2017/06/14 | 0 | 1874
التصوير الفني في القرآن : سيد قطب
يعد سيد قطب من أوائل الرواد الذين ألفتوا الانتباه لظاهرة التصوير التعبيري في آيات القرآن .
ويعود هذا الاكتشاف كما أفصح في مقدمة كتابه (التصوير الفني في القرآن) إلى مرحلة مبكرة من عمره ، حيث جناح خيال طفولته ، يرسم تصورات لما توحيه إليه بعض الكلمات من تفاعل حسي بسيط ، تربط بين عالمه ، وبين ما يصل إليه من كلمات قرآنية تتلى .
ويزعم أن وجدانه الطفولي علقت فيه تصاوير بدأ يستوعبها حينما كبر ، ليعدل مسارها ويوجهها بحسب واعيته الناضجة .
لكنه بقي مدينا لذلك التفاعل في مخيلته والرسومات التصويرية التي تفاعل معها .
فمما كان يدور في خلده آنذاك تصوره الساذج عن قول الله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ) [سورة الحج 11] .
يقول عن تصوره :
" لقد كان يشخص في مخيلتي رجل قائم على حافة مكان مرتفع : مصطبة (...) يصلي ، ولكنه لا يملك موقفه ، فهو يتأرجح في كل حركة ، ويهم بالسقوط وأنا بإزائه ، أتتبع حركاته ، في لذة وشغف عجيبين " ص٦ .
وبعد تلك المرحلة كبر ذلك الطفل ودخل المعاهد وتتلمذ على يد الأساتذة ، وسمع تفسير القرآن من هؤلاء ، لكنه على حد تعبيره ، لم يجد القرآن الجميل الذي كان يجده في الطفولة والصبا ! .
فما الذي حصل ؟! .
لقد تساءل :
" ترى هل هما قرآنان ؟ قرآن الطفولة العذب الميسر المشوق ، وقرآن الشباب العسر المعقد الممزق ؟ أم إنها جناية الطريقة المتبعة في التفسير " ص٧ .
إلى أن اهتدى بقوله :
" وعدت إلى القرآن أقرؤه في المصحف لا في كتب التفسير (...) لقد تغير فهمي لها [أي للآيات] ، فعدت الآن أجد مراميها وأغراضها ، وأعرف أنها مثل يضرب ، لا حادث يقع " ص٧ .
إن هذا الاكتشاف الذي امتد من طفولته حتى اختمار تجربته العلمية والتذوقية ، لم يختلف كثيرا عن ألق التفاعل والتصور ، فهناك تصورات وهنا تصورات ، ولكنه استطاع التعرف إلى غرضها ومغزاها .
وبدأ بنشر صور من نماذج القرآن في بحث بمجلة المقتطف عام ١٩٣٩م ، بعدها توجه لتأليف كتاب يحوي هذا الهم الفني حيث تتصدر لغة التصوير قاعدة التعببر القرآني ، ليبقى القرآن جميلا كما وجده سابقا ووجده بعد ذلك .
وقد صدرت الطبعة الأولى للكتاب عام ١٩٧٢م .
في بداية الكتاب انطلق سيد قطب من البعد التاريخي لنزول القرآن وأثر سحر لغته عند العرب ، ثم جنح للناحية الفنية في إعجازه عند المفسرين والبلاغيين ، ليجد أن البلاغيبن شغلوا بمباحث عقيمة عن اللفظ والمعنى وغلبة روح التقعيد الجاف ؛ على الرغم من توافر الصور الحركية والحافلة بالحياة في آياته .
وتطرق لمحاولة الزمخشري والجرجاني في في تحليل الظاهرة البلاغية .
وكان يلحظ عليهم طغيان العقلية الجزئية التي تتناول كل نص على حدة ، فلم تتجاوز محاولاتهم النص الواحد في خصائصه الفنية .
مفهوم التصوير الفني :
قدم سيد قطب وصفا للتصوير واعتبره الأداة المفضلة لأسلوب القرآن " فهو يعبر بالصورة المحسة المتخيلة عن المعنى الذهني ، والحالة النفسية ، وعن الحادث المحسوس ، والمشهد المنظور ، وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية . ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة ، أو الحركة المتجددة (...) فهو تصوير باللون ، وتصوير بالحركة ، وتصوير بالتخييل ، كما أنه تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل ، وكثيرا ما يشترك الوصف والحوار وجرس الكلمات ونغم العبارات وموسيقى السياق في إبراز صورة من الصور ، تتملاها العين والأذن ، والحس والخيال ، والفكر والوجدان " ص٣٢-٣٣ .
ثم يعطي مثالا لهذا الوصف :
* يريد القرآن أن يبين الذين كفروا بأنهم لن ينالوا القبول عند الله ، ولن يدخلوا الجنة إطلاقا . فنجد أن أسلوبه لا ينحو التجريد ، بل يكسو التصوير أسلوبه ، كما في قول الله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) [سورة اﻷعراف 40] .
حيث تختار الآية كلمة (الجمل) وهو الحبل الغليظ لتتصور تلك الصورة المستحيلة لولوجه في سم الخياط ، ويدع للحس مساحة للتأمل واستجابة المعنى .
ويستمر على منوال الأمثلة والتحليل والتوضيح من (ص٣٤ حتى ٧١ ) ، حيث يطغى التخييل والتجسيم على تصوير الأساليب القرآنية سواء على مستوى المفردة أو التركيب الجملي أو الحواري أو المشاهد القصصية .
بعدها يتطرق في فصل عن : ( التناسق الفني ) ، ليستخلص مخطط الهندسة الأسلوبية التعبيرية للقرآن في تأليف عباراته ، وإيقاع موسيقاه وفواصله ، والتناسب في الانتقال من غرض إلى غرض ، ... وغيره .
وقد أعطى أمثلة عدة ، منها في انتقاء مفردة (الدواب) بحسب الغرض ، وهو قوله تعالى : (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) [سورة اﻷنفال 22] .
يقول :
" فإن (الدواب) تطلق عادة على الحيوان - وإن كانت تشمل الإنسان فيما تشمل لأنه يدب على الأرض - ولكن شمولها هذا للإنسان ، ليس هو الذي يتبادر إلى الذهن ... " .
ثم يبين السبب بقوله :
" تجسيم الحالة التي تمنعهم من الانتفاع بالهدى بوصفهم الصم البكم ، كلاهما يكمل صورة الغفلة والحيوانية ، التي يريد أن يرسمها لهؤلاء الذين لا يؤمنون لأنهم (لا يعقلون) " ص٧٥ .
ثم أتى بعدة نماذج متنوعة ، ومما أشار له (وحدة الرسم التصويري) في السورة الواحدة ؛ بخاصة قصار السور ، حيث تقع على هندسة أسلوبية في مسافات الجمل والموسيقى والإيقاع .
بعدها انتقل إلى القصة القرآنية وتوظيفها للتصوير الحيوي والحركي البديع ، وربط ذلك بأغراضها الدينية .
وأتى بنماذج كثيرة مع التحليل المتناسب .
وأشار في هذا إلى طرق العرض المتنوعة ، وعنصر التشويق والمفاجأة ، والانتقاء والتكرار ، وتقسيم المشهد ، ورسم الشخصيات ، حيث يتجلى التصوير في هذه الخصائص الفنية بأجلى رسمه وجماله .
ثم يربط الغاية من هذه الأساليب عبر (المنطق الوجداني) الذي يقصده القرآن في ترسيخ وبث روح القيم والعقيدة والتشريع ، وأقصر الطرق للضمير والوجدان هو الحس والذهن المتخيل .
يقول :
" لقد عمد القرآن دائما إلى لمس البداهة ، وإيقاظ الإحساس ، لينفذ منهما مباشرة إلى البصيرة ، ويتخطاهما إلى الوجدان ، وكانت مادته هي المشاهدة المحسوسة والحوادث المنظورة ، أو الحوادث المشخصة ، والمصائر المصورة ... " ص١٨٤ .
وعبر محاولة سيد قطب ، نجده يتجاوز مشكلة اللفظ والمعنى التي وقع فيها البلاغيون ، حيث فصلوا بين المفردتين ، في حين أنهما وحدة منسجمة لا تقبل الانفكاك في النص البلاغي المعجز .
ليس هذا فقط ، بل ويربط بين المعاني والأغراض ونوع المخاطب ، وهذا أنسب للغة الخطابية القرآنية .
وفي أخريات الكتاب يذكر المؤلف أن أعمالا ستصدر لتكمل هذا المشوار ، هي : مشاهد القيامة في القرآن ، القصة بين التوراة والقرآن ، النماذج الإنسانية في القرآن ، المنطق الوجداني في القرآن ، أساليب العرض الفني في القرآن .
خاتمة /
1- بنظرة عامة ، يعتبر الكتاب محاولة رائدة في تتبع ظاهرة التصوير الأسلوبي والتعبيري للقرآن ، وعادة تكون أولى المحاولات إشارات وتلميحات ووقفات متنوعة ومجتزأة .
لكن الباحثين والمختصين لا شك انتبهوا لذلك وطوروا هذه المحاولة ووسعوا الدراسات ، انطلاقا من ذلك .
2- يكفي محاولته هذه أنها تعد قفزة تجاوزت الإلماح عما سبق من العلماء في عالم الأساليب البيانية ، وتزامن هذا الاكتشاف مع اكتشافات علماء الطب والتشريح والأعصاب والنفس
بمجال أبحاث الدماغ الحديثة للتعرف إلى مؤثرات الذهن البشري ، وأثر الأنماط الصورية والاستشعارية الحسية والسمعية
في ترسيخ التعلم والفكرة ، وتكوين الاتجاه والسلوك .
3- كما تشير الأبحاث النفسية والإعلامية إلى دور الكلمة المصورة ( بأنماطها الفنية والحسية والمتخيلة) ؛ ليس في إيصال المعلومة أو الاتصال العام ، إنما في إحداث عمليات الإقناع والتأثير والتوجيه .
وبمرور سريع للغة القرآنية ، نجدها الأوفر والأكثر في مجال الأنماط الصورية والسمعية والاستشعارية ، والأقل في جانب التجريد والاستعمال المؤدي للمعاني بنحو عام .
وهذا يعني أن اللغة الخطابية القرآنية لغة مصورة وحيوية وحركية بامتياز ؛ تشد المتأمل والمتدبر ، وهذا أدعى لإحداث التأثير في أنواع المخاطبين باختلاف مشاربهم واتجاهاتهم وأنماطهم الذهنية .
جديد الموقع
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي
- 2026-04-01 إنقاذ مولودة تعاني من استرواح صدري مزدوج عبر فريق النقل الطبي لحديثي الولادة بتبوك
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية