2014/10/06 | 0 | 1888
مصيبة الحسين ..المبالغة والحقيقة
قراءتي الشخصية للموضوع هي أن الحادثة الأليمة للحسين عليه السلام ليست سردا لمعلومات مجردة وأرقام عن عدد القتلى او الجرحى او رواية تاريخية تفصيلية محققة ومدققة بل تحولت عن قصد وعمد من أهل البيت عليهم السلام بمرور الزمن إلى قصة رمزية شاعرية أكثر منها رواية تاريخية يراعى فيها تحري الدقة والحقيقة.
وبسبب الشحن العاطفي المتعمد عبر التاريخ والذي لا يخلو - حتى في أي حادثة إنسانية أخرى - من الزيادات والإضافات لاعطاء الحس العاطفي عمقا إنسانيا اكثر.اعتبره البعض زيادة مخلة وتغيير للحقائق .وهذا مفهوم خاطئ لطبيعة القصص الرمزية.
فهل المبالغة والزيادات بشكل عام تؤثر على رمزية الحادثة؟
القصص والأساطير شكلت عبر التاريخ جزء من تكوين المجتمعات الإنسانية ، تعالج قضاياها الأخلاقية والمعتقدات دينية وتفسيرات للعالم من حولنا ، لا تخلو من غموض ومسحة من القداسة .
وهي – بما فيها من مبالغات – لا ينظر لها على أنها حقائق أو منافية للعقل ،إذ انها ذات معنى معبر ولا يجب أن نحكم عليها كحقائق إخبارية كما قد يتبادر للذهن لكنها نوع من التقييم للحوادث وإسقاطها على حياتنا الواقعية بطريقة تخيلية أو تصورية.
فالقصص الرمزية والاساطير حتى تلك التي تروى على لسان الحيوانات مثلا او الرحلات لجزر خيالية لا يستهجنها المستمع او القارئ ويتعامل معها من حيث المعنى وليس كونها اخبار حقيقية ام لا ولا تخضع للمنطق وترفض على اساسه
ولو اعتبرناها – كما يرى البعض - إخبارية مجردة تخضع لمقاييس : حقيقي و غير حقيقي فهذا يجردها من روحها وغرضها وهو تقييم وتحديد الموقف الأخلاقي في القصة و المشاعر التي تنتج من تفاعلنا الغني عاطفيا مع أحداث وشخصيات القصة .
يقول صلاح نصر في كتابه ( الحرب النفسية ) عن الأساطير: (ما قيمة فصل الحقيقة عن الخيال ؟ أليس ما يمثله أبطال التاريخ وأصحاب الرسالات الإنسانية كل طموح الطبقات الغالبة من البشر وأمانيها ؟ أليست قيمة الأسطورة كرمز أنها تعبر عن هدف روحي لقضية معينة أكثر أثراً وفضلاً للبشرية من مؤرخ (وظيفته ) القيام بفصل الحقيقة التاريخية الخالصة عن الخيال الذي جاء بتطور الأجيال ؟ )
ومن المعروف أن رمزية حادثة الإمام الحسين عليه السلام -بدون الدخول في التفاصيل والحقائق - في كونها قصة للصمود ضد الباطل والشجاعة والقيم الأخلاقية العيا ، تروى سنويا مشحونة بعاطفة قوية متأججة عام بعد عام منذ سنة 61هـ وحتى اليوم ، ولم يكن مهما فيها تفاصيل التفاصيل بقدر الأهمية الرمزية الأخلاقية للقضية .
ولعل الاهداف من التكرار المستمر للحادثة متعددة.واحدها احداث التغيير بقوة العاطفة في سلوك المستمعين.فهل لهذا الهدف أصل علمي؟
- تأثير القصص ( الخيالية ) على الدماغ :
هل للقصص تأثير على الإنسان ؟ حتى الخيالية منها ؟
يؤكد علماء الدماغ أن الدماغ البشري في حالة مستمرة من التفسيرات للأحداث والظواهر من حوله بلا توقف ويراها على انها إما حقائق او خيالات ،
وهي ضرورية للحفاظ على الاستقرار الداخلي ، ويختلف تفسير كل شخص عن الآخر حسب خبراته وتجاربه ، وتختلف لذلك الأحكام على الشيء نفسه بين شخصين أو أكثر ،
لكن الأساطير والقصص تمثل نوع من الخبرات الخيالية والأحكام المنقولة على لسان أشخاص آخرين - حقيقيين او خياليين - وهي خبرة تصويرية منقولة لفظياً يستوعبها الدماغ ويشكلها في منظومته كخبرات ذاتية وتعلق في ذاكرته بقوة كما لو أنه عاش أحداث القصة بنفسه ، ولها القدرة على التغيير في شخصيته وأحكامه .
ويقول البروفسور في علم الأعصاب غريغوري بيرنز من جامعة إيموري في أتلانتا ، جورجيا في دراسة حول تأثير قراءة القصص على الدماغ ( اختيرت قصة عاطفية خيالية لهذا الغرض ):" القصص تشكّل حياتنا، وفي بعض الحالات تساعد على تحديد هويّة الشخص. أردنا أن نفهم كيف تؤثر القصص في الدماغ، وماذا تفعل به".
وخلصت الدراسة إلى أن بعض القصص هي من القوة بحيث أنها قد تغير بشكل دائم طريقة عمل الدماغ ، ويمكن أن نرى الآثار العصبية لعدة أيام بعد توقف المتطوعين عن قراءة كتب القصص .
ومن المثير أيضاً في الدراسة النتيجة التي تشير إلى زيادة نشاط المناطق الدماغية التي تربط الأفكار بالأفعال ويقصد بها -حسب د. بيرنز - الأجزاء من الدماغ التي تجعلك على سبيل المثال، ترغب في الخروج لممارسة رياضة الركض عندما تفكر بان تركض.
- القصص.. أمان لاستمرار أيدولوجيتنا (معتقداتنا).
اختم مقالي بان الاستماع للقصص يجعلنا نشعر بالأمان في استمرار أيدولوجيتنا ( معتقداتنا ) فهي تخدم دماغنا في بلورة معنى العالم من حولنا وتعمل على استقراره الداخلي ، وهي أدوات للتفسير والتوضيح من خلال الاستشهاد بالماضي لجعل هذا الحاضر صالحاً وممكناً للعيش رغم التغيرات والكوارث التي تصيب الإنسان .
جديد الموقع
- 2026-05-06 الاستبعاد الاجتماعي بناءً على ملامح الوجه
- 2026-05-06 حين يحتاج العقل إلى تنظيف خزّانه: دعوة إلى اليقظة الفكرية
- 2026-05-06 السير الذاتية بين الحقيقة والتزوير
- 2026-05-06 محمود درويش والقراءة
- 2026-05-06 أفراح الصالحي والجابر تهانينا
- 2026-05-06 أفراح العباد والمعني وآل طه تهانينا
- 2026-05-05 كانت...
- 2026-05-05 *قدم الفرق بين الطبيب والذكاء الاصطناعي..د.عروة حاميش أخصائي الأمراض الباطنية بمستشفيات الحمادي:* *الاعتماد في أخذ المعلومة الطبية من وسائل الذكاء الاصطناعي دون معرفة ودراية عن صحتها ومصدرها عامل مؤثر في الشك بقرارات الأطباء*
- 2026-05-05 الرئيس التنفيذي لـ "الشرقية الصحي" يتفقد مركز المراقبة الصحية في منفذ جسر الملك فهد
- 2026-05-05 سمو محافظ الأحساء يكرّم 95 طالبًا وطالبة في جائزة "منافس" الوطنية 2026