2025/10/15 | 0 | 1613
عبدالله باشا السعدون في مواجهة فساد السلطة العثمانية في الأحساء
اتسمت فترة الحكم العثماني الثاني في الأحساء (1288م -1331هـ/1871م – 1913م) بانعدام الأمن وانتشار الفساد الإداري والمالي بين موظفي الدولة العثمانية في هذه المنطقة البعيدة عن السيطرة المركزية للإمبراطورية العثمانية وفي ظل تراجع نفوذ الدولة العثمانية1 .
إذ لم يمضي سوى فترة وجيزة على حملة أحمد مدحت باشا على الأحساء والقطيف والتي قادها محمد نافذ باشا والتي وعدت الاهالي باستتباب الأمن والقضاء على قطاع الطرق واللصوص، حتى عاد الوضع الامني إلى التدهور مجدداً لعدة أسباب منها تناقص عدد الجنود الموجودين في اللواء بسبب فتك الأمراض المستوطنة بالمنطقة مثل الملاريا والحمى والكوليرا، ونقص العناية الصحية2. وكان السبب الثاني هو عدم معرفة السلطات العثمانية بكيفية التعامل مع القبائل البدوية التي تثير المشاكل وتعتبر قطع الطرق مورد رزق لها. والسبب الثالث الرئيسي هو الفساد الإداري الذي راح يضرب بأطنابه في صفوف السلطات المحلية العثمانية ابتداءً من المتصرف وقادة الجند ومأموري السجن ومسئولي الحسابات والضرائب، إذ كان هؤلاء يتقاسمون غلة السرقة والنهب مع قطاع الطرق واللصوص ويتواطؤون معهم.
ولذا فقد توالت الاخفاقات الأمنية واحبط الأهلي من الأداء السيئ للسلطات العثمانية، وبالطبع قاد هذا الوضع إلى تدهور القطاع الاقتصادي والزراعي بالمنطقة ففي شهر جمادى الأولى 1288هـ قام أفراد احدى القبائل بمهاجمة قافلة تجارية قادمة من الهفوف إلى العقير ونهبها وتكررت حوادث متشابهة في شهر رجب 1288هـ. ولم يقتصر الأمر على نهب القوافل بل تعدى ذلك إلى نهب المحاصيل الزراعية وتخريب المزارع التي تعتبر عماد الاقتصاد في واحتي الأحساء والقطيف.
ولم يكن الأمر محصوراً بذلك بل تعداه إلى إرهاب التجار في متاجرهم ومهاجمة السكان في منازلهم وابتزازهم كما قام به المدعو (محسن بن رزين) والذي يعتبر أكبر لصوص الأحساء، إضافة إلى شخص أخر أسمه (النويدس) الذي تخصص في اللصوصية وسرقة المنازل3.
في ظل هذا الوضع الأمني المتردي بزغ نجم احد الشخصيات الأحسائية الوطنية وهو عبدالله باشا السعدون والذي كان له مواقف مشهورة في مكافحة فساد السلطة والقضاء على قطاع الطرق واللصوص وإرسال الخطابات العديدة إلى السلطان العثماني للشكوى من فساد المتصرفين والقادة العسكريين وسوء إدارتهم في المنطقة4.
ولد عبدالله باشا السعدون في مدينة المبرز عام 1235هـ/1819م، ويرجع أصل أسرة السعدون في الأحساء إلى قبيلة بني خالد المعروفة والتي حكمت الأحساء لفترات متعددة، وهم شيوخ السياسب من بني عقيل بن عامر من قيس عيلان العدنانية.
وقد كان الشيخ عبدالله أكبر من مجرد عمده لحي السياسب، إذ كان لديه قوة عسكرية من أهالي المبرز وكان محط احترام السلطات العثمانية، وهو حاكم مدينة المبرز، كما عرّفه لوريمر في "دليل الخليج العربي": (الشيخ عبدالله بن سعدون أحد سكان حي السياسب بمدينة المبرز وهو حاكم المدينة كلها من سلالة حكامها القدامى ويتصل نسبه إلى بني خالد)5. وذكره الدكتور عبدالله السبيعي بقوله: (عبدالله السعدون حاكم لمنطقته وله علمه الخاص وسنده من القبائل البدوية)6.
في هذه الأثناء، ولضعف الولاة والعساكر العثمانية، فقد ساهم الشيخ عبدالله السعدون في حماية الأحساء والأهالي، وحماية القوافل التجارية المتجهة من العقير إلى الهفوف7، ومتابعة المجرمين والقضاء عليهم، وحفظ الأمن في المنطقة، ومنها ما قام به من مساعدة المتصرف محمد عاكف باشا في القبض على المجرم محسن بن رزين ورفاقه وتنفيذ حكم الاعدام بهم، بالرغم من تساهل المتصرف معهم.
والوثيقة التالية(وثيقة 1) الموجهة من اعيان البلاد إلى السلطات العثمانية تبرز دور عبدالله باشا السعدون في القضاء على المجرم محسن بن رزين وزمرته التي عاثت في البلاد فساداً وإجراماً.
(صورة وثيقة رقم 1)
ولذا فقد ارتفعت مكانته عند السلطات العثمانية العليا، وهذا مما أوغر صدور الحساد والمنتفعين من الفساد عليه، فاعدوا خطه مضادة لتشويه سمعته وأشاعوا انه يقوم بأعمال تنتقص من هيبة الدولة وانه يحرض الأهالي على التمرد والثورة عليها، وذلك لحث السلطات العليا على اصدار فرمانات ضده وطلب تهجيره ونفيه من الأحساء.
وقد أبلغ نائب المتصرف عبدالله باشا السعدون بهذه الخطة، وانتشر الخبر عند الأهالي الذين قاموا بإعداد خطابات عديدة مرسلة للسلطان العثماني دفاعاً عنه والوثيقة التالية (وثيقة 2) هي إحدى هذه الخطابات.
(صورة وثيقة رقم 2)
وقد أثمرت هذه الخطابات عن إفساد خطة الوشاة ومعرفة السلطان العثماني بمكانته وجهوده وأن تقارير الولاة والمتآمرين عنه كانت مخض كذب وافتراء. ولذا تم دعوته إلى اسطنبول معززاً مكرماً وأنعم عليه بلقب باشا ورتبة أمير الأمراء8، وأعطي علماً خاصا به. والذي على ضوئه أرسل الأهالي خطابات شكر للدولة على إنصاف الشيخ عبدالله وإكرامه وتقدير مكانته، والوثيقة التالية (وثيقة 3) هي إحدى هذه الخطابات. وكذلك الوثيقة التالية (وثيقة 4) مرسلة من أهالي الأحساء ومصدقة من كل من مختار محلة الشعبة ومختار محلة المقابل ومختار محلة العيوني ومختار محلة السياسب بمدينة المبرز، إلى السلطان عبدالحميد الثاني في هذا الموضوع. كذلك ورد في كتاب "من وثائق الأحساء في الأرشيف العثماني": (عبدالله السعدون: من شيوخ الأحساء وأعيانها في تلك الفترة، عمل رئيسا للأملاك السنية فيها، زار استانبول واستقبل بحفاوة، بناء على دوره في توفير الأمن لمنطقة الأحساء)9.
توفي عبدالله باشا السعدون مطلع عام 1326هـ/ 1908م، مما مكن السلطات الفاسدة في التمادي في فسادها والتآمر مع اللصوص وقطاع الطرق لنهب وتخويف الأهالي إلى درجة أن عَمد الأهالي إلى حراسة بيوتهم وممتلكاتهم بأنفسهم وكانوا يقبضون على اللصوص ويسلمونهم للسلطات والتي تقوم بإطلاق سراحهم بعد فترة وجيزة.
لذا اتفق أهالي الأحساء بجميع فئاتهم وانتماءاتهم المذهبية على التخلص من السلطات العثمانية والكتابة إلى الملك المؤسس لإنقاذهم من هذا الوضع المتردي، فتم بحمد الله تعالى دخول الملك عبدالعزيز للأحساء وطرد القوات العثمانية فيها سنة 1331هـ/ 1913م واستتب الأمن والأمان في ربوع الأحساء بفضل القيادة الحكيمة للملك عبدالعزيز طيب الله ثراه.
(صورة وثيقة رقم 4)
ونظراً لما تمتع به الشيخ عبدالله باشا السعدون رحمه الله تعالى من شعبية جارفة بين الأهالي نظراً لموافقة الوطنية فقد رثاه العديد من الشعراء ومما قاله الشاعر عبدالرحمن العودة في رثائه عندما علم بوفاته وهو في قطر10:
المصادر
1. د. عبدالله بن ناصر السبيعي، " الأمن الداخلي في الأحساء والقطيف وقطر أثناء الحكم العثماني الثاني: 1288-1331هـ/ 1871-1913م "، دراسة وثائقية، الرياض 1420هـ/ 1999م، صفحة رقم 98.
2. أمل مطر العصيمي، " الحكم العثماني في الإحساء وحتى استرداد الملك عبد العزيز رحمه الله لها (من عام 1288 هـ / إلى عام 1331هـ/ 1913م ), كتاب منشور في موقع مجموعة مداد الالكتروني، 1441هـ/ 2020م، صفحة 14.
3. د. عبدالله بن ناصر السبيعي، " الأمن الداخلي في الأحساء والقطيف وقطر أثناء الحكم العثماني الثاني: 1288-1331هـ/ 1871-1913م "، دراسة وثائقية، الرياض 1420هـ/ 1999م، صفحة رقم 74-91.
4. د. دايل بن علي الخالدي، "رؤية عبدالله باشا السعدون لأزمة الإدارة في الأحساء قبل دخولها تحت حكم الملك عبدالعزيز – دراسة لوثيقة تاريخية"، مجلة دارة الملك عبدالعزيز، العدد الرابع، أكتوبر 2022م، السنة الثامنة والأربعون، صفحة 131-172.
5. لوريمر، ج. ج.، "دليل الخليج"، ترجمة قسم الترجمة لمكتب صاحب السمو أمير دولة قطر، مؤسسة دار العلوم للطباعة والنشر، الدوحة، القسم الجغرافي، 4/ 1577.
6. عبدالله بن ناصر السبيعي، " الحكم والإدارة في الأحساء والقطيف وقطر أثناء الحكم العثماني الثاني: 1288-1331هـ/ 1871-1913م " ، دراسة وثائقية، الرياض 1420هـ، صفحة رقم 227.
7. وثيقة في أرشيف الوثائق العثمانية، مرسلة من وكيل المتصرف ونائب لواء نجد، أحمد محمود إسلام، إلى كبار مسؤولي الخزينة السلطانية الخاصة في اسطنبول، المؤرخة في 23 رجب 1308هـ.
8. وثيقة في أرشيف الوثائق العثمانية، مهمة دفتري رقم 678، وتاريخ 23/5/1316هـ.
9. د. سهيل صابان، "من وثائق الأحساء في الأرشيف العثماني – 1288- 1331هـ"، من إصدارات نادي الأحساء الأدبي، الطبعة الأولى، 1430هـ/ 2009م.
10. حمد خليفة العودة، " ديوان ابن عودة"، مطابع الوفاء، الدمام، الطبعة الأولى، 1423هـ/1993م.
جديد الموقع
- 2026-04-23 عشرون يومًا في ريبيك كاستيل
- 2026-04-23 تعليم الأحساء يقيم معسكراً فنياً ويجمع بين الطلبة ومعلميهم
- 2026-04-23 بالشراكة مع هيئة التراث 18 ألف طالب وطالبة بالأحساء يشاركون في الاحتفاء باليوم العالمي للتراث
- 2026-04-23 مِنْ وَهْمِ الصورة إلى عدالة الرؤية
- 2026-04-23 ( ( العطاء والمحزم ) )
- 2026-04-23 افراح السعران و البخيتان تهانينا
- 2026-04-22 لماذا يحبون الروايات؟
- 2026-04-22 الرواية المفضلة عند بعض الروائيين يوسف أحمد الحسن
- 2026-04-22 قراءة في ديوان "رشفة من آثارهم" للشاعر ناصر الوسمي
- 2026-04-22 غناء الرضا