2026/05/23 | 0 | 74
قراءة في كتاب بنات الأفكار في أدب المناقشة والحوار
مع كتاب كانت بنات الأفكار في أدب المناقشة والحوار. للمؤلف / د. مجدي بأسلوم، الطبعة الأولى 2005م.
الفرق بين الحوار والجدال والمناظرة والمناقشة:
ثمة مصطلحات عدة ترتبط بمصطلح الحوار ارتباطا وثيقا، بل ربما عدها البعض ضروبا من الحوار وألوانا منه، وسوف نتعرض لها فيما يلي:
الجدل في اللغة: يقصد به المعارضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من جدل: الحبل، أي: أحكم قتله، فكأن كلا المتجادلين يفتل الآخر عن رأيه.
وفي الاصطلاح: عبارة عن قصد إفحام الغير وتعجيزه وتنقيصه بالقدح في كلامه ونسبته إلى القصور والجهل فيه.
وقيل: هو المنازعة لا لإظهار الصواب بل لإلزام الخصم.
وقيل: هو علم يقوم على مقابلة الأدلة لإظهار أرجح الأقوال.
وقيل: هو علم يقتدر به على حفظ أي وضع يراد ولو باطلا، وهدم أي وضع يراد ولو حقا.
وقد ورد لفظ «الجدل» في القرآن في صيغ مختلفة واشتقاقات متباينة، فجاء في صورة الفعل المضارع والماضي، كما جاء أمرًا واستفهاما، وكذلك جاء مصدرًا في صيغتين «جدل، جدال» بيد أنه لم يرد في صيغة «مجادلة» على وزن مفاعلة.
والجدل في القرآن نوعان:
النوع الأول: الجدل المحمود: وهو ما كان القصد فيه إظهار الحق وتبيين الصواب. ولقد دعا القرآن الكريم إلى هذا اللون من الجدل في غير آية، قال تعالى:
﴿ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾[ النحل: 125]
أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، فأمره تعالى بلين الجانب، كما أمر به موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾[ سورة طه: 44]
ويقول الأستاذ سيد قطب في تفسير هذه الآية:
على هذه الأمس يرسى القرآن الكريم قواعد الدعوة ومبادئها ويعين وسائلها وطرائقها، ويرسم المنهج للرسول الكريم والدعاة من بعده لدينه القويم.
ثم يستطرد قائلا: «والدعوة تكون بالحكمة والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم، وبالموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق وتتعمق المشاعر بلطف لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا يفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل وحسن نية، فإن الرفق في الموعظة كثيرا ما يهدي القلوب الشاردة، ويؤلف القلوب النافرة، وأما الحكمة فتكون بالجدل بالتي هي أحسن، بلا تحامل على المخالف، ولا ترذيل له ولا تفييح حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق، فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق حتى لا تشعر بالهزيمة».
هذا ولقد تجادل المسلمون وتناقشوا في أمور كثيرة مع رسول الله (ص). وكانت تلك المناقشات والحوارات نموذجا رفيقا لأدب الجدل والمناقشة الذي أرسى قواعده وشاد دعائمه القرآن الكريم حينما علم الصحابة أدب الحديث مع رسول الله (ص).
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2].
ومن الجدل المحمود كذلك دعوة القرآن الكريم إلى مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، أي باللين والحكمة والاستناد إلى أدلة العقل وبراهين المنطق، قال تعالى: ﴿۞ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46].
ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [سورة المجادلة: 1].
الجدل المذموم: ويقصد به المخاصمة بالباطل، والرغبة في إفحام الخصم، والظهور عليه لمجرد الغلبة والانتصار، لا لتحري الحق أو التوصل إلى الرأي الصواب، ورائد هذا النوع من الجدل والباعث عليه الهوى وشهوة النفس الباطنة التي تدفع العقل بعيدا عن جادة الصواب، وتدعه نهبا للآراء المنحرفة والأفكار الضالة.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ۞ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾[سورة الحج:8- 9].
وقال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ۞ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:4- 5].
وقال تعالى: ﴿ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾[ الكهف: 54],
وقال تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ﴾ [سورة البقرة: 197].
وقد وقع الخلاف بين العلماء في المقصود بالجدال في هذه الآية:
قبل: الجدال بمعنى المراء حتى تغضب مسلما فينتهي إلى السباب، قاله ابن مسعود وابن عباس وعطاء.
وقيل: الجدال بمعنى السباب. قاله قتادة.
وقيل: الجدال بمعنى المماراة في الشهور.
وقيل: الجدال يعني أن تقول طائفة الأخرى: حجنا أبر من حجكم.
وقيل: الجدال بمعنى الفخر بالآباء.
وأما المحاورة فهي مجرد مراجعة الكلام بين المتكلمين، ولا تلزم فيه صورة الخصومة، وإنما تغلب عليها صورة الكلام المتبادل بين طرفين في أسلوب لا تقصد به الخصومة، أو لا يراد به بالضرورة الاتجاه إلى الخصومة ولكن جدال بالتي هي أحسن.
فالجدال والحوار يشتركان في إيضاح الحق إذا أريد بالجدال معرفة الصواب، ويفترقان في أن الجدال السيئ يطمس معالم الحق ويعمد إلى مناصرة الباطل.
وأما المناظرة: فهي لغة مشتقة من النظير ومن النظر بمعنى الإبصار، أو من النظر بمعنى الإنظار، أو بمعنى الفكر والمقابلة، والتناظر هو التراوض في الأمر، فنظيرك: هو الذي يراوضك.
يقال: تناظر القوم، نظر بعضهم إلى بعض، وتناظروا في الأمر: تجادلوا وتراوضوا.
ويقال: دورهم تتناظر: تتقابل.
وأما المناظرة في الاصطلاح فهي: المدافعة لإظهار الحق، وقيل هي الفكر المؤدي إلى علم أو غلبة ظن. فالمناظرة حسب هذا التعريف الاصطلاحي لها ضرب من المحاورة بين شخصين مختلفين، يقصد كل واحد منهما تصحيح قوله، وإبطال قول الآخر.
أنواع المناظرة:
يمكن أن نقسم المناظرة نوعين:
النوع الأول: المقابلة:
ويقصد بالمقابلة هنا: المقابلة الشخصية والاتصال الشخصي، ولهما نتائج مثمرة نافعة؛ إذ يتمكن المتقابلان من أن يؤثر كل منهما في آراء الآخر وأفكاره، ويعدل من سلوكه وتصرفاته بأن يطلب إعادة الكلام مثلا أو توضیحه و بیان معناه أو الزيادة عليه.
والمقابلة الشخصية لكي تؤتي ثمارها المرجوة، يجب أن يعنى كل متحدث باختيار كلماته وصقل أسلوبه في الخطاب، ومراعاة المستوى العقلي والعلمي للمخاطب.
وحرص رسول الله (ص) على اصطناع هذه الآلية المهمة من آليات الحوار في الدعوة إلى الإسلام، فكان يقابل المشركين - رغم ما أصابه منهم من أذى واضطهاد - ويناظرهم ويجتهد في إقناعهم.
فحين دعا عقبة بن أبي معيط النبي (ص) إلى وليمة في بيته، أجاب. رسول الله (ص) دعوته، فأسلم عقبة وشهد بالتوحيد.
النوع الثاني: المحاجة:
وهي ضرب من ضروب المجادلة العقلية، والمحاورة العلمية، حيث يروم كل واحد من المتناظرين رد الآخر عن حجته وتشكيكه فيها، حتى يتمكن من توكيد حجته وتثبيت دعواه.
وقد وردت المحاجة في القرآن الكريم وأريد بها عدة معان منها.
أ - المنافرة والمخاصمة؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: 258].
ب - البرهان والدليل؛ قال تعالى: ﴿ فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾[ الشورى: 15]
والحجة هنا من المؤمنين مع الكافرين، وهي بمعنى البرهان.وقد تكون من الكفار بحسب اعتقادهم الفاسد قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية: 25]، والحجة هنا بمعنى الدليل.
وأما المناقشة فقد شاع بين الناس: - لا فرق في ذلك بين العامة والمثقفين - استخدام لفظة «المناقشة» يريدون بها معنى المحاورة، وهو استخدام خاطئ؛ لأن المناقشة عند اللغويين تعني: استقصاء الحساب، أي: استيفاءه، والحساب يكون عادة بين طرفين، بيد أن استيفاءه يكون لصالح أحدهما فحسب، فمناقشة أحد الطرفين للآخر لغة تعني أن يستقصى محصيا ومستوعبا كل ما له لدى الطرف الآخر. وهكذا فإن استخدام طائفة من المثقفين وأهل الفكر لفظة المناقشة مرادفة للمحاورة، خطأ لغوي بين نشأ من ذيوع كلمة «المناقشة» وكثرة استخدامها بين الناس.
أهداف الحوار:
لقد جسدت الآية القرآنية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]، الأهداف بين أي حوار وتواصل بين الحضارات؛ إذ اللفظ القرآني «التعارف» يحمل من معاني الخير والصلاح والأمن والسلام، والرخاء والطمأنينة للناس - كافة - الشيء الكثير.
وتلك المعاني هي الأهداف الحقيقية للحوار النافع، والتعارف في هذا السياق يتسع ليشمل التعاون والتعايش، وكل ألوان العمل الإنساني المشترك، لما فيه الخير والمنفعة للإنسان.
ومن الجدير بالذكر هاهنا أن أهداف الحوار يجب أن تنطلق من الإنسان نفسه وترتبط بشئونه وقضاياه، وذلك حتى لا يفقد الحوار قيمته وأهميته وموضوعه الهادف المفيد.
الأهداف التالية:
1- نشر المعارف وحفز المواهب وإثراء الثقافات.
2-تنمية العلاقات السلمية والصداقة بين الشعوب والوصول إلى جعل كل منها أفضل فهما لطرائق حياة الشعوب الأخرى.
3- تمكين كل إنسان من اكتساب المعرفة والمشاركة في التقدم العلمي. الذي يحرز في جميع أنحاء العالم، والانتفاع بثماره، والإسهام من جانبه في إثراء الحياة الثقافية.
4- تحسين ظروف الحياة الروحية والوجود المادي للإنسان في جميع أرجاء العالم.
رسالة التفاعل الحضاري في عالم متغير:
إن العلاقة المتينة بين الحوار وبين التفاعل الحضاري، تقتضي أن يكون ثمة ترابط محكم بين أهداف الحوار، وبين غايات التفاعل الحضاري، وإذا شئنا الدقة قلنا إن التفاعل الحضاري عملية تكاملية تتم بين الطرفين، وتمتزج فيها عناصر شتى، وتؤدي في النهاية إلى حالة من الانسجام والتناغم، وهي ليست عملية عشوائية لا إرادية، ولا هي ضرب من الترف الفكري، وإنما هي فعل ينتج عن التقاء إرادتين تسعيان إلى تبادل التأثير في المحيط الاجتماعي على تنوع مناشطة، وتشعب ضوابطه.
جديد الموقع
- 2026-05-23 أفراح ومسرات الغزال والشاوي
- 2026-05-23 بـ "أبعاد" السرد وبوح "البدايات".. ليلة أحسائية تحتفي بالكلمة وتخلّد الإنجاز العلمي
- 2026-05-23 *أفراح الرقه و البلادي بالاحساء*
- 2026-05-23 العبدالرضا تحتفل بزواج (( علي )) بالهفوف
- 2026-05-23 القراءة في مواجهة الإلحاد
- 2026-05-23 مصادر لـ«الشرق الأوسط»: «الأخضر» سيلاعب نيكاراغوا قبل المونديال -- دونيس يستعين بمترجم الخليج... ومحلل أداء الفتح
- 2026-05-23 عدد ولادات المرأة مؤشر تنبؤي على انخفاض احتمال اصابتها بالسكتة أو الاحتشاءات الدماغية، بحسب المركز الصحي الأكاديمي التابع لجامعة تكساس
- 2026-05-23 لأسرة كيان جامع للرحمة
- 2026-05-22 أَبُو عَدْنَانْ .. عَالِمًا، مُفَكِّرًا، وَأَدِيبًا
- 2026-05-22 ملاحظات ماقبل موسم عاشوراء