2017/04/27 | 0 | 2312
الشريف الرضي و(المجازات النبوية)
لعل أول المصنفين في بلاغة الأحاديث النبي (ص) - بالمعنى الاصطلاحي تنظيرا وتحليلا- هو الشريف الرضي (ت406هجري) .
ويهدف الرضي من دراسة الحديث من ناحية بلاغية ، لتأسيس أصول للبلاغة العربية من خلال ثلاثة منابع :
1- النص القرآني . عبر كتابه (تلخيص البيان في مجازات القرآن) ، وموسوعته المفقودة -إلا من الجزء الخامس فقط - (حقائق التأويل في متشابه التنزيل) .
1- النص القرآني . عبر كتابه (تلخيص البيان في مجازات القرآن) ، وموسوعته المفقودة -إلا من الجزء الخامس فقط - (حقائق التأويل في متشابه التنزيل) .
2- النص النبوي . عبر كتابه (المجازات النبوية) .
3- النص العلوي . عبر كتابه (نهج البلاغة) .
قال الدكتور شوقي ضيف متحدثا عن ريادة الشريف الرضي بالقرن الرابع الهجري في إرساء النواحي التطبيقية للبحث البلاغي :
" في الكتاب الأول (يعني تلخيص البيان) يتناول مجازات القرآن الكريم مرتبة على سوره ، وكل مجازات في سورة ترتب وفق ترتيب آياتها فيها ، وهو عادة يتبع الآية بقوله : هذه استعارة ثم يشرحها مبينا ما فيها من مجاز أو كناية .
واختار في الكتاب الثاني (يعني المجازات النبوية) نحو ثلاثمائة وستين حديثا وأتبعها ما فيها من مجازات واستعارات وكنايات (...) دون قصد إلى تحرير الفروق بين أنواع تلك الصور البيانية ، وقد يكون مرجع ذلك أن أنواعها ودقائها لم تكن قد حررت حتى عصره " (البلاغة تطور وتاريخ ص140-139) .
لكن الدكتور لم يأت على ذكر (نهج البلاغة) كمصنف ثالث (وإن كان في هذا المصنف يعتبر جامعا ومختارا ، لا محللا) لهذا المشروع الريادي الأصيل ، إضافة إلى موسوعته (حقائق التأويل) .
ومما لا شك فيه أن اختيار خطب ورسائل وحكم في قمة البلاغة ، يعد ذلك عملا جديرا
لتنمية الذائقة الفنية والبيانية للقارئ ؛ لأنه يتلمس الحس البلاغي عن قرب ، ويتذوق جمال العبارة والأسلوب بدون تنظير وتقعيد ، بخاصة حينما يكون وراء الجمع حس عال ، واختيار دقيق ، وذوق رفيع .
ومما يدعونا لأن نعتبر الشريف في صدد تأسيس اتجاه جديد في علم البلاغة ، ما وجدنا من إشارات وتلميحات مبثوثة في مصنفاته البلاغية تلك .
مما يعني أنه كان واعيا وقاصدا لشق مشروع بكر لم يسبقه إليه أحد .
1- ففي مقدمته في كتابه المجازات ، حينما تحدث عن كتابه (تلخيص البيان في مجازات القرآن) ، قال :
" وأني سلكت من ذلك (أي تأليف الكتاب) محجة (أي طريقا) لم تسلك ، وطرقت بابا لم يطرق ، وما رغبت إلي فيه من سلوك مثل تلك الطريقة في عمل كتاب يشتمل على مجازات الآثار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ كان فيها كثير من الاستعارات البديعة ، ولمع (أي القطعة المضيئة) البيان الغريبة ، وأسرار اللغة اللطيفة ، يعظم النفع باستنباط معادنها ، واستخراج كوامنها (...) ، فيكون هذان الكتابان بإذن الله لمعتين يستضاء بهما ، وعرنينين لم أسبق إلى قرع بابهما (...) . أورد من ذلك (أي الحديث النبوي) ما كان داخلا في باب الاستعارات اللغوية بكلية ، أو بسعة كثيرة من سعته ، والذي أعتمد عليه في استخراج ما يتضمن الغرض الذي أنحو نحوه (...) من جملة كلامه عليه الصلاة والسلام ، الموجز الذي لم يسبق إلى لفظه ، ولم يفترع من قبله ... "(مقدمة الشريف في المجازات ص8-5) .
2- وأما عن بلاغة الأمير ، فقد قال في مقدمة نهج البلاغة :
" ولأن كلامه عليه السلام (يعني الإمام علي) الكلام الذي عليه مسحة العلم الإلهي ، وفيه عبقة من الكلام النبوي (...) ورأيت من بعد تسمية هذا الكتاب بنهج البلاغة ، إذ كان يفتح للناظر فيه أبوابها ، ويقرب عليه طلابها ... " "(مقدمة الشريف الرضي في نهج البلاغة ص81/78)
3- أما عن كتابه (تلخيص البيان) فجاء في مقدمته ، وهو يتحدث عن اللغة المجازية لكتاب الله : " لم يورد ألفاظ المجازات لضيق العبارة عليه (أي على الله) ، ولكن لأنها (لغة المجاز) أجلى في أسماع السامعين ، وأشبه بلغة المخاطبين . وسألني (أي بعض الأخوان) أن أجرد جميع ما في القرآن في ذلك على ترتيب السور (...) ومما أسرع بي إلى ذلك أنني لم أجد أحدا ممن تقدم رمى إلىهذا الغرض ... " (تلخيص البيان ، ت : محمد علي مقلد ص26-25) .
وكذا موسوعته (حقائق التأويل) التي كثيرا ما كان يحيل إليها ، وهي عرض لوجوه لغوية في معاني الآيات ، اتضح فيها تضلع الشريف في اللغة والأقوال ومناقشة الأوجه بحس بياني عال .
ولأننا نفتقد أجزاء موسوعة كتاب الحقائق ، فسننقل ما قال عنه من مقدمة كتاب تلخيص البيان ، قال : " وكنت أوردت في كتابي الكبير الموسوم بحقائق التأويل في متشابه التنزيل طرفا كثيرا من هذا الجنس (يعني وجوه المجاز) أطلت الكلام والتنبيه على غوامض العجائب التي فيه ... " (مقدمة تلخيص البيان ص26) .
ولعل ما ميز تجربة الشريف عبر مصنفاته الأربعة ، احتفاؤه بأرقى نصوص على مستوى اللغة العربية ، وفي ذلك تقديم للبلاغة النموذجية ، ليقتفي أثرها من رام البلاغة والبيان .
إضافة إلى إكماله للحلقة المفقودة في علم البلاغة ، بعرض نصوص القرآن والنبي والإمام علي (ع) .
ويضاف لذلك موازنة الطرح البلاغي عند علماء البلاغة ، حيث كانت حظوة الشعر من أجناس أدبية هي الأكثر حظا ووفرة في تلدرس اللغوي والبياني .
مما ولد لدى الأجيال اللاحقة
أن رتبة الشعر هي الأولى من غيرها ؛ على الرغم من تصريح اللغويين والبلاغيين بتفوق لغة القرآن ، لكن نجد كثيرا منهم ، لا ينظر للقرآن إلا من خلال الشعر ، فيكون بذلك الشعر حاكما بيانيا وبلاغيا على النص القرآني ! .
ولعل طبيعة المنهج الاستقرائي المتحيز الذي سلكه رواد البلاغة والبيان ، كان سببا في إبعاد نصوص عربية ، كالخطب العربية والأمثال والحكم والقصص ، وظلت شواهد البلاغة مقتصرة على بيت شعري واحد أو اثنين ، أو آية أو آيتين ، دون النظر للنص كاملا كوحدة .
وبهذا المنهج يهمل السياق وطبيعة جنس النص ، وطبيعة الغرض الإجمالي للنص .
القيمة العلمية والأسلوبية لكتاب المجازات :
وتكمن القيمة العلمية والأدبية في كتاب (المجازات النبوية) أنه يحوي - تقريبا - أربعمائة حديث نبوي ، مع تحليل بياني دقيق موجز وعميق ، مدعم بالأوجه اللغوية والشعرية والأحاديث .
ويعد التناول (المجازي : البلاغي البياني) ، خطوة رائدة في النظر لجوانب في الأحاديث غير منظورة .
ولعل أول من ألف في (المجاز) هو أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي (ت210هجري) في مصنف له (مجاز القرآن) .
لكنه كان يعني بالمجاز معاني الآيات في اللغة ، يقول الدكتور محمد فؤاد : " فهو يتكلم في معاني القرآن ، ويفسر غريبه (أي غريب كلماته) وفي أثناء هذا يعرض لإعرابه ، ويشرح أوجه تعبيره (...) ومعنى هذا أن كلمة المجاز عنده عبارة عن الطرق التي يسلكها القرآن في تعبيراته ، وهذا المعنى أعم بطبيعة الحال من المعنى الذي حدده علماء البلاغة لكلمة المجاز فيما بعد " . (مجاز القرآن لأبي عبيدة ، المقدمة ص18-17) .
أما الجاحظ وابن جني فيعدان قريبين من المفهوم الذي تناوله الرضي .
لذا يعد الرضي متقدما في تناول المجاز ، كما سنبين في الحلقة الثالثة .
قال الدكتور طه محمد زيني محقق (المجازات النبوية) عن الشريف الرضي : " والحق أن الشريف الرضي رحمه الله بحر محيط في اللغة ، يؤلف ما يفيض منها على شواطئه قواميس صخمة ، وطود شامخ في البلاغة يصعب على مريد تسلقه ارتقاؤه ، يجمع إلى السليقة العربية ، والذوق العربي ، والإحساس البلاغي علو الكعب في نظم الشعر ، وتنسيق النثر ... " (مقدمة المحقق ص ج) .
نماذج من أسلوبه البياني :
سنكتفي في هذه النقطة بعرض موجز لنماذج من تحليله الدقيق ، ليأخذ القارىء تصورا عابرا لأسلوبه ومنهجه التحليلي .
1- حديث 1 ص9 : " هذه مكة قد رمتكم بأفلاذ كبدها " .
ذكر الرضي معنيين :
- الكبد كناية عن النفيس ، والأفلاذ القطع المتفرقة .
- المراد أعيان القوم ورؤساؤهم
. حيث " أقام مكة مقام الحشا التي تجمع هذه الأعضاء الشريفة كالقلب والنياط والكبد والفؤاد ، وجعل رجال قريش كشعب الكبد التي تحنو عليها الأضالع ، وتشتمل عليها الجوانح وقاية لها " .
2- حديث 16 ص30 : " بعثت في نسم الساعة إن كادت لتسبقني " .
واعتبر القول استعارة ، فلقد كنى عن ابتدائها بالنسم الذي هو ابتداء للريح الضعيفة . وذكر معنيين :
- بعثت في إمهال وتأخر الساعة ، أي أن الساعة حانت قيامتها لكن الله نفسها وأخرها قليلا فبعثني في ذلك النفس .
- أن يكون جعل للساعة نفسا كالانسان ، وهي كناية عن القرب ، كمن يقترب من شخص ويسمع مجرى نفسه .
3- حديث 21 ص36 : " ذاك رجل لا يتوسد القرآن " . واحتمل فيه المدح والذم .
فالمدح أنه لا ينام عن قراءة القرآن ، فالنائم كالمتوسد له .
واستشهد بحديث في هذا المعنى : " يا أهل القرآن لا توسدوا القرآن واتلوه حق تلاوته " .
أما الذم فالمراد أنه غير حافظ ولا خازن له . واستشهد أيضا بحديث في هذا المعنى : " لأن تتوسد العلم خير من أن تتوسد الجهل " . ومعنى هذا : لأن تنام ومعك العلم خير من أن تنام ومعك الجهل .
4- حديث 132 ص168 : " المؤمن موه راقع " . وهذا استعارة ، فإذا أساء المؤمن أحسن وإذا أخطأ ندم . فهو يوهي دينه بالمعصية ويرقعه بالتوبة ، فشبهه بمن يخرق ثوبا ثم يبادر برقعها .
5- حديث 224 ص292 : " إن للشيطان نشوقا ولعوقا ودساما " . والمراد الاستعاذة من الشيطان ، حيث " شبه ما يسوله الشيطان للإنسان من العجب بنفسه ، والإزراء على غيره حتى يشمخ بأنفه ، وينأى بعطفه ، بالنشوق الذي ينشقه إياه ، فيحدث له هذا الخلق الذميم ، والطبع اللئيم، وقوى ذلك بذكر اللعوق ، فكأن الشيطان يلعقه بهذا التسويل لعوقا إذا وصل إلى جوفه أحدث له خيلاء الكبر ، ومد له في غلواء العجب . وشبه عليه الصلاة والسلام صرف الشيطان للإنسان عن عن مراشده ، وإصمامه عن سماع قول مرشده بالدسام ، وهو الصمام الذي تسد به الأذن ، فتحجب عن سماع الأصوات ، وزواجر العظات " .
6- حديث 228 ص 297: " تؤخرون الصلاة إلى شرق الموتى " .
" المراد أنهم يؤخرون الصلاة إلى ألا يبقى من النهار إلا بقدر ما بقى من نفس الميت الذي قد شرق بريقه (غص) ، وغرغر ببقية نفسه " .
7- حديث 252 ص 323 : " تحفة المؤمن الموت " .
" جعل الموت الوارد على المؤمن كالتحفة المهداة إليه ، لأنه يسر بتعجيل مماته كما يسر الكافر بتنفيس حياته ، لأن المؤمن يخرج من عقال إلى مجال ، والكافر يخرج من مجال إلى عقال " .
8- حديث 256 ص 328 : " الرحم لها حجنة كحجنة المغزل " .
" أن الرحم لها علائق يعتلق بها ، وشوابك تجتذب بوصلها ، فكأنها تستعطف المعرض عنها وترد الشارد إليها كما يجتذب الإنسان الشيء بالمحجن (الحجنة هي الحديدة المعقفة في رأس المغزل) إلى جهته ، أو يستثنى به الذاهب عن وجهته " .
9- حديث 301 ص 381 : " وسيأتي على الناس زمان يثقفون القرآن كما يثقف القدح " .
المراد : إصلاح ألفاظ القرآن حتى تقوم بعد الاعوجاج ، " فتكون كالسهم المثقف الذي يسرع في الإنباض (رنين الوتر) . ويقرطس في الأغراض ( يصيب الهدف) ، ولا يتدبرون ما وراء تلك الألفاظ " .
10 - حديث 356 ص433 : " إن الإسلام بدأ جذعا ، ثم ثنيا ، ثم رباعيا ، ثم سديسا ، ثم بازلا ، وما بعد البزول إلا النقصان " .
" والمراد تمثيل الإسلام في تنقل أحواله ، وتغاير أوصافه ، بولد الناقة ينتقل في أسنانه ، فيكون أول أمره جذعا ثم ثنيا ثم رباعيا ثم سديسا ثم بازلا ، وهي سن التمام ، وما بعدها من النقصان . ومدار المعنى على أن الإسلام بدا في غاية الصغر ، ثم انتهى إلى غاية الكبر ، على تدريج ما بين البازل والجذع (...) ويخشى نقيصة التمام ، وعكيسة الكمال ، كما يخشى على اليفن (العجوز) بعد انحنائه ، والبازل بعد انتهائه " .
11- حديث 361 ص 440 : " الحجر (الأسود) يمين الله ، فمن شاء صافحه بها " .
فالحجر " جهة من جهات القرب إلى الله ، فمن استلمه وباشره قرب من طاعته تعالى ، فكان كاللاصق بها (...) ، واليمين ها هنا مقام الطاعة التي يتقرب بها إلى الله سلحانه على طريق المجاز والاتساع " .
خلفية التسمية (المجازات) .
استعمل الرضي كلمة (المجاز) في كتابين من كتبه ؛ إضافة إلى استعماله كلمة (البيان) في كتاب له ، كما مر بنا في حلقات سابقة .
لكن يبدو من خلال استعماله الأخير أنه يعني المعنى العام للبيان وليس المعنى الاصطلاحي البلاغي .
من هذا تكون لكلمة (المجاز) النصيب الأخص في الاختيار ، حيث ينطلق (الرضي) من أن للغة فضاء دلاليا للمعاني وعلاقتها بالألفاظ .
ونحن إذا نظرنا إلى علم البلاغة سنلاحظ ارتكاز فروع البيان على قاعدة المجاز والانزياح الدلالي للمفردات .
ولأن التفريق الاصطلاحي لتفريعات علم البيان لم يكن بما انتهى إليه الآن ، أشار محقق الكتاب الدكتور الزيني عن منهج الرضي البلاغي ، في تغليبه (المجاز) على الظواهر البيانية في الأحاديث ، قال :
" لم يتقيد بما اصطلح عليه علماء البلاغة ، من أسماء الاستعارة والتشبيه والكناية والمجاز وغيرها ، فهو يجعل التشبيه مجازا مرة ، واستعارة مرة أخرى ... " .
وهذه الملاحظة وإن كانت صحيحة من جهة اصطلاحية ، لكن البلاغة هي فن ، ولا مشاحة في تداخل تسمياتها ومصطلحاتها .
فقد تتعدد أوجه التحليل والزوايا الجمالية المنظورة للنص ، ويأتي أكثر من مسمى منطبقا على المعنى والغرض .
ولكي نكون أكثر دقة ، نقول :
إن (المجاز) كظاهرة لغوية هو عماد البلاغة والبيان ، وهو كخاصية دلالية في الاستعمال والسياق اللغوي الاجتماعي والفني ، يعتبر الركيزة الأساسية التي تتفرع منه الاصطلاحات الأخرى لعلم البيان (التشبيه والاستعارة والكناية) .
فكل أسلوب تشبيهي أو استعاري أو كنائي هو مجاز أساسا ، ولولا خاصية التجاوز في استعمال المفردات أو الانزياح اللغوي للمعاني وطبيعة العلاقات بينها ، والتي يبنى عليها في التأليف والربط ؛ لم تقم عملية تشبيه أو استعارة أو كناية .
وحين نعود لغرض (الرضي) الذي صرح به في المقدمة ، حيث يهدف من التحليل للبياني للأحاديث " إلى مواضع النكت ومواقع الغرض بالاعتبارات الوجيزة والإيماءات الخفيفة ، على طريقتي في كتاب (مجاز القرآن) لئلا يطول الكتاب ، فيجفو الناظر ، ويشق على الناقل (...) .
أورد من ذلك ما كان داخلا في باب الاستعارات اللغوية بكلية ، أو بسعة كثيرة من سعته ، والذي أعتمد عليه في استخراج ما يتضمن الغرض الذي أنحو نحوه ، وأقصد قصده (...) ، مضيفا إلى ذلك ما يليق بهذا المعنى من جملة كلامه عليه الصلاة والسلام ، الموجز الذي لم يسبق إلى لفظه ، ولم يفترع من قبله " ص6 و 8 .
فهذا التصريح يبين لنا ما تم التركيز عليه من تحليل بياني .
ومما تجدر به الأهمية في تحليل الظاهرة البيانية للحديث النبوي ، أن بعض أساليبه مما تفرد به النبي (ص) عن بلاغة العرب .
وشاهد ذلك ما نقل الشريف في حديث رقم 40 من قول الإمام علي (ع) عن بلاغة النبي (ص) : " ما سمعت كلمة عربية من العرب إلا وقد سمعتها من رسول الله (ص) ، وسمعته يقول : (مات حتف أنفه) وما سمعتها من عربي قبله " ص64 .
ومن الطبيعي أن نصوصا كهذه تحتاج إلى :
1- طول تأمل ونظر عميقين لاستخراج مكنوز المعنى والأغراض البلاغية .
وقد أشار الرضي لهذا عبر تقسيمه للاستعارة إلى نوعين : (ظاهرة تعرف بوضوحها وظهورها ، وظاهرى غامضة يضطر إلى استنباطها) ص180 .
2- الدفاع عن بلاغة النبي (تأسيسا وردا) كما نجده في تحليل الرضي لحديث نبوي يشبه سرعة جريان الفرس بالبحر ، حيث قال :
" وربما طعن بعض الجهال بمناديح كلام العرب في هذا القول بأن يقول : كيف شبه عليه الصلاة والسلام جري الفرس بالبحر والبحر راكد لا يجري ؟ " ص182 .
ثم بين بأن اتساع جري الفرس باتساع ماء البحر ؛ حيث تطلق العرب البحر على الشيء الواسع ، لذا سميت البلدة المتسعة بحرا .
كما نقل رأيا آخر محتملا بأنه قد يكون المقصود بأن جري الفرس كالبحر في غزارته غير النافدة .
وقد سبق (الرضي) محاولات كالتي عند الجاحظ وابن قتيبة ؛ لكن لم تكن بنفس المنهج القائم الكامل الذي سلكه . (انظر مقدمة د محمد عبد الغني لتلخيص البيان في مجازات القرآن ص29) .
لكن ما ميز الطرح ، هو دمج الناحية الأسلوبية بمحتملات المعاني والأغراض ، وهذا نهج يتوفر على الجانب الاصطلاحي والجانب الفني الذوقي ؛ الذي يرشد المتتبع للدلالات المجازية .
ومن خلال تتبع لتحليله ، نلاحظ أنه ركز في ناحية المجاز على جانب دلالي أساسي في تأويل المفردات ، وهو (الاتساع والتوسع) الذي يمنح المفردة دلالة مجازية ، وتنوعا في المعاني المحتملة .
وقد تكرر لفظة (اتساع ، توسع ) كثيرا في ثنايا الكتاب .
مثل تحليله لمفردة (اليد الواحدة) والتي تطلق على أنصار الرجل وأعوانه من باب (الاتساع) تشبيها باليد التي ينتصر بها . ص13 .
وقد يأتي التوسع من أكثر من جانب للمفردة وعلاقتها بالمفردات الأخرى .
وأوضح شاهد لذلك تطرق الرضي في تحليله لحديث رقم (50) الذي تناول فيه عبارة : " (آخذ بحجزكم عن النار) ، ومراده عن الأعمال المؤدية إلى دخول النار ، لأن السبب للشيء جار مجرى نفس الشيء " ص78 .
حيث تتوسع الدلالة في إطلاق المسبب على السبب .
إضافة إلى عنصر التوكيد والتشبيه الذي يرتبط بالمجاز كثيرا .
ولعل اتكاء (الرضي) في تحليل ظاهرة المجاز ، مبني على رأي أستاذه ابن جني : " وإنما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعان ثلاثة ، وهي : الاتساع ، والتوكيد ، والتشبيه . فإن عدم هذه الأوصاف كانت الحقيقة البتة " .
لذا لا نألوا جهدا أن (الرضي) بمشروعه اللغوي البلاغي عبر كتبه الأربعة ؛ يعد نواة أولى للمنهج الدلالي في علم المعاجم عبر دمج الجانب اللغوي والبلاغي وتأويل المعاني المحتملة .
المزايا الأسلوبية للتحليل البياني .
هناك عدة سمات أسلوبية ومنهجية لكتاب المجازات النبوية ، وسنذكر من هذه السمات بشكل موجز ، تاركين التفصيل لدراسة أعمق .
1- استعمل الرضي مصطلح التأويل كثيرا في شرحه ، وهو يعني به توجيه معنى محتمل للنص وفق القراءة اللغوية أو العقلية . وقد يرجح إحدى المحتملات وقد لا يرجح ، لكنه لا يتعدى ما لا يتوافق مع العقل أو اللغة أو محكم القرآن .
فمثلا في حديث رقم 27 الذي تكلم عن رؤية الخلق لله ، وبعد أن بين أن سنده مطعون فيه ، تجاوز الظاهر الذي يشير إلى إثبات الرؤية ، بقوله : " ولو صح نقله (أي الحديث) وسلم أصله لكان مجازا كغيره من المجازات التي تحتاج إلى أن تحمل على التأويلات الموافقة للعقل " ص44 . ويعني بالتأويل العدول عن الظاهر إلى وجه يتناسب وتنزيه الله عن الجسمية والحدود .
2- الإتيان بالظروف التاريخية للرواية ، وهذا له دور في جلاء المعنى وكشف الغرض . كتبيانه للحديث الذي يشبه الشعر بنفث الشيطان ، حيث وجهه للشعر الباطل الذي يتهجم فيه على النبي الإسلام (انظر ص270 . حديث رقم 212) .
3- تضلع الرضي في علم أسانيد الحديث وعلوم متنه . وهذا ينم على أن الاختيار مرتبط بخلفية معرفة تخصصية لهذا العلم والفن ، وليس مجرد ذائقة وانتقاء أدبيين ، كالإتيان بأكثر من لفظ لبعض الاحاديث ، وهذا دليل على دقة النقل والاهتمام بالرواية .
وقد صريح في المقدمة ، حينما تحدث عن اختياره للأحاديث ، واقتطاعه منها ما يريد من " كتب غريب الحديث المعروفة ، وأخبار المغازي المشهورة ، ومسانيد المحدثين الصحيحة (...) وجميع ذلك مما أتقنا بعضه رواية ، وحصلنا بعضه إجازة ، وخرجنا بعضه تصفحا وقراءة " . ص8 و11 .
وقد بان ذلك تطبيقيا في أكثر من تحليل في ثنايا الكتاب ، منها :
* مناقشته في حديث (212) حول نفث الشيطان ، حيث عد الشعر من ضمن نفث الشيطان ، لكنه حدد أن المنبوذ ليس الشعر ، إنما المقصود به شعر المشركين الذي كان يهجى به النبي (ص) والمسلمين. واستدل بحديث :" إن من الشعر حكما " ، فلولا أن الذم كان لمطلق الشعر ، لما اختص النبي من الشعر شيئا ممدوحا واعتبر فيه الحكمة .
إضافة إلى أن الدلالة المجازية التي ارتكز عليها الحديث نسبت نفث الشيطان للمحتوى الذي تفوهت به أفواههم . ص271-270 .
تعليقه على حديث (27) حول تفسير تأويل رؤية الله من قبل عباده يوم القيامة . قال :
" وهذا الخبر كما قلنا مطعون في سنده ، ولو صح نقله وسلم أصله لكان مجازا كغيره من المجازات التي تحتاج أن تحمل على التأويلات الموافقة للعقل " ص44 .
بعدها اعتبر أن هذا الحديث من أخبار الآحاد ، وراح يحلل مسألة الحجية في خبر الآحاد ، ومناقشات لأقوال العلماء مع الاستدلال بالآيات والأحاديث والأوجه اللغوية ، واستغرق ذلك 4 صفحات( ص47-44 ) .
* استعراضه لحديث الغدير سندا ورواية ودراية ، عبر سرد أسماء الرواة وأسانيدهم ، والاحتجاج بالمعنى المراد في أكثر من حديث مشابه . واستغرق ذلك 4 صفحات (ص215-212) .
... وغيرها من الأمثلة .
4- تضلع الرضي في العلوم ، كمناقشته الفقهية لأقوال علماء المذاهب في مسألة الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة ص144-139 . وحول العلم والعلوم المعقولة والمنقولة ص177- 175 .
5- الاستشهاد بالقرآن ( 25 آية) واستشهاده بالشعر ، حيث بلغ تعداد الأحاديث التي استشهد بها ( 92 حديثا ) وعدد الأبيات أكثر من 100 بيت شعري .
6- وفرة التحليل المعجمي لمفردات ، حيث يستعين الرضي باستعمالات العرب في ذلك ، ويبين تميز الاستعمال الجديد لبعض الأحاديث وربطها باستعمالات العرب . كما أنه يستشهد بأقوال اللغويين ، و يسميهم كابن جني والفراهيدي وغيرهما . وهذا ينم عن عقلية لغوية معجمية يحظى بها الرضي ، مكنته من تحليل ظاهرة المجاز في مفردات الأحاديث وسياقها الداخلي والخارجي .
7- الإتيان بالأوجه الجديدة والمبتكرة . وهذا واضح في أكثر من حديث ، وقد تتكرر عبارة مثل : " وهذا التأويل لم أعلم أحدا سبقني إليه " ص20 . يقول ذلك بعدما يستفرغ كلام المختصين والسابقين .
8- الطابع الأسلوبي على تحليله الايجاز والاختصار والوضوح ، وقد يحيل أحيانا لكتبه الموسوعة كالحقائق والمجازات القرانية . وقد يكون ذلك راجع لمنهج اختياره للأحاديث القصيرة ، أو الاختيار من الأحاديث الطوال ما يريد .
9- توفر المنهج الاستدلالي في توجيه الأوجه ونقاشها بعدة طرق ، ومراعاة طبيعة الاستعمال والسياق ، والمنهج العقلي في توجيه المسائل الاعتقادية والفقهية والتاريخية .
10- لا يكتفي الرضي بعرض رأيه وتذوقه الادبي للنص الا مع قرائن لغوية وتاريخية وقرانية وروائية وعقلية ، وهذا ما قوى استعراض الأوجه والآراء .
وبذلك نختتم موضوعنا عن كتاب المجازات النبوية ، آملين أن نفصل ما أوجزناه ، ونحلل ما أجملناه في دراسة أخرى ، أكثر اتساعا وأوفى استيعابا للمنهج اللغوي والبلاغي للشريف الرضي .
جديد الموقع
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي
- 2026-04-01 إنقاذ مولودة تعاني من استرواح صدري مزدوج عبر فريق النقل الطبي لحديثي الولادة بتبوك
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية