2026/10/29 | 0 | 93
السَّيِّدُ مُحَمَّدْرِضَا السَّلْمَانُ (أَبُو عَدْنَانَ).. حِينَ تَتَحَوَّلُ الْغَزَارَةُ إِلَى ظَاهِرَةٍ
ليس من المستغرب أن نجد شاعرًا غزير الإنتاج، ولا أن نرى شاعرًا يمتلك أدواته الفنية، ويُحسن تطويع اللغة والصورة والإيقاع لخدمة تجربته الإبداعية؛ فقد عرف تاريخ الأدب العربي شعراء جمعوا بين غزارة القول وجودة الصياغة. غير أن ما يستوقف المتأمل حقًّا هو أن تجتمع كثافة الإنتاج، وانتظام العطاء، وتعدد الموضوعات، والمحافظة على الخصوصية الأسلوبية في تجربة شعرية واحدة، على نحوٍ يجعلها جديرة بالتوقف عندها، لا بوصفها نشاطًا أدبيًّا مألوفًا، بل بوصفها ظاهرة تستحق الدراسة والتأمل.
وهذا ما يدعونا إلى النظر في التجربة الشعرية لسماحة آية الله السيد محمدرضا السلمان الموسوي، المعروف "بأبي عدنان"، الذي بات عطاؤه الشعري المتدفق يطرح تساؤلات تتجاوز حدود الإعجاب بغزارة الإنتاج، لتلامس طبيعة الموهبة، وخصائص التكوين الشعري، والعلاقة بين كثافة الإبداع ومستواه الفني.
فمن يتابع نتاجه الغزير في الآونة الأخيرة يلحظ تدفقًا شعريًّا يوميًّا لافتًا، يبلغ في بعض الأيام أربع قصائد أو خمسًا، وربما أكثر، في تواتر يكاد يجعل القصيدة حدثًا يوميًّا متجددًا. وليس اللافت هنا عدد القصائد وحده، وإنما ما يصاحب هذا التتابع من تنوع في الموضوعات، وتعدد في المعالجات، وانتقال بين الأغراض الشعرية، بما يفتح أمام المتلقي مجالًا واسعًا للنظر في طبيعة هذه التجربة وطاقتها الإبداعية.
إن الغزارة الشعرية، في ذاتها، ليست معيارًا كافيًا للحكم على القيمة الأدبية؛ فقد يكثر الإنتاج ويقل الإبداع، وقد يندر القول وتبلغ القصيدة منزلة رفيعة من النضج الفني. غير أن الغزارة حين تقترن بقدرة ظاهرة على تنويع المعاني، واستحضار الصور، والمحافظة على البناء الإيقاعي، فإنها تكتسب دلالة أخرى، وتتحول من مجرد ظاهرة كمية إلى مسألة نقدية تستدعي البحث في مصادر هذا التدفق وآلياته.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو تجربة أبي عدنان جديرة بالاهتمام؛ إذ لا يتعلق الأمر بشاعر يكتب قصيدة بين حين وآخر، وإنما بشاعر يمارس النظم بكثافة وانتظام، حتى ليبدو الشعر عنده ملكة حاضرة، تستجيب للمناسبة، وتتفاعل مع الحدث، وتستدعي من مخزونها اللغوي والثقافي ما تحتاج إليه عملية البناء الشعري. ولعلي لا أبالغ حين أدعي بأنه في كثير من الأحيان ينحت مفرداته نحتًا غير مسبوق، في تطويع سلس وملفت لآليات اللغة العربية ومفرداتها.
ولعل من أبرز ما يميز هذه التجربة اتساع الدائرة الموضوعية التي تتحرك فيها القصيدة؛ فالشاعر لا يحصر قريحته في غرض واحد، بل تتوزع اهتماماته بين الموضوعات الدينية والوجدانية والاجتماعية والتاريخية والتأملية، وغيرها من المجالات التي تتيح للشعر أن يتصل بالحياة في وجوهها المختلفة.
وهذا التنوع ليس أمرًا ثانويًّا في تقويم التجربة؛ لأن الانتقال بين الموضوعات يستلزم قدرة على تغيير زاوية النظر، واختيار المعجم المناسب، واستحضار الصورة الملائمة، وضبط النبرة التعبيرية وفق مقتضيات المقام. ومن هنا تتضح أهمية النظر إلى هذا النتاج بوصفه تجربة متعددة المسارات، لا مجرد قصائد متتابعة يجمعها اسم شاعر واحد.
ولا تقف خصوصية هذه التجربة عند حدود القصيدة العمودية وتعدّد أغراضها؛ فثمّة ميدان آخر تتجلَّى فيه قدرة السيد أبي عدنان على امتلاك النَّفَس الشعري الطويل، يتمثَّل في الأراجيز المطوَّلة التي تتجاوز مئات الأبيات لتبلغ الآلاف، بما يستلزمه هذا اللون من طاقة على الاسترسال، وإحكام البناء، والمحافظة على النسق الإيقاعي عبر مساحات شعرية شاسعة. ويُضاف إلى ذلك حضوره في الشعر الشعبي والشعر الحر، بما يكشف عن اتساع أدواته التعبيرية، وتعدد القوالب التي تتحرك فيها قريحته.
غير أن لكلٍّ من هذه الميادين خصائصه الفنية وقضاياه النقدية التي تستحق وقفة مستقلة، ولا يتسع المقام هنا لاستيفائها؛ ولذلك نترك الحديث عنها لمناسبة أخرى، نرجو أن تتاح فيها فرصة النظر إلى هذه الجوانب بما تستحقه من تفصيل وتحليل.
وثمة جانب آخر يستحق الالتفات، يتمثل في العلاقة بين سرعة الاستجابة الشعرية والمحافظة على مقتضيات الصنعة الفنية. فالشعر العمودي، بما يفرضه من التزامات عروضية وقافية منتظمة، يحتاج إلى قدر من التمكن اللغوي والإيقاعي، ولا سيما حين يتواصل إنتاجه بهذه الكثافة.
غير أن التمكن من الوزن والقافية، على أهميته، لا يستنفد شروط الجودة الشعرية؛ إذ تبقى قيمة القصيدة مرهونة بقدرتها على إنتاج المعنى، وتشكيل الصورة، وتحقيق التماسك، وتجاوز التعبير المألوف إلى ما يمنح النص خصوصيته وأثره.
ولهذا فإن القراءة النقدية المنصفة لتجربة أبي عدنان ينبغي أن تتجاوز الانبهار بكثرة القصائد، لتبحث في مستوياتها الفنية، ودرجات تفاوتها، ومواطن التجديد فيها، والسمات التي تمنحها هويتها الخاصة. فليس من مقتضيات الإنصاف النقدي افتراض تساوي النصوص جميعها في المستوى، وإنما النظر إلى التجربة في مجموعها، ورصد ما يتكرر فيها من عناصر القوة، وما يطرأ عليها من تطور وتحول.
وإذا كان من المشروع أن نصف هذا الحضور الشعري بأنه "ظاهرة"، فإن المقصود ليس إطلاق حكم تفاضلي على الشاعر قياسًا إلى غيره، وإنما الإشارة إلى حالة إبداعية لافتة في انتظامها وكثافتها وتنوعها، تستحق أن تُدرس بأدوات النقد والتحليل.
فالظاهرة الأدبية لا تتحدد بالعدد وحده، وإنما بما يكشفه التراكم من خصائص، وما يثيره من أسئلة، وما يتيحه من إمكانات لفهم التجربة الإبداعية في أبعادها المختلفة.
ولعل السؤال الأهم الذي تطرحه هذه التجربة هو: كيف استطاع الشاعر أن يجعل من النظم ممارسة متواصلة بهذا القدر من الانتظام؟ وما طبيعة الرصيد المعرفي واللغوي والثقافي الذي تستند إليه هذه القدرة؟ وإلى أي مدى أسهمت الممارسة الطويلة في تحويل أدوات الشعر من مهارات تستدعي جهدًا ظاهرًا إلى ملكة راسخة تستجيب للمعنى في سرعة ويسر؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تتحقق بالانطباعات العامة، مهما بلغت درجة صدقها، وإنما تحتاج إلى دراسة نصية تستقرئ نماذج متعددة من شعره، وتقارن بين موضوعاتها وأبنيتها وصورها وخصائصها الإيقاعية، وتبحث في تطور تجربته عبر مراحلها المختلفة.
وأقول هذا من موقع المتابع الذي أتيحت له فرصة الاطلاع المتواصل على جانب واسع من إنتاجه الشعري، حتى أصبحت متابعة قصائده جزءًا من يومياتي. وقد أتاحت لي هذه المتابعة أن ألحظ عن قرب حجم هذا التدفق، وتعدد مساراته، وما يثيره من تساؤلات حول طبيعة هذه القدرة الشعرية التي لا يبدو أنها تعرف الانقطاع إلا لتستأنف عطاءها من جديد.
ولست أرى أن أفضل ما يمكن تقديمه لهذه التجربة هو الإكثار من عبارات الثناء، على ما يستحقه صاحبها من التقدير، بل إن الإنصاف الحقيقي يقتضي أن نمنحها حقها من القراءة الجادة؛ لأن الشعر الذي يتراكم بهذه الصورة لا ينبغي أن يبقى حبيس التلقي العابر، بل يستحق الجمع والتوثيق والتصنيف والدراسة، بما يحفظ مادته الأدبية، ويتيح للباحثين الوقوف على خصائصه وموقعه في المشهد الشعري المعاصر.
وخلاصة القول، إن ما نشهده في تجربة السيد محمدرضا السلمان "أبي عدنان" يتجاوز حدود الغزارة العددية إلى حضور شعري متواصل، تتداخل فيه الموهبة والممارسة والخبرة اللغوية والثقافية، وتبرز من خلاله ملامح تجربة تستحق أن تكون موضوعًا لبحث نقدي مستقل.
وإذا كانت القصيدة الواحدة تكشف جانبًا من شاعرية صاحبها، فإن تراكم القصائد على هذا النحو الملفت يفتح نافذة أوسع على طبيعة تكوينه الإبداعي، ويمنحنا فرصة نادرة لمتابعة حركة الشعر في لحظة إنتاجه، لا بعد اكتمال مسيرته فحسب.
إننا، فيما يبدو، لسنا أمام شاعر يكثر من كتابة القصائد وحسب، بل أمام حالة شعرية متدفقة، باتت غزارتها وانتظامها وتنوعها تفرض سؤالها على المتلقي والناقد معًا.
ولعل أبلغ ما يمكن أن نختم به هذه القراءة أن نقول:
ليس السؤال اليوم: كيف يستطيع أبو عدنان أن يكتب كل هذا الشعر؟ بل كيف نستطيع نحن أن نقرأ هذا الشعر كله، ونستوعب أبعاده، وننصف تجربته بما تستحقه من تأمل ودراسة؟
فبين شاعرٍ لا يكاد ينقطع عن النظم، وقارئٍ يحاول مواكبة هذا الفيض، تتشكل ملامح ظاهرة أدبية تستحق أن يُلتفت إليها، وأن يُكتب عنها، وأن يُنظر إلى ما وراء غزارتها من مقومات الإبداع وأسرار الملكة الشعرية.
جديد الموقع
- 2026-10-29 أمانة الأحساء ترفع جاهزيتها لموسم الأمطار
- 2026-10-29 جمعية البر بالأحساء تتابع أداء مراكزها عبر منصة «أثر»
- 2026-10-29 من قلب باريس.. الأدب السعودي يحلّق بـ "القيم الإنسانية العليا" وتجربة "حافة النهر صعوداً" للدكتور عبدالله البطيان:
- 2026-10-29 بر الفيصلية بالهفوف يستضيف اليوم العالمي لكبار السن الذي نظمته جمعية (رحماء )
- 2026-10-29 *ذهبية وثلاث برونزيات للقادسية في بطولة المملكة للفردي لكرة الطاولة*
- 2026-10-29 *القادسية يحصد 6 ميداليات في بطولة قطر الدولية للتايكوندو*
- 2026-10-29 سمو محافظ الأحساء يزور مشروع "سڤن" الترفيهي ويطّلع على مستجدات تنفيذه ومرافقه
- 2026-10-29 بمشاركة 6 جهات.. الكلية التقنية للبنات بالأحساء تنظّم «الملتقى الأخضر» لتعزيز الاستدامة البيئية
- 2026-10-29 الأديب محمد العلي.. رحيل الجسد وجدلية الإرث الفكري
- 2026-10-29 نجيب محفوظ والقراءة - 2