2026/09/05 | 0 | 282
صناعة الهوية تبدأ حين نفهم الثقافة
الإنسان ينتمي بصورة أعمق إلى المكان الذي يشعر أنه جزء منه، وأن له فيه قيمة ودورا ومستقبلا. وتبدأ تنمية الإنتماء هذه بإشراك الناس في صناعة مجتمعاتهم، والاستماع إليهم، واحترام خصوصياتهم، وإشعارهم بأن الوطن علاقة متبادلة، نعطيه من جهدنا وافكارنا، ويمنحنا الأمان والكرامة والفرصة لأن نحيا حياة نريدها، ذلك الشعور بأن لنا مكانًا في هذا الوطن، وأن لنا فيه قيمة ودورا ومستقبلا، هو أحد أعمق وجوه الانتماء. والانتماء، في جوهره، هو بداية الهوية.
والهوية في معناها الأعمق، هي الطريقة التي نعيش بها، ونفكر بها، ونتعامل بها مع بعضنا، وهي الصورة التي تتكون في وجدان الإنسان عن نفسه ومجتمعه ومكانه في هذا العالم.
ويتجسد هذا المعني من خلال ما يتكرر كل يوم حتى يصبح عادة، وما يصبح عادة حتى يتحول إلى ثقافة، وما يستقر في الثقافة حتى يصبح جزءا من شخصية المجتمع.
وتبدأ الهوية من التفاصيل الصغيرة. من البيت الذي يسمع فيه الطفل لغته الأولى، ومن المدرسة التي يتعلم فيها أن المعرفة ليست منفصلة عن الأخلاق، ومن الحي الذي يرى فيه معنى الجيرة، ومن المسجد أو النادي أو السوق أو مكان العمل، وطالما ان هذه المؤسسات الاجتماعية تبني في الإنسان قيما مشتركة، فإنها تبني مجتمعا قادرا على معرفة نفسه. وقادرا على التعاطي مع الآخر.
نحن نصنع هوية أبنائنا دون أن نشعر، حين نعلم الطفل كيف يسلم على الكبير، وكيف يحترم جاره، وكيف يختلف مع الآخر دون أن يهينه، وكيف يحافظ على المكان العام كما يحافظ على بيته. نصنعها حين نحتفي بلغتنا ولهجتنا وأغانينا وأمثالنا وحكايات أجدادنا، وحين نعرّف أبناءنا بتاريخ المكان الذي ينتمون إليه،
ونصنعها أيضا في الطريقة التي نتعامل بها مع الضعيف، وفي احترامنا للعمل، وفي صدقنا في المعاملة، وفي وقوفنا مع بعضنا حين تضيق الحياة.
لهذا فإن الثقافة اليومية أخطر وأقوى من كل الخطابات الرسمية والتوجيهات. لأنها لا تطلب من الإنسان أن يقتنع، بقدر ما تجعله يمارس. وما يمارسه الإنسان باستمرار يصبح جزءا منه.
ومن هنا تبدأ مسؤولية الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع المدني والمؤسسات الثقافية، ليس في الحديث عن الهوية فقط، وإنما في توفير تجربة يومية تجعل الإنسان يشعر بها، ويعتز بها، ويرى نفسه جزءًا منها. وتصبح الهوية أكثر إلحاحا في أوقات الأزمات والحروب والتحولات الكبرى.
ففي لحظات الاضطراب تتراجع المسلمات، وتتصدع الثقة، وتتغير المصالح، وتتشابك الحقائق، ويصبح الإنسان أكثر قابلية للانجذاب إلى كل ما يمنحه شعورا بالانتماء والحماية والمعنى. وهنا تحديدا تظهر قيمة الهوية، باعتبارها إحدى أهم ركائز التماسك الاجتماعي.
فالمجتمعات التي تمتلك هوية متماسكة تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات، لأنها تعرف كيف تختلف دون أن تتحول اختلافاتها إلى قطيعة. لأن الهوية المتوازنة لا تلغي التنوع، إنما تنظمه داخل إطار أوسع من المشترك. وهي لا تطلب من الجميع أن يكونوا متشابهين، لكنها تجعل اختلافهم جزءا من ثراء المجتمع.
وحين تضعف الهوية، فإنها تخلق فراغا شاسعا، سرعان ما تملؤه هويات ضيقة.. جهوية، قبلية، عرقية، حزبية، مذهبية أو حتى افتراضية، وقد يصبح الإنسان أكثر ارتباطا بجماعة صغيرة من ارتباطه بالمجتمع الكبير. وحينها لا يعود الاختلاف مصدر ثراء، بل يتحول إلى سبب للتصنيف والإقصاء والصراع.
لذلك، فإن تنمية الهوية تبدأ من الطريقة التي نربي بها أبناءنا، ومن اللغة التي نخاطبهم بها، ومن القصص التي ننقلها لهم، ومن الشخصيات التي نقدمها بوصفها نماذج للنجاح، ومن الأشياء التي نكافئها في المجتمع ونرفضها، ومن الطريقة التي نحفظ بها ذاكرتنا ونحترم بها تاريخنا.
نحن نورث أبناءنا الهوية بالممارسة. وما نفعله أمامهم اليوم، قد يصبح غدا تعريفهم لأنفسهم وللمجتمع الذي ينتمون إليه.
إن صناعة الهوية تبدأ حين نفهم أن الثقافة ليست مهرجانات تقام سنويًا، ولا زيا شعبيا، نرتديه في المناسبات الوطنية، الثقافة هي ما نفعله كل صباح. هي كيف نربي، وكيف نعمل، وكيف نختلف، وكيف نرحب بالغريب، وكيف نحترم الكبير، وكيف نحفظ حق الصغير، وكيف نتعامل مع المال العام، وكيف نقف إلى جوار بعضنا حين يحتاج أحدنا إلى الآخر. عندما تصبح هذه القيم جزءا من الحياة اليومية، فإن الهوية لا تحتاج إلى كثير من الكلام عنها، لأنها تصبح حاضرة في سلوك الناس.
علينا أن نصنع اليوم مجتمعا يشبه القيم التي نريد لأبنائنا أن يحملوها غدا.
جديد الموقع
- 2026-09-23 *سيمفونية الطموح والندم الروائي عزت عبدالكريم الدسوقي*
- 2026-09-22 سمو أمير المنطقة الشرقية وسمو نائبه يقدّمان التعازي لأسر الحادث المروري في محافظة الأحساء
- 2026-09-22 سمو أمير المنطقة الشرقية وسمو نائبه يقدّمان التعازي لأسر الحادث المروري في محافظة الأحساء
- 2026-09-22 سمو محافظ الأحساء يرأس الاجتماع الثاني للجنة التنفيذية للإسكان التنموي
- 2026-09-22 سمو نائب أمير المنطقة الشرقية يستقبل مدير فرع الهيئة العامة لعقارات الدولة بالدمام
- 2026-09-22 *"ملامح سعودية" .. ورشة فنية تحتفي بالهوية الوطنية في تصاميم جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل*
- 2026-09-22 إدارة مساجد الأحساء تحتفل باليوم الوطني السعودي بمقر الإدارة
- 2026-09-22 "أمن وأمان" نواف عبدالله وراشد الماجد .. تحتفي في اليوم الوطني للملكة العربية السعودية
- 2026-09-22 في احتفالية شعرية؛ يغدو الوطن قصيدة، والقصيدة وطنا؛ بمناسبة اليوم الوطني الـ96
- 2026-09-22 «عزّنا بكرمنا».. 20 ألف مقعد تدريبي مجاني من «تقني الشرقية» احتفاءً باليوم الوطني