أقلام وكتابات
2008/09/28 | 0 | 771
وداع شهر رمضان
الوداع تعبير عن الفراق والرحيل وترك الأحبة ومفارقتهم، وهو في تصورنا يحمل معاني الحزن والأسى في النفس، هذه الحالة التي نشهدها تلازمنا مع كل مواقف الوداع خصوصاً إذا كنا نُحب من نفارقه، وهذا الشعور الخاص نلمسه بوضوح إذا كان المفارق لنا هو شهر رمضان، الذي نشأت بيننا وبينه علاقة متميزة خلال أيامه ولياليه الماضية، فينتابنا ألم وحزن ونحن نعيش أواخر أيامه، هو إحساس بفقد البركة والرحمة والمغفرة، التي لا حدود لها في كل شيء من حولنا، وفي هذه الأيام القلائل من الشهر لا بد من أن نستحضر نقاطاً هامة، تعود علينا بالفائدة الكبيرة في حياتنا هي:
الأولى: الشكر للتوفيق لصيام الشهر.
شهر رمضان شهر الله العظيم الذي شرفنا الله بصيامه، وهذا في حد ذاته توفيق كبير، وفضل من الله جزيل، يستوجب علينا شكر هذه النعمة، لأنّ البعض من الناس لا يصوم شهر رمضان إما لمرض أو لسفر أو لغير ذلك، قال النبي (صلى الله عليه وآله) في خطبته في أخر جمعة من شهر شعبان :{ فاسألوا الله ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه}، فهذا التوفيق لا يناله كل أحد، قال الإمام السجاد (عليه السلام) في وداعه لشهر رمضان :{ اللهم إنا أهل هذا الشهر الذي شرفتنا به، ووفقتنا بمنّك له} ، فنعمة التوفيق لصيام شهر رمضان، نعمة ومنَّة كبيرة، تستوجب الشكر عليها، والشكر تارة يكون باللسان وتارة يكون بالعمل، والشكر العملي هو في مضمونه شكر لساني وأما الشكر اللساني فلا يتضمن الشكر العملي، قال الإمام علي (عليه السلام) :{شكر المؤمن يظهر في عمله}، وقال الإمام الصادق (عليه السلام):{ شكر النعمة اجتناب المحارم}، فالشكر العملي لابد أن يكون واقعاً نمارسه في حياتنا، وترك المعاصي أوضح أفراد الشكر العملي، لأنه في حد ذاته عبادة، بل من أرقى العبادات، قال الإمام زين العابدين (عليه السلام):{ ومن اجتنب ما حرم الله عليه فهو من أعبد الناس}، وترك المعاصي هو التقوى، قال الإمام علي (عليه السلام):{المتقي من اتقى الذنوب}، وإذا وصل المؤمن إلى التقوى أصبحت عباداته مقبولة، قال تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} ، فحينئذ يتحقق للصائم التوفيق لقبول صيامه، فاجتناب المحارم هو أحد المهام لتي نقوم بها لتوديع الشهر.
الثانية: طلب التوبة من الله.
التوبة باب فتحه الله تعالى لعباده في هذا الشهر وسهّل دخوله لهم حتى يرجعوا إليه مستغفرين، قال الإمام زين العابدين (عليه السلام) في وداع الشهر: { اللهم وما ألممنا به في شهرنا هذا من لمم ٍأو إثم ٍ، أو واقعنا فيه من ذنب واكتسبنا فيه من خطيئة على تعمدٍ منا، أو على نسيانٍ ظلمنا فيه أنفسنا، أو انتهكنا به حرمةً من غيرنا، فصلِّ على محمدٍ وآله، واستُرنا بسترك، واعفُ عنا بعفوك}، والتوبة توصل الإنسان إلى مرتبة المحبة الإلهية، قال الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دعائه، {واجعلنا عندك من التوابين الذين أوجبت لهم محبتك، وقَبِلتَ منهم مراجعة طاعتك}، فالتائب إذا وصل إلى درجة المحبة، سوف يناله الخير الكثير، ورد في الحديث القدسي فيما يحصل من المحبة لمن يعمل برضا الله، {...فإذا أحبني أحببته، وأَفتحُ عينَ قلبه إلى جلالي، ولا أُخفي عليه خاصة خلقي، وأُناجيه في ظُلم الليل ونور النهار حتى ينقطع حديثه مع المخلوقين ومجالسته معهم، وأُسمِعهُ كلامي وكلام ملائكتي، وأُعرِفَهُ السِّر الذي سترته عن خلقي، وأُلبسه الحياء حتى يستحيي منه الخلق كلهم ، ويمشي على الأرض مغفورا له، وأجعل قلبه واعياً وبصيراً ، ولا أخفي عليه شيئا من جنة ولا نار..}، هذه المرتبة المعنوية للمحبين لا يمكن لكل عقل إدراكها، لأنها مراتب إلهية، فلابد أن نسعى في هذه الليالي القليلة لطلب التوبة النصوحة، قال الإمام الصادق ع في وداع شهر رمضان :{اللهم إنك قلت في كتابك المنزل: \" شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ \" وهذا شهر رمضان وقد تصرم فأسألك بوجهك الكريم وكلماتك التامة إن كان بقي على ذنب لم تغفره لي أو تريد أن تعذبني عليه أو تقايسني به أن يطلُع فجر هذه الليلة أو يتصرم هذا الشهر إلا وقد غفرته لي يا أرحم الراحمين}، فطلب التوبة والإلحاح بها طريق لنزول الرحمة الإلهية بالمغفرة والتوبة، فلا ينقضي شهر رمضان إلا قد غُفِر لنا، فهذا الشهر فرصة، يخسر من يُفرِّط فيه، قال النبي (صلى الله عليه وآله): {فإنّ الشقي من حُرِمَ غفران الله في هذا الشهر العظيم}.
الثالثة: بذل الجهد في العبادة.
اعتنى الإسلام بالعشر الأواخر من شهر رمضان لما تمثله من بُعد معنوي خاص، لذا، نجد بعض الروايات تفسر الليالي العشر في قوله تعالى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} ، بأنها العشر الأواخر من شهر رمضان، التي أقسم الله بها، فدلَّ ذلك على عظمتها، وفي شأنها والاعتكاف فيها، قال النبي (صلى الله عليه وآله): {اعتكاف العشر الأواخر من شهر رمضان يعدل حجتين وعمرتين}، كما أنّ ديدن النبي (صلى الله عليه وآله) في العشر الأواخر هو الاعتكاف، قال الصادق (عليه السلام) :{كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا كان العشر الأواخر اعتكف في المسجد و ضربت له قبة من شعر و شمر المئزر وطوى فراشه}، وهناك العديد من الروايات التي حثت على الأعمال المستحبة، التي ينبغي لنا المواظبة عليها كي نتدارك ما بقي من الشهر لسد النقص والخلل فيما مضى، قال الإمام زين العابدين (عليه السلام) في وداع شهر رمضان:{ فأجرنا على ما أصابنا فيه من التفريط أجراً نستدرك به الفضل المرغوب فيه، ونعتاض به من أنواع الذُخر المحروص عليه، وأوجب لنا عُذرك على ما قصرنا فيه من حقك}، فاستشعار التقصير تجاه الشهر دافع كبير نحو التعويض عما سلف، قال الإمام السجاد (عليه السلام) في دعائه: { وقد تولينا بتوفيقك صيامه وقيامه على تقصير}.
الرابعة: من آداب وداع الشهر.
هناك آداب كثيرة لوداع شهر رمضان سوف نذكر اثنين منها:
الأول: التفجع لانقضاء الشهر.
من الآداب الخاصة بالشهر هو التحسر والإحساس بالفجيعة الكبيرة لتصرم الشهر وانتهائه، قال الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دعائه لوداع شهر رمضان، { ثم قد فارقنا عند تمام وقته، وانقطاع مدته، ووفاء عدده، فنحن مُودِعُوه وداع من عزَّ فراقه علينا، وغمّنا وأوحشنا انصرافه عنا، ولَزِمَنا له الذِمَام المحفوظ، والحرمة المرعية، والحق المقضي }، وقال أيضاً في وداعه :{ السلام عليك من قرين جلَّ قَدرُه موجوداً، وأَفجع فقده مفقوداً}، فهذا الشعور يبين علاقة المؤمن بالشهر الكريم وتعظيمه واحترامه.
الثاني: تعميم الدعاء.
إنّ من يقرأ أدعية وداع الشهر وخصوصاً أدعية الإمام زين العابدين (عليه السلام) يجد التركيز على تعميم الدعاء، فيشمل الأقارب والأرحام وغيرهم، بل كل المسلمين، قال (عليه السلام):{ اللهم تجاوز عن آبائنا وأمهاتنا وأهل ديننا جميعا من سلف منهم ومن غَبر إلى يوم القيمة}، هذه الطريقة في الدعاء تؤصل في المسلمين والمؤمنين حالة التقارب القلبي والمحبة تجاه الآخر، فتتصافى قلوبهم، إذ أنّ الدعاء ينشأ من مودة، وهذا يقربهم أكثر ويوحد أهدافهم ويدعوهم لنبذ الخلاف، والاهتمام بالآخر، لأجل هدفٍ سام، هو الإسلام ومصلحة المسلمين أولاً وأخيراً.
الخامسة: زكاة الفطرة.
جعل الإسلام ختام الصوم بزكاة الفطرة، قال الإمام الصادق (عليه السلام):{من تمام الصوم إعطاء الزكاة يعني زكاة الفطرة}،فالعلاقة وثيقة بين الصوم وزكاة الفطرة باعتبارها من الصدقات، فالصائم يخاطبه الله تعالى من أول شهر رمضان : {الصوم لي وأنا أجزي به}، فالصوم لله تعالى بما يحمل من معان معنوية عالية، تجعله أدعى للقبول من الله تعالى، فهذه نسبة إلهية عظيمة، وعند انتهاء الشهر تأتي زكاة الفطرة فيدفعها الصائم لتقع في يد الله، قال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} ، فتكتمل النسبة الإلهية بدفع زكاة الفطرة، وتصبح من تمام الصوم.
السادسة: حقيقة العيد.
العيد منشأ للفرح والسرور للإنسان، ويأخذ طابعاً اجتماعياً رائعاً في مجتمعنا، لأنه يجمع أفراد المجتمع قريبهم وبعيدهم، وتسنح الفرصة للتلاقي والتواصل معهم. وهذه عادة جميلة ومرغوبة شرعاً، إلا أنّ هناك تصور خاطئ لدى البعض تجاه العيد، إذ يحصره في الحدود الشكلية والسطحية، فيقضي أغلب أيام وليالي الشهر في التسوق للاستعداد والظهور بأفضل هيئة وأحسنها، ويُفوت على نفسه اللحظات المعنوية الخاصة بهذا الشهر، بل البعض تفوته ليالي القدر لأجل ذلك، وهذا لا يعني أن لا يظهر الإنسان بهيئة حسنة، بل هذا أمر مطلوب ومرغوب من قبل الشارع إلا أن الإفراط والتضييع للأولويات هو المذموم، فالعيد ليس فرحاً ظاهرياً فحسب، بل يحمل مضموناً وسروراً معنوياً، فالمؤمن الصائم حقق انتصاراً على شهواته الجامحة وشيطان ذاته باعتبار أنّ الشيطان الخارجي مصفد ومغلول، قال النبي (صلى الله عليه وآله):{قد وكل الله بكل شيطان مريد سبعة من ملائكته، فليس بمحلول حتى ينقضي شهركم هذا}، وهناك روايات تبين أنّ سبب الفرح بالعيد هو الحصول على غفران الله تعالى، قال الإمام علي (عليه السلام) في بعض الأعياد :{ إنما هو عيدٌ لمن قَبِلَ الله صيامه وشكر قيامه، وكل يوم لا نعصي الله فيه فهو يوم عيد}، فالعيد لمن قَبِلَ الله صيامه، وقبول الصوم مرتبط بعدم اقتراف المعصية فالنتيجة هي أنّ العيد لمن ترك المعصية في أثناء صيامه أو كانت ثمرة صيامه ترك المعصية من خلال التوبة، بل إنّ هناك روايات وأدعية عن المعصومين (عليهم السلام) تبين أنّ نفس يوم العيد هو يوم توبة وعبادة، قال الإمام السجاد (عليه السلام) في وداع الشهر:{اللهم إنا نتوب إليك في يوم فطرنا ـ الذي جعلته للمؤمنين عيداً وسروراً، ولأهل ملتك مجمعاً ومحتشداً ـ من كل ذنب أذنبناه، أو سوءٍ أسلفناه أو خاطر شر أضمرناه، توبةَ من لا ينطوي على رجوع إلى ذنب، ولا يعود بعدها في خطيئة، توبةً نصوحاً، خلُصت من الشك والارتياب، فتقبلها منا، وارضَ عنا وثبتنا عليها}، وهناك رواية رائعة تبين سرّاً من أسرار العيد، أوضحها الإمام الحسن (عليه السلام) عندما رأى أناساً في يوم عيد الفطر يلعبون ويضحكون، فوقف على رؤوسهم فقال : {إنّ الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه فيستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وقصّر آخرون فخابوا، فالعجب كل العجب من ضاحك لاعب في اليوم الذي يثاب فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون، وأيمُ الله لو كُشِفَ الغطاء لعلموا أنّ المحسن مشغول بإحسانه والمسيئ مشغول بإساءته}، فالإمام (عليه السلام) يشبه شهر رمضان بساحة سباق ينطلق فيها المتسابقون ويوم العيد نهاية السباق الذي يُبْرِز هوية الفائز، فينبغي أن يكون الجميع متوجهين إلى الله أكثر طمعاً في قبول أعمالهم وفوزهم في السباق.
السر الباطني لعبادية يوم العيد.
مع شروق شمس العيد يخرج المؤمن لأداء صلاة العيد، فيتذكر خروجه من القبر في يوم القيامة، ذلك اليوم العظيم، ويقف مع صفوف المصلين للصلاة، فيتجسد لديه وقوفه أمام الله تعالى للحساب، وكيف يقابل الله وماذا قدّم من عمل ؟! ثم يستشعر في أجواء تجمع المؤمنين وتراص صفوفهم وحدتهم في توجههم لمعبود واحد وقبلة واحدة، مما يُعزز قوتهم وتضامنهم في شؤونهم وقضاياهم، خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) يوم الفطر فقال: {أيها الناس ! إنّ يومكم هذا يومٌ يثاب فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون، وهو أشبه بيوم قيامكم، فاذكروا بخروجكم من منازلكم إلى مصلاكم خروجكم من الأجداث إلى ربكم، واذكروا بوقوفكم في مصلاكم وقوفكم بين يدي ربكم، واذكروا برجوعكم إلى منازلكم رجوعكم إلى منازلكم في الجنة ! }.
ماذا بعد عيد الفطر ؟
إنّ مسؤوليتنا بعد عيد الفطر كبيرة، تتمثل في المحافظة على المكتسبات المعنوية التي حققناه طوال ثلاثين يوماً، وذلك من خلال تفعيل تلك المكتسبات لتصبح في الواقع أهدافاً يسعى لتحقيقها سلوكاً في حياته ضمن مخطط متكامل، قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):{عباد الله ! إنّ أدنى ما للصائمين والصائمات أن يناديهم ملكٌ في آخر يوم من شهر رمضان : أبشروا عباد الله، فقد غفر لكم ما سلف من ذنوبكم فانظروا كيف تكونون فيما تستأنفون ؟ !}، فلا بد أن نفكر في مستقبلنا المعنوي للحفاظ على منجزات شهر كامل من خلال تطبيقها سلوكاً يتحرك في واقعنا، ولا نبددها بمعصية تهدم البناء، فتضيع جهودنا سدى، أسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لصالح الأعمال في هذه الأيام المتبقية، ملتمساً دعاء المؤمنين.
جديد الموقع
- 2026-05-27 مدير عام فرع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بالمنطقة الشرقية أ. محمد بن سعود السماري يرفع التهنئة للقيادة بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك
- 2026-05-27 سمو محافظ الأحساء يستقبل المهنئين بعيد الأضحى المبارك
- 2026-05-27 سمو أمير المنطقة الشرقية وسمو نائبه يستقبلان المهنئين بعيد الأضحى المبارك
- 2026-05-27 سمو أمير المنطقة الشرقية وسمو نائبه يؤديان صلاة عيد الأضحى مع جموع المصلين بالدمام
- 2026-05-27 سمو محافظ الأحساء يؤدي صلاة عيد الأضحى
- 2026-05-27 كلُّنا خُدّامُ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْن
- 2026-05-26 كَرَامَةُ الْإِنْسَانِ لَيْسَتْ لُعْبَةَ أَطْفَالْ
- 2026-05-26 أفراح الناجم والعبدالعزيز تهانينا
- 2026-05-26 التفكير الهادئ مفتاح الحلول الذكية
- 2026-05-26 العقل القلبي