2026/05/21 | -1 | 296
في رحيل أخي أكتب: تأملات في ردهات الوداع
لا تزالُ جراحُ الروحِ تنزفُ بصمتٍ، ولا يزالُ القلبُ يرتجفُ تحت وطأةِ زلزالٍ لم يُبقِ ولم يذر؛ حينَ اختصرَ الموتُ المسافات، واختارَ أن يطرقَ بابَ الفقدِ مرتين في أسبوعٍ واحد، ليأخذَ مني شقيقَ الروحِ (كامل) وأختي العزيزة، في رحيلٍ لم يكن مجردَ غياب، بل كان انصهارًا لملامحِ الحياةِ في عيني، وشرخًا في كياني العاطفي والروحي والاجتماعي سأحملُ ندوبه ما حييت.
إنَّ هذا الحزنَ ليسَ سحابةً عابرة، بل هو قدرٌ مقيم، صارَ جزءًا من تكويني، يسكنُ في تلافيفِ الذاكرة، ويحضرُ في كل فكرة، ويصبغُ كلَّ علاقةٍ مستقبليةٍ بلونِ الفراق. لقد غدا الحزنُ رفيقي في ضجيجِ اليوم وفي سكناتِ الليل؛ فليس الأمرُ مجردَ شوقٍ يعتريني، بل هو شعورٌ بفقدانِ "الكلِّ" في "الجزء"، ونقصانٍ في كل لحظةٍ كانت تزدانُ بوجودهما. الحزنُ يملأ فضاءاتِ نفسي على أخي الراحل، وحين تسرقني الخلوةُ إلى نفسي، تنفتحُ جراحي العميقةُ من جديد، فتستيقظُ مع صورةٍ، أو صدى صوتٍ، أو عبيرِ رائحةٍ من عالمِ أخي الذي غاب، تاركًا خلفه فراغًا لا يملؤه الكونُ أجمع.
لقد وجدتُ نفسي عقبَ رحيلِ هذا القلبِ القريبِ غارقًا في لُجّةِ التأمل؛ حيثُ ألقت بي التجربةُ في أتونِ التفكيرِ في جوهرِ الحياةِ وهشاشتها الحتمية، وكيفَ أنها كخيطِ دخانٍ لا يمكنُ التنبؤُ بمصيره. هذا الحزنُ الدفينُ صار يمارسُ طقوسه بخفاءٍ ممعنٍ في العمق؛ فيدقُّ أبوابي من خلالِ تفاصيلٍ صغيرة: مقعدٍ خالٍ، أو صورةٍ معلقة، أو مكانٍ شهدَ يومًا صدى ضحكاتنا. هناك، تفيضُ المآقي، وتستسلمُ الروحُ للحظاتٍ من السكونِ المهيب، أستحضرُ فيها شريطَ الذكرياتِ الجميلة التي تمنحني القوةَ لأبقى، والدمعَ لأرثي.
سيظلُ هذا الحزنُ وشمًا أبديًا على جدارِ القلب؛ فقد كانت رحلتي الأخيرة معه في ردهاتِ المستشفى فصلًا من فصولِ الفجيعة التي لا تُمحى. دخلنا لطلبِ العلاج، ولم نكن نعلمُ أن الأقدارَ تخبئُ لنا الوداعَ الأخير. ما بدأ كفحصٍ روتيني انتهى بنبأٍ صاعقٍ نزلَ كالصاعقةِ وأنا في قلبِ المستشفى، ليكونَ الخبرُ خاتمةً لرحلةٍ طويلةٍ ومؤثرة، عبرتُ فيها من عالمِ الرجاء إلى واقعٍ مرير، مثقلًا بذكرياتٍ لا تفتأُ توجعني كلما لاحَ في الأفقِ طيفُ ذلك المكان.
وما إن وطئت قدماي عتبات المستشفى، حتى استقبلتني رائحة المعقمات الكثيفة، تلك الرائحة التي تفوح ببرودة تامة، لتملأ الأجواء بعبقٍ طبيٍّ نفاذ يلتصق بالثياب والروح معًا. كان الهواء ثقيلًا، يهمس في الآذان بجدية المكان وقسوته، حيث الصراع الدائم لتشخيص الداء وملاحقة الرمق الأخير.
وفي الممرات، كانت أصوات الأطباء تتصاعد بأوامر حازمة للممرضات اللواتي يذرعن المكان بخطىً متسارعة، بينما تعزف أجهزة المراقبة إيقاعًا رتيبًا متزامنًا، يضفي على المكان هيبة الكفاءة، لكنه يغرس في الصدر نصل القلق والترقب. هناك، حيث تلمع الأرضيات وتصمت الجدران البيضاء ناصعة البرود، يغدو القلق جسدًا ملموسًا بين يدي العائلات المترقبة، في برزخٍ ضيقٍ يجمع بين ذروة الأمل وعمق اليأس.
حين دخلتُ ردهة العناية المركزة، صُعقتُ بالحقيقة العارية؛ فـ "كامل" الذي عرفته مفعمًا بالحياة، صار الآن نسخةً هزيلةً ذابلة، بشرته شاحبة كلفافةٍ رمادية بالكاد تستر هيكلًا أتعبته الأوجاع، وجسده الذي كان بالأمس سندًا غدا واهنًا بلا قوة، يحيط به طوقٌ من الأجهزة المتطورة التي ترصد خفقات قلبه، وتمده بالسوائل التي تحاول جاهدةً إبقاءه في مدار الحياة. أصوات التنبيهات الخفيفة كانت تحصي أنفاسه المترددة، بينما التف حوله الطاقم الطبي بوجوهٍ غمرها مزيجٌ غريب من المهنية الصارمة والحزن الدفين. كانوا يعدّلون الأجهزة بدقةٍ متناهية، وكأنهم يحاولون ترميم جسرٍ واهنٍ يربط بين ضفتي الحياة والموت، في مشهدٍ يجسد هشاشة الكيان الإنساني أمام جبروت الأقدار.
وسط ذلك المشهد، تلاحمت روحي مع أرواح أبنائه -حفظهم الله-، فكنا جسدًا واحدًا في مهب ريحٍ مشحونة بالأمل والخوف. جلسنا في صمتٍ مهيب، نتبادل لمسات الأيدي الراجفة، وننظر في وجوه بعضنا بصمتٍ يفوق بلاغة الكلام. كان ذلك الصمت صلاةً جماعية، تهمس فيها القلوب بدعاءٍ خفي، وتستمد القوة من يقينٍ راسخ بأن الله هو الملجأ والملاذ. كنا نرقب الساعة ونشعر كأن الثواني دهورٌ من الانتظار المرير، وفي تلك اللحظات، كانت الرؤوس تنحني لتواري دمعًا صامتًا يبلل القمصان، معلنةً عن وجعٍ يفوق طاقة البشر، لكنه وجعٌ يشهد في الوقت ذاته على استسلامنا لقضاء الله وقدره.
ثم جاءت اللحظة التي تزلزل الكيان؛ حيث هوت المؤشرات الحيوية بسرعةٍ خاطفة، وانحدر ضغط الدم والنبض في منحدرٍ حرج إثر توقفٍ مباغت لوظائف الرئة. تسارع الطاقم الطبي، وحاولوا بما أوتوا من علمٍ، ولكنْ "إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون". وفي تلك البرهة، ساد صمتٌ غريب، خفتت معه أصوات الأجهزة لتعلن رحيل الروح إلى بارئها. أدركتُ حينها أن أخي قد فارق الدنيا، فخيم صمتٌ مطبق لم يقطعه إلا عويلُ القلوب وانفجارُ الدموع الحارقة. قبضتُ يديّ بقوة، وانحنيتُ أمام جلال الموت، غارقًا في فراغٍ شاسعٍ ووحشةٍ لا تنتهي، حيث غاب أخي وترك خلفه دنيا لا تشبه التي كانت قبل رحيله.
عقب رحيله، شعرتُ وكأنَّ الهواءَ في الغرفة قد تجمّد؛ فقد استحال الجوُّ إلى غلالةٍ من الكآبةِ الممزوجةِ بالتأمل، وغرقت الوجوهُ -من طاقمٍ طبيٍّ وعائلة- في بحرٍ من الذهولِ والفراغ. بدأ الأطباءُ بصمتٍ مهيبٍ يزيلون تلك الأجهزةَ التي كفّت عن الغناء للحياة، بينما كنا نجرُّ خطانا نحو الخارج، مثقلين بركامٍ من مشاعرِ الذنبِ وفجيعةِ الفقد. غادرتُ المستشفى جسديًا، لكنَّ أنفاسه الأخيرة لا تزالُ تترددُ في مسمعي، تطاردني كصدىً أبديٍّ يكشف لي هشاشة الوجود. لقد حُفرت تلك اللحظة في وجداني، لتغير نظرتي للموت، وتُعيد صياغة فهمي للروابط البشرية التي لا تنقطع برحيل الأجساد.
لقد كانت رحلتي معه في ذلك اليوم تجسيدًا للصراع بين الأمل واليأس؛ فما بدأ كزيارةٍ روتينيةٍ وفحصٍ عابر، استحال كابوسًا مباغتًا خطفَ أخي أمام ناظري. في تلك الغرفة، تجلت ذروة الضعف الإنساني، وأدركتُ حينها أنَّ الحياة ما هي إلا طيفٌ زائل، وأنَّ كل لحظةٍ نقضيها مع من نحب هي كنزٌ لا يعوض. إنَّ مرارة ذلك اليوم، رغم قسوتها، علمتني أنَّ قيمة الحياة تكمن في اغتنامها قبل أن يدركها الوداع المفجع.
رحلَ أخي جسدًا، لكنه استوطنَ في روحي مقامًا لا يزول. لم يعد بيننا، ومع ذلك أراه في كل زاوية، وألمسُ أثره في مقتنياته التي باتت تشهد بصمتٍ على عظمةِ مَنْ كان يشغلها. حضورُه لم يعد ماديًا، بل صار إلهامًا يغذي نضجي العاطفي ويوجه قراراتي. أستحضرُ صوته في ذهني كلما احتجتُ إلى الوضوح، وأجدُ في ضحكته المطبوعة في ذاكرتي ملاذًا من وحشة الطريق. حتى الأحلام، غدت جسرًا سريًا يربطني به، حيث يزورني ليمنحني طمأنينةً تخبرني أنَّ الحبَّ أقوى من الموت، وأبقى من الفراق.
إنَّ الحالة التي تركها رحيله في نفسي هي مزيجٌ معقدٌ من الشوقِ والامتنان؛ شوقٌ يشتعل في المناسباتِ وفي تفاصيلِ الأيام العادية، وامتنانٌ لأنني حظيتُ بشقيقٍ مثله. لقد تعلمتُ من رحيله دروس الصمودِ والنزاهة، واقتبستُ من ثباته أمام الشدائد نورًا يضيء لي عتمة الحزن. لقد غرس فيّ قيمًا تجعلني أعيشُ بوعيٍ أكبر، وأسعى لترك بصمةٍ إيجابيةٍ تليقُ بإرثه الذي تركه فيّ. سيظل (كامل) حيًا في تفاصيل شخصيتي، وفي كل فعلِ خيرٍ أسلكه، فالغيابُ ليس إلا صورةً أخرى من صور الحضورِ الأبدي في القلوب.
وفي لحظات العزلةِ التي أخلو فيها بنفسي، يتجلى ذلك الحوار السرمدي بين الحضور والغياب؛ فأنا لا أفتأ أستحضر طيفه في مرآة التأمل، وأتخيل وقع خطاه وصدى ضحكته، وكأنني بتلك الرؤيةِ الروحية أجسرُ الهوة التي أحدثها الفراق الجسدي. إنَّ رحيل (كامل) لم يكن نهايةً لوجوده، بل هو تحولٌ من حضور العين إلى حضور الروح؛ فمقتنياته التي تركها، والأثر العميق الذي نقشه في وجداني، والنمو العاطفي الذي استمددته من صبره، كلُّها شواهدُ حيةٌ على أن جوهره لا يزال جزءًا لا يتجزأ من كياني وهويتي.
لقد كان رحمه الله مثالًا للنقاء الذي يمشي على قدمين، يطوف بين الناس بنسماتِ المحبة، ويتدثرُ برداء التواضع، باذلًا من وقته وجهده دون منّةٍ ولا رياء. لم تكن رابطته بمجتمعه في "المطيرفي" وغيرها مجرد مشاركةٍ عابرة، بل كانت رسالةً صادقةً تحمل هموم الناس في قلبه، وتشاركهم أفراحهم بكل صدق؛ فكان كالغيث، أينما وقع نفع، وأينما حلَّ ترك أثرًا من عطر وأمان.
وها هي الأيام تمضي، يطوي بعضها بعضًا، حتى أشرفنا على مرور أربعين يومًا على رحيله المرّ. أربعون يومًا لم تزدنا إلا يقينًا بعظم الفقد، ولم تزد ذكراه في قلوبنا إلا رسوخًا ونورًا. إننا إذ نودع أيامه بيننا، نستقبل إرثه الذي لن يغيب، مؤمنين بأنَّ مَنْ عاش بقلبٍ كقلبه، وسيرةٍ كسيرته، لا يموتُ أبدًا في ذاكرة الطيبين، بل يظلُّ كالشمس، تغيب عن الأعين لتبقى دافئةً في ثنايا الروح.
أَخِي؛ مَا زِلْتَ فِي قَلْبِي مُقِيمًا .. وَإِنْ غُيَّبْتَ فِي جَدَثٍ وَطِينِ
فَوَا أَسَفِي عَلَى فَقْدِي لِأَلْفٍ .. كَأَنَّكَ كُنْتَ لِي حِصْنًا حَصِينِي
جديد الموقع
- 2026-05-21 سمو نائب أمير المنطقة الشرقية يتفقد استعدادات مطار الملك فهد الدولي لإستقبال ضيوف الرحمن
- 2026-05-21 أجل تفسيرك يصفو تفكيرك ويحسن تدبيرك
- 2026-05-21 العنوان : أجل تفسيرك يصفو تفكيرك ويحسن تدبيرك
- 2026-05-21 *العيون الخيرية بالأحساء تواصل جهودها في الحوكمة لتعزيز الكفاءة والشفافية*
- 2026-05-21 سعادة وكيل محافظة الأحساء يستقبل أعضاء مجلس إدارة جمعية الدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات بالمحافظة
- 2026-05-21 سمو أمير المنطقة الشرقية يوجه باستمرار العمل في الإمارة والمحافظات خلال إجازة عيد الأضحى لخدمة المواطنين
- 2026-05-21 60 موظفا يلتحقون ببرنامج تدريبي متخصص في تحليل السلوك التطبيقي والتوحد بـ”إرادة"
- 2026-05-21 الكتابة التعاطفية
- 2026-05-20 < <القيمة الإنسانية العليا> >
- 2026-05-20 بر الاحساء تعلن عن مشروع الاضاحي في لقائها بالاعلاميين
تعليقات
أحمد العبد النبي
2026-05-21كلام جميل جدا و مؤثر نابع من قلب نقي محب للجميع، فما بالك بهذا الحب حينما يلامس مشاعر الأخوة والمحبة الحانية. لقد كان الأخ كامل يجسد الكمال والجمال في نشاطه حيث تمكنه من استخدام القنوات والمواقع في السوشال ميديا. والإخراج. كذلك دو نظرة ثاقبة إعلامية فحسب علمي هو رحمه الله تعالى من اختار اضافة كلمة (الراوي) تعريفًا لابن الخالة باسم العامر للتعريف به، وبهذا أصاب كبد الحقيقة. وفوق كل ذلك فهو على درجة رفيعة من الخلق وكل من عاشره يقر ويمجد له إيمانه ومحافظته على الصلوات. فهو بحق كامل السمات الرفيعة. وهذه الاخلاق الراقية يتمتع بها واقعاً هذا البيت الطيب بيت (الجاسم) وهذا نتلمسه في الفقيد السعيد وفي صديقنا وحبيبنا عبدالله الكاتب الراقي. فهما للإحسان أبًا. نسأل الله أن يتغمده برحمته ويسكنه فسيح جنته. وإنا لله وإنا إليه راجعون