ذات خبرة واسعة في هندسة وإعداد مخططات المباني الحديدية لتكون مهمتهم مراجعة التصاميم والمخططات الهندسية من المهندسات السعوديات قبل أن تنتقل المشاريع من مراحل التصاميم الهندسية إلى التصنيع والتركيب، واليوم أصبح هذا القسم يعد التصاميم والمخططات الهندسية لبعض مشاريع الشركة ليحقق إضافة نوعية وجديدة للنجاحات ولله الحمد.
وتماشياً مع توسعات الشركة، طلبت إدارة الشركة مؤخراً بفتح قسم هندسي جديد بالهند ليكلف أيضاً الأخ أحمد بفتح وتهيئة وإدارة هذا القسم الجديد، وبالفعل تم إعداده بشكل متكامل ليصبح الفرع الرابع للقسم الهندسي المسؤول عنه الأخ أحمد بالشركة.
ولا تزال المسؤوليات تناط به، فمؤخراً كلف بإدارة قسم الدراسات والتسعيرات لمشاريع الشركة بفرعيه بالمملكة وبالإمارات العربية المتحدة إضافة لإدارته للقسم الهندسي بفروعه الأربعة، وقد تولى متابعة القسم الجديد ليبدأ في تطويره وتزويده بالبرامج والأنظمة المطلوبة لتحسين الأداء فيه.
المهمات الإضافية:
طوال مسيرته في الشركة الحالية، وإضافة إلى مسؤولياته في إدارة الأقسام المذكورة، أنيط به الكثير من المسؤوليات، نذكر بعضاً منها وهي على نوعين:
النوع الأول: تمثيل الشركة في الاجتماعات والمناقشات اللازمة للمشاريع العملاقة سواء الصناعية كمعامل النفط والغاز والبتروكيماويات والتحلية وإنتاج الطاقة وما شابه، أو المشاريع التجارية منها كمشاريع المباني والمجمعات التجارية والمعارض الفنية والثقافية وما شابه ذلك، حيث كان الأخ أحمد يمثل الشركة في الداخل وفي الخارج فغالباً ما تعطي حكومات الدول هذه المشاريع العملاقة للشركات العابرة للقارات لتصميم مشاريعها، ومن ثم تنفيذها وتشغيلها قبل تسليمها في النهاية إلى الدولة صاحبة المشروع الأساسي، وكانت هذه الشركات الكبيرة، ترسي تصميم وتوريد وتشييد المباني الحديدية للشركات الكبيرة في المنطقة والتي غالباً تعطى إلى شركة الزامل للحديد، ولذلك كان الأخ أحمد يمثل شركته وبشكل متكرر في الكثير من اجتماعات ومناقشات مشاريعها في المكاتب الإقليمية لهذه الشركات المتواجدة في الخارج، ولهذا كان يتردد على الكثير من هذه الدول مثل: أمريكا، وكندا وبريطانيا، وأسبانيا، وإيطاليا، وفرنسا، وسويسرا وبلجيكا، والنمسا، وهولندا، وتركيا، واليابان، وكوريا الجنوبية، والصين، والهند، والفلبين، وفيتنام، وتايوان... إلخ، بالإضافة إلى حضوره وتمثيله لشركته في مواقع المشاريع نفسها والتي غالباً ما تكون هذه المواقع في المملكة العربية السعودية، أو في دول الخليج، أو في الدول العربية، سواء في آسيا أو أفريقيا.
أما النوع الثاني، فكان من خلال إعداد أنظمة وقوانين الشركة وبالذات الفنية منها المتعلقة بالأقسام التي يديرها وتطوير آليات وطرق العمل من أجل الحصول على أفضل النتائج في التصاميم الهندسية بأقل التكاليف وفي أوقات قياسية، كما ساهم في وضع دراسات لاختيار وتزويد الأقسام الأخرى بالبرامج والأنظمة المناسبة والتي تم اعتمادها بالشركة فيما بعد.
ولا يزال الأخ أحمد طموحاً متطلعاً لمزيد من العطاء وتحقيق النجاحات، فالنجاح بالنسبة له أساس يرتكز عليه وجزء من ثقافته التي تربى عليها، الشكر لله ولوالديه ولمحبيه على هذا التوفيق والسداد.
تحديات سفر العمل وتجاربه:
تحدث لنا الأخ أحمد عن تجاربه الكثيرة في السفر للعمل والتي كما يروي لنا، استفاد منها بالكثير من الخبرات العملية وبالذات فيما يتعلق بإجادة إدارة الحوارات والمناقشات في عامة الاجتماعات، وكيفية التغلب على مشاكل المشاريع، وطرق التعاون المشتركة مع الشركات القائمة على المشاريع المسؤول عنها، مما أضاف الكثير إلى خبرته لتصقل أكثر شخصيته الإدارية مما جعله محل اختيار دائم من قبل الشركة لتمثيلها في عدة اجتماعات، ليس الفنية منها فحسب، بل تعدت إلى تمثيل الشركة في التسويق والمبيعات والقضايا المالية، ولا يزال يحقق النجاحات في كل ما يناط به من مسؤوليات في اجتماعاته الداخلية والخارجية.
ومع أن السفر للعمل، والشركة توفر كل سبل الراحة والسلامة لموظفيها، إلا أن السفر لا يخلو من المسؤوليات والتحديات كما لا يخلو من التعلم والاطلاع على أدبيات ومعارف الشعوب الأخرى، وفيما يلي سننقل حديثه لبعض تجاربه في السفر لبعض الدول، كما يرويها بنفسه وسنقتصر على بعض الأمثلة فقط، وسيكون الحديث منقول عنه كما جاء على لسانه هو:
1- اليابان والمفاوضات المالية
في منتصف التسعينات من القرن الماضي، زرنا اليابان عدة مرات، ولكن الزيارة الأولى كان لها الطابع الخاص حيث إنها البداية للتعرف على تلك الشعوب، فقد كنتُ واحداً من فريق مكون من ثلاثة (أحدهم بريطاني والثاني أمريكي من أصل لبناني إضافة إلى محدثكم) مثلنا الشركة في اجتماعات في أكثر من مدينة، فالاجتماع الأول والأطول كان في مدينة Nagasaki حيث كان اجتماع مع ممثلي شركة Mitsubishi Heavy Industries اليابانية، حيث إن هذه الشركة هي القائمة على تصميم وتنفيذ وتشغيل مشروع معمل رابغ لإنتاج الطاقة الكهربائية بالسعودية، وهو يعد من المشاريع العملاقة في حينه، وبسبب كثرة التعديلات والتأخيرات على التصاميم ومخططات المشروع من قبل الشركة MHI، تعرضت على شركتنا للخسارة الكبيرة، وتم رفع مطالبة تعويض مالي كبير، ولكن لم تتم الموافقة على التعويض من البداية، وبعد اجتماعات ومناقشات مطولة داخل المملكة، تم الاتفاق على نقل الاجتماعات النهائية في إدارة الشركة باليابان، وإذا ما تمكنا من إثبات أحقيتنا في المطالبة، سيتم اعتمادها من قبل مدراء ورؤساء الشركة باليابان مباشرة.
ذهبنا إلى اليابان ونحن محملون بكل الوثائق والمخططات التي تثبت أحقيتنا بالتعويض، والتي كانت من كثرتها وثقلها، سجل الطيران علينا أوزاناً زائدة، وما إن استقر الحال بنا مدينة Nagasaki بعد رحلة طويلة انتقلنا فيها من الدمام إلى البحرين ثم إلى سنغافورا لتحط بنا الطائرة في مدينة Fukuoka اليابانية ومنها استقللنا أحد القطارات السريعة لننتقل بها إلى مدينة Nagasaki وذلك لعدم وجود رحلة مباشرة في ذلك الزمان.
وبعد ما يقارب من العشرين ساعة سفراً، وصلنا الفندق بمدينة Nagasaki في الليل، لنبدأ الإعداد للاجتماعات مباشرة من اليوم التالي. وتبدأ الاجتماعات المطولة والمناقشات الحادة وعلى مدى أسابيع، حتى إن بعض الاجتماعات تستمر من الصباح إلى أوقات متأخرة من الليل، وأحياناً نرجع الفندق متأخرين، ولكن نبدأ مرحلة التحضير للاجتماع لليوم الثاني، ولأن اليابان تسبقنا في الوقت قبل المملكة، كنا نتواصل بالفاكس والتليفون مع شركتنا بالسعودية ليلاً لطلب المزيد من المعلومات والوثائق حتى إذا ما أصبحنا في صباح اليوم التالي نطالع وندرس ما تم إرساله لنعد جولة جديدة من المفاوضات، حتى إن تلك المفاوضات تذكرني بما يجري في بعض المحاكم الدولية، لأن التحديات كبيرة، فنحن نحتاج لإثبات ما تعرضنا له من خسارة بالمشروع وبأدق التفاصيل والأرقام، وعلينا أيضاً الرد على كل تساؤلاتهم واعتراضاتهم، وهذا ما جعل المفاوضات تطول لأسابيع، ولكن ولله الحمد تم إثبات صحة موقفنا، ومن ثم التفاوض على مبلغ التعويض، والذي وصل الى عشرات الملايين من الريالات.
كنا نعمل ليلاً ونهاراً وطوال أيام الأسبوع، ولم تتح لنا فرصة للخروج لاستكشاف المدينة إلا في يومين طوال فترة تواجدنا باليابان، ففي المرة الأولى ذهبنا إلى متحف عن القنبلة النووية التي سقطت على Nagasaki والمتحف يقع في نفس الموقع، حتى إن الآثار المدمرة في ذلك الموقع متروكة كما هي، وكانت الصور وما تبقى من الدمار المعروض شيء لا يوصف ومقزز ومؤثر جدّاً، حتى إننا لم نتمالك مشاعرنا وعواطفنا، وكنا نرى الزوار من اليابانيين للمتحف لا يخرجون منه إلا وهم يبكون، ودموعهم تسيل على وجوههم من أثر ما يرون من الدمار الذي خلفته القنبلة النووية سواء أثناء الحرب أو ما بعدها بعشرات السنوات، فكانت تجربة قاسية بما عرفنا عنها من معلومات وحقائق لم نعرفها سابقاً، وقد تأثرنا نحن الثلاثة أشد التأثر حتى بقيت ذكريات ذلك المتحف تعايشنا سنين طويلة وكنا نتذكرها بحرقة وآلم.
أما في اليوم الآخر الذي تمكنا من الخروج فيه، اقترح علينا موظفو الفندق الذهاب إلى أحد المتنزهات الوطنية حيث يصادف ذلك اليوم الاحتفال بذكرى اكتشاف الشاي الياباني الأخضر. استحسنا الاقتراح وذهبنا للمتنزه المقترح، دفعنا قيمة التذاكر ودخلنا نتجول فيه، وعند تنقلنا داخل المتنزه، لاحظنا أن الكثير من اليابانيين نساء ورجالاً واقفون في طوابير طويلة، ومن ثم يدخلون إلى بعض المباني القديمة جدّاً في ذلك المتنزه وجميعهم يلبس اللباس التقليدي الياباني بأزهى وأجمل الملابس، فوقفنا نتطلع مندهشين لا نعرف ماذا يجري وما يفعل هؤلاء الناس في الداخل مع أن تلك المباني ليست بالكبيرة، وبينما نحن كذلك، أنا وزميليّ من أمريكا وبريطانيا، إذ تقدمت لنا أحدى السيدات ومعها ابنتها الصبية وهي مبتسمة وتتحدث معنا باللغة اليابانية. حاولنا إفهماها بأننا لا نجيد إلا الإنجليزية، إلا أنها أيضاً لا تعرف إلا اليابانية، فنظرنا حولنا متحيرين، ومن ثم نادى أحد زملائي إلى من هم حولنا، وسأل إذا كان هناك أحد يجيد اللغة الإنجليزية، وبالفعل تقدمت إحدى الفتيات وقالت: نعم وسألتنا عما نريد، فطلبنا منها أن تترجم لنا ماذا تريده منا هذه السيدة الطيبة؟ فتحدثت معها ومن ثم عادت لتترجم لنا فقالت: إنها تقول: وجدتكم غرباء ومندهشين عما يحدث، ولذلك فهي تقترح أن تستضيفكم على حسابها للدخول معها إلى إحدى هذه البيوت وحضور الحفل التقليدي عن الشاي الأخضر، نظر بعضنا للبعض الأخر والكل أبدى إعجابه وشكره وموافقته، وسألناها عن التكلفة، فقالت إن السيدة ترفض دفع أي مبلغ لها وهي تود استضافتكم على حسابها. شكرنا الفتاة المترجمة، كما وشكرنا تلك السيدة كثيراً على مبادرتها الطيبة، ومن ثم دخلنا معها ومعنا الكثير من اليابانيين إلى ذلك المبنى، وهناك تقام بعض المراسيم والعروض والتي تتحدث عن تاريخ الشاي الأخضر، كما كنا نفهم من لغة الإشارة، ومما يعرض، ومن ثم تم تقديم الشاي والحلوى للحضور، فشربنا وأكلنا الحلوى جميعاً ثم خرجنا. لم نكن نعرف كيف نكافئ هذه السيدة على لطفها وأخلاقها وكرمها، فقررنا أن نعزمها على الغداء معنا في نفس المتنزه حيث كان الوقت عند خروجنا وقت الغداء، وبطريقة ما تمكنا من إفهمامها ذلك وأبدت موافقتها، ذهبنا إلى المطعم في وسط المتنزه وتناولنا الغداء معها وابنتها برفقتها والتقطنا بعض الصور بالكاميرا ذات النظام القديم والتي تحتاج لمعالجة حتى تظهر الصور. أخذتُ شخصيّاً عنوان السيدة حتى أرسل لها الصور، وبالفعل أرسلتُ لها الصور بعد رجوعنا للمملكة، وما هي إلا فترة وجيزة حتى يصلنا رد ورسالة منها باللغتين، باليابانية وأخرى مترجمة بالإنجليزية، وقد كانت رسالة مفعمة بالشكر والتقدير على ضيافتنا لها، وعبرت بالكثير عن سرورها للتعرف علينا، وأنها أخبرت عائلتها وأصدقاءها وطلبت منا إخبارها إذا ما رجعنا لليابان فكل فرد في عائلتها يريد أن يرانا ويجتمع بنا. شكرناها برسالة مماثلة على كرمها ولطفها وأخلاقها العالية.
لقد كانت هذه السيدة مثالاً لآداب وأخلاق اليابانيين في حسن تعاملهم مع الآخرين، وهذا ما كنا نراه في سفراتنا اللاحقة، فاليابانيون يشدونك كثيراً في آدابهم وأخلاقهم وحسهم الإنساني الراقي جدّاً، وأيضاً يشدونك بالتزامهم الدقيق بأنظمتهم وحبهم وإخلاصهم لعملهم وتفانيهم فيه بلا حدود.
2- كوريا الجنوبية ومعاناة الوحدة:
كلفتُ بتمثيل الشركة لمناقشة وتوقيع عقد لأحد مشاريع البتروكيماويات في دولة الكويت مع الشركة المصممة والمنفذة والمشغلة للمشروع وهي شركة Daelim الكورية الجنوبية وذلك في نهاية التسعينات من القرن الماضي، حيث كنتُ وحيداً في هذه المهمة لأن العقد متوقف على بعض التفاصيل الفنية الهندسية، ولأنني مسؤول عن القسم الهندسي بالشركة، تم ترشيحي لتغطية المناقشات الفنية، وتكليفي بالتوقيع على العقد.
ذهبتُ إلى مدينة سيول الكورية، ولم تكن المعاناة أقل من معاناة اليابان، حيث المشكلة دائماً في اللغة وفي الأكل، ولكن هذه المرة أيضاً هناك مشكلة وهي الوحدة، ولم تكن في تلك الأيام أي وسائل اتصالات غير التلفون ومع اختلاف الوقت ما بين كوريا والسعودية فقد كان التواصل ليس بالأمر السهل. أيضاً لم تكن هناك أي قنوات فضائية في تلك الأيام غير القنوات الكورية المحلية، فكانت الغرفة بالفندق مملة، فلا تستفيد من وجود التلفاز لأن كل القنوات المحلية تتحدث باللغة الكورية، حتى إنني أتذكر في أحد الأيام، عانيتُ الكثير من الوحدة فبحثتُ عمن أتحدثُ معه بالإنجليزية داخل الفندق، ولكن للأسف لا يوجد إلا شخص واحد من موظفي الاستقبال يجيد الإنجليزية ولغته أيضاً محدودة جدّاً، فخطرت على بالي فكرة استئجار سيارة أجرة والتجول معه لاكتشاف البلد وبنفس الوقت التحدث معه لملء الفراغ والوحدة، فطلبتُ من الفندق توفير سيارة أجرة بأي ثمن بشرط أن يكون السائق يتحدث اللغة الإنجليزية، فقام الموظف بالبحث والسؤال لدى كل الشركات والأسماء المسجلة لديه، ولكن عاد ليعتذر مني لعدم توفر سائق أجرة لدى كل تلك الشركات يتحدث الإنجليزية، فلما شعرتُ بخيبة الأمل لم يبق لي خيار إلا الخروج والمشي لوحدي على الخرائط الورقية التي توزعها الفنادق، وبالفعل واصلتُ على هذا الحال طوال فترة تواجدي، ولم أكن أرجع للفندق بعد الرجوع من مكتب الشركة إلا وقت النوم لأني كنتُ أشعر وكان الغرفة سجن انفرادي.
بعد عدة أيام من المفاوضات مع الشركة، تكللت النتائج بالنجاح، وتم توقيع العقد ولله الحمد وهذا ما أنساني التعب، وفي يوم التوقيع، تم دعوتي على العشاء احتفالاً بالتوقيع على العقد، فسألني أحد مدراء الشركة عن أي نوع من الأكل أفضل، فأخبرته بأنه السمك، فقال لي سنختار لك أفضل أنواع الأسماك. وعند العشاء تم تقديم طبق السمك الرئيسي مع الكثير من المقبلات والأشياء التي لا أعرفها، بل لا أستحسن حتى منظرها، وحينما أردتُ أن أبدأ بأكل السمك، وجدتُ أنه لا هو سمك مشوي ولا مقلي وإنما سمك تقريباً غير مطبوخ، فلم أتمكن من أكله أو حتى شم رائحته، فسألتُ صاحبي الذي اختار لي السمك عن نوعه وعن طبخه، فقال: هذا أغلى وأفضل الأسماك عندهم وهو رقيق وطري جدّاً ولذلك لا يتحمل الطبخ ويقدم بعد تسخينه فقط. اعتذرتُ منه وطلبتُ منه أن يحضر لي فقط رزاً أبيضاً من دون أي إضافات، وبالفعل تم تقديم الأرز الأبيض بدون أي شيء، فأكلتُه وتركتُ كل الأطباق الأخرى التي كانت تزخر بها تلك المائدة بعد أن قدمتُ لهم اعتذاري لعدم تعودي على أكل طعامهم، إلا أنهم وبحسهم الأدبي والأخلاقي اعتذروا مني لعدم وجود طبق يناسبني. وبسبب مشكلة الأكل، فغالباً ما أرجع إلى بلدي إلا بنقص وزني، ولكن ولله الحمد، المهمة المناطة بي تتم على أكمل وجه بفضل من اللَّه وتوفيقه.
3- إيطاليا ومشكلة اللغة:
في بداية الألفية من هذا القرن، قررت الشركة التعامل مع إحدى الشركات الهندسية في إيطاليا حيث كان الوسيط بيننا وبين تلك الشركة شخص إيطالي وهو أحد مدراء الأقسام الأخرى لدينا بالشركة، وعليه فقد تم ترشيحي لوضع دراسة وتقييم عن تلك الشركة، وكان بصحبتي هذا الزميل الإيطالي من القسم الآخر.
وبالفعل قمتُ بالسفر إلى إيطاليا حيث تقع الشركة في مدينة صغيرة اسمها Como القريبة من مدينة Milano الإيطالية المعروفة وهذه المدينة الصغيرة غاية في الجمال والطبيعة، حيث تقع على ضفاف بحيرة كبيرة تسمى بي Como Lake ومحاطة بسلسلة جبال خضراء روعة في الخضرة والجمال، ولكن أيضاً واجهتني مشكلة اللغة هناك حيث إن غالبية المسؤولين بمن فيهم مدير الشركة لا يتحدثون إلا اللغة الإيطالية، ولكن مع وجود زميلي الإيطالي سهل المهمة علي حيث إنه يجيد الإنجليزية فكان يترجم بيننا حسب الحاجة.
وعند اقتراب نهاية مهمتي، وجه لي مدير وصاحب الشركة دعوة على العشاء في بيته أنا وزميلي الإيطالي، وعليه تم الاتفاق على الوقت، وأيضاً تم سؤالي كالعادة ما يناسبني من نوع الطعام، وكان اختياري كالمعتاد السمك المشوي، ولتوفر سمك السلمون بكثرة في أوروبا، لم تواجهني مشكلة في الأكل غالباً في سفراتي لأوروبا ولله الحمد، بل كنتُ أحرص على تناول سمك السلمون، وذلك لأنه يقدم طازجاً لتوفره في أنهر أوروبا وأيضاً لخبرة الطباخين الأوربيين في إعداده.
في اليوم المحدد للعشاء، جاء إليّ زميلي الإيطالي ليأخذني إلى بيت مدير الشركة، وفي الطريق أخبرني بوجود حالة طارئة لزوجته، ولذلك سيضطر أن يوصلني للبيت ويعتذر منهم حتى يأخذ زوجته للمستشفى، عندها وجدتُ نفسي وقعت في مشكلة اللغة مرة أخرى، ولكن لا مفر من مواجهتها، فنحن في الطريق لبيت مدير الشركة وقد تم إعداد العشاء على شرفي، ولذلك لا مجال للاعتذار. وصلنا البيت وكان المدير في استقبالنا ليعرفنا على زوجته وابنته وابنه، ولكن جميعهم لا يتحدثون إلا بالإيطالية، ولكم أن تتخيلوا ماذا كان الوضع؟ تركنا زميلي الإيطالي لوحدنا ولا توجد بيني وبينهم لغة تواصل إلا بعض الكلمات المحدودة المشتركة ما بين الإيطالية والإنجليزية، ولكن كانت هناك لغة أخرى جعلتنا متفاهمين ومتواصلين مع بعضنا البعض، ألا وهي لغة الأخلاق والأدب والتفاني في حسن الضيافة، فمع أن اللغة كانت غائبة، إلا أن التفاهم والتواصل كان حاضراً، فكانوا في غاية الأدب والأخلاق وحسن الضيافة والكرم، ففي البداية أخذني وبصحبة عائلته للتعرف على أرجاء البيت والمكون من فيلا كبيرة من دورين محاطة بحديقة جميلة تتوسطها بركة ماء، وكان يتوقف عند بعض قطع الأثاث والتحف الفاخرة والتي كان يشتريها أثناء سفره لدول العالم، حتى رأيتُ من ضمن ما رأيتُ سجاداً إيرانيّاً وتحفاً هندية ومجسمات للأهرامات المصرية وما شابه.
وعند العشاء تم تقديم سمك السلمون المشوي المعد بالمنزل، وكان لذيذ الطعم ومعروضاً بطريقة تفتح الشهية، فأكلنا جميعاً ونحن نتحدث، فهم يتحدثون بالإيطالية وأنا أوافقهم لثقتي أن ما يقولونه كلاماً صحيحاً وطيباً، وكان ذلك يرتسم على لغة وجوههم، وبالمثل كنتُ أتحدث بالإنجليزية، وهم يتجاوبون معي ببشاشتهم وابتساماتهم وترحيباتهم المتكررة، وهذا مما جعل الجلسة في غاية الروعة حتى إننا لم نشعر بمرور الوقت، وأخذتنا الجلسة إلى وقت متأخر من الليل، ولولا أنني استأذنتهم بالرجوع للفندق، لما قمنا من تلك الجلسة الطيبة إلا مع بزوغ الفجر. في اليوم التالي وكنتُ على وشك السفر، أخبرني زميلي الإيطالي ونحن في طريقنا إلى المطار بأن مدير الشركة وعائلته عبّروا له عن سعادتهم وفرحتهم وسرورهم بزيارتي لهم، كما بالمقابل شكرتُه وطلبتُ منه أن يوصل شكري وامتناني وتقديري على ما أتحفاني به من حسن الاستقبال وكرم الضيافة، وما بذلوه من جهد لتوفير الراحة أثناء إقامتي وتواجدي معهم بالشركة.
إنها إحدى الذكريات الجميلة التي لا تنسى، التي جمعتني مع عائلة لم اجتمع معهم لا على الدين ولا اللغة، ولكن اجتمعنا على الحس والأدب والأخلاق الإنسانية العالية.
الخاتمة:
قد يصعب اختزال تجارب سنوات طويلة في كلمات وسطور، ولكن بلا شك أن هناك نتائج ممكن استخلاصها من تلك التجارب والتي يمكن أن تعد بمثل الأسس والقواعد التي يتعلم منها الآخرون، ولهذا طلبنا من الأخ أحمد أن يلخص لنا تجربة نجاحه في نقاط مختصرة فقال:
أولاً: يمكن القول: إن النجاح لا يتحقق إذا ما تم التراجع مع أول إخفاق، بل يجب أن نتيقن بان الإخفاقات تعني أن هناك بدائل أخرى ستكون أفضل بمشيئة اللَّه، فكل ما علينا فعله هو طرق كل الخيارات بالجد والمثابرة لتحقيق النجاح، وإذا لم يتحقق فعلينا البحث عن البدائل وطالما هناك رغبة وإرادة، فحتماً سيتم التوفيق إن شاء اللَّه تعالى.
ثانياً: إن النجاح يحتاج إلى بذل الجهد والمثابرة والتعب، فلا يمكن أن يتحقق ويأتي بنفسه، وإن حدث هذا لأحد ما، فلن يكون نجاحاً صلباً، بل مؤقتاً بوجود تلك الظروف المساعدة، أما النجاح الحقيقي الصلب القائم على أسس تعليمية وخبرات مهنية متراكمة فهو باق وإن لم يتحقق في مكان ما، سيتحقق في مكان آخر.
ثالثاً: أودع اللَّه في الإنسان طاقات كامنة، وكل ما على الإنسان هو الغور فيها واستغلال هذه الطاقات، فبمقدار ما يستغلها، يتحقق له النجاح بصرف النظر عن انتمائه أو جنسه أو بلده، حتى وإن كانت هناك تحديات وصعوبات ومعوقات، ولكن بلا شك مع المثابرة والجد واستغلال الفرص لثبات الذات، سيتحقق حتماً النجاح ولو لم يتحقق كله فحتماً سيتحقق جله، وهذا ما يؤكده مولانا أمير المؤمنين C في حكمته المشهورة «ما رام أمرؤ شيئاً إلا وصل إليه أو ما دونه».
وفي ختام هذه المسيرة المفعمة بالنجاحات والتحديات، نود أن نشير إلى أن للأخ أحمد الحمد ابنين وابنتين، فهاشم الأكبر وهو حاصل على شهادتي ماجستير من أعرق جامعة أمريكية MIS واحدة في الهندسة المدنية وأخرى في إدارة الأعمال، أما لؤي، فهو حاصل على شهادة الدكتوراه في هندسة البترول من إحدى الجامعات الأمريكية الكبيرة، فالله نسأل لهم جميعاً التوفيق والسداد.
كما بدأنا الحوار نختمه بالشكر للمترجم له على هذه الحوارية المميزة، والتجربة المليئة بالنجاحات المتعددة، ونتمنى من شبابنا التمعن في مفاصلها والاستفادة من تحدياتها لتحقيق أعلى نجاح بمشيئة اللَّه.
جديد الموقع
- 2026-04-06 الوجية الاجتماعي بالهفوف الحاج سلمان الحمضة ابوابراهيم في ذمة الله تعالى
- 2026-04-06 الحس الإداري.. فن يصنع الفرق
- 2026-04-05 تجمع الأحساء الصحي ينجح في إجراء جراحة روبوتية دقيقة لاستئصال ورم كلوي مع الحفاظ على الكلية
- 2026-04-05 ديوان المظالم يدعو المستفيدين للمشاركة في تطوير خدمة تقديم الطلبات القضائية عبر منصة مُعين الرقمية
- 2026-04-05 بطولة المملكة للأندية للبراعم والناشئين تُختتم في القصيم
- 2026-04-05 * أمانة الشرقية تعزز الابتكار الطلابي بشراكة مجتمعية فاعلة في معرض علوم “أطلس العالمية*”
- 2026-04-05 إتاحة ممارسة نشاط "الترانزيت" دون اشتراط ضمان بنكي ودون إصدار لوحات النقل بالعبور للترانزيت الداخلي
- 2026-04-05 نشاط الدماغ وراء السلوك الجماعي وتماسكنا مع بعضنا
- 2026-04-05 سمو أمير المنطقة الشرقية يستقبل أعضاء مجلس أمناء مؤسسة جائزة الأميرة صيتة بنت عبدالعزيز ويطّلع على تفاصيل ملتقى دراية بنسخته الثالثة
- 2026-04-05 سمو أمير المنطقة الشرقية يستقبل رئيس جامعة حفر الباطن ويؤكد دعم القيادة للابتكار وتنمية الكفاءات الوطنية