2026/05/26 | 0 | 65
العقل القلبي
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]
في زحمة الحياة، وبين كثرة الانشغالات التي تسحب الإنسان في كل اتجاه، يظل في داخل كل إنسان سؤالٌ هادئ لا يختفي: إلى أين نمضي حقًا؟
وقد لفت القرآن الكريم النظر إلى حقيقةٍ دقيقة في بُنية الإنسان حين قال:
﴿...فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا...﴾
وهنا يتوقف الإنسان قليلاً ليتأمل: هل للقلب “عقل”؟
في التصور القرآني والروحي، القلب ليس مجرد مضخةٍ للدم، بل هو مركز الإدراك الباطني وموضع الفهم العميق، لكن بشرط أن يكون حياً صافياً بذكر الله وتلاوة القرآن الكريم بشكل دائم.
فإذا صفا القلب أدرك وعقل، وإذا انطمست بصيرته فقد وظيفته في الإدراك الحقيقي، حتى لو بقي العقل الذهني نشيطاً.
ولهذا قد يفهم الإنسان بالأفكار، لكنه لا يهتدي بالبصيرة.
وقد يعرف الحقيقة بعقله، لكنه لا يذوقها بقلبه.
ومن هنا نفهم أن “العقل القلبي” هو البصيرة، لا مجرد التفكير.
واعلم أيها القارئ المبارك أن للقلب سمعاً وبصراً ولساناً وشماً وأن من الخواطر ، وما يقع في سمع القلب فيكون فهماً ، ومنها ما يقع في لسان القلب فيكون كلاماً وهو الذوق ،ومنها ما يقع في شم القلب فيكون علماً وهو العقل المكتسب بتلقيح العقل الغريزي، فالقلب اسم جامع يقتضي مقامات الباطن كلها.
وقد ورد عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليهم السلام أنه قال:
«ومن عشق شيئاً أعشى بصره وأمرض قلبه…»
فالعشق هنا ليس مجرد إحساس، بل حالة تغيّر الإدراك؛ فيرى الإنسان بعين غير صحيحة، ويسمع بأذن غير واعية، لأن القلب حين يبتعد عن التوازن يفقد صفاء الرؤية.
ومن هنا تأتي عظمة يوم يوم عرفة ذلك اليوم الذي لا يشبه الأيام، وكأنَّ السماء فيه تفتح أبوابها للقلب المتعب، وتقول له:
تعال؛ مهما أثقلتك الدنيا، ومهما ابتعدت، فما زال باب الله مفتوحاً لك.
إنَّ يوم عرفة ليس مجرد موسم دعاء، ولا ساعات عابرة من الابتهال، بل هو إعلانٌ روحي عظيم بأن الإنسان خُلق ليعرف الله، وليحب الله، وليسير إلى الله.
ولهذا كان العارفون يرون أنَّ كلَّ أيام العمر ينبغي أن تتحول إلى “عرفة” ممتدة؛ عرفة في الوعي، وعرفة في التوبة، وعرفة في المحبة، وعرفة اللطف وعرفة في الرحمة وعرفة في العودة الصادقة إلى الله تعالى.
فالقضية ليست أن نقف ساعاتٍ بأجسادنا فقط، بل أن تتحرك أرواحنا من غفلةٍ طويلة إلى يقظةٍ حقيقية.
وفي هذا المعنى يقول أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليهم السلام: «وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم».
وهنا يتضح أن العلة ليست في الجسد، بل في القلب؛ لأن القلب هو مركز التوجه، فإذا تعلق بغير الله تعب، وإذا توجه إلى الله سكن.
ولهذا فالقلب الذي “لا يعقل” هو القلب الذي فقد بصيرته، حتى لو كان صاحبه كثير المعرفة والمعلومات.
أما القلب الذي يعقل، فهو الذي يرى الحقيقة بنور الله، لا بسطح الأحداث فقط.
وقد قال تعالى:
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾
فلا يمكن أن ينقسم القلب بين الله والدنيا، لأن أحدهما سيغلب الآخر. وفي زحمة هذه الحياة، يشعر الإنسان فجأة أنَّه مشتاق لكنَّه لا يعرف إلى ماذا بالضبط.
مشتاق إلى الطمأنينة إلى السكينة إلى الحب الإلهي إلى ذلك الشعور الذي يفقده وسط الركض الطويل خلف الدنيا.
ولهذا يأتي يوم عرفة كفرصة عودة كبرى، لا كطقسٍ عبادي عابر، بل كتحول داخلي في مسار الإنسان، وكأن الروح تُستدعى من غفلتها الطويلة إلى وعيها الأول.
وفي هذا اليوم تتجلّى نفحات الإمام الحسين بن علي عليهم السلام بأسمى صورها، حيث يتحول الدعاء إلى بصيرة، والابتهال إلى معرفة، والدمعة إلى وعي.
وحين نقرأ دعاءه عليه السلام، لا نقرأ نصاً فقط، بل نعيش حالة من الانكشاف الروحي الذي يعيد ترتيب القلب من الداخل.
فيقول عليه السلام:
إلهي ماذا وَجَدَ مَنْ فَقَدَكَ وَما الَّذِي فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ؟...
هنا تقف المعاني كلها عند سؤال واحد:
ما قيمة كل ما نملك إن فقدنا الله؟
وما الذي يمكن أن ينقص من وجد الله حقًا؟
ثم يقول عليه السلام:
عَمِيَتْ عَيْنٌ لَا تَراكَ عَلَيْها رَقِيباً وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ "حُبِّكَ نَصِيباً"...
وهنا يرسم الإمام ملامح الخسارة الحقيقية: أن يعيش الإنسان بلا حب الله عز وجل وبلا حضور الله في قلبه، مهما كانت مظاهر النجاح حوله.
ثم يفتح باب الرجاء الإلهي فيقول:
اللّهُمَّ إِنَّكَ أَقْرَبُ مَنْ دُعِيَ وَأَسْرَعُ مَنْ أَجابَ وَأَكْرَمُ مَنْ عَفى وَأَوْسَعُ مَنْ أَعْطى وَأَسْمَعُ مَنْ سُئِلْ...
ويختم حالة الاعتراف الصادق بقوله:
يا مَنْ قَلَّ لَهُ شُكْرِي فَلَمْ يَحْرِمْنِي وَعَظُمَتْ خَطِيئَتِي فَلَمْ يَفْضَحْنِي وَرَآنِي عَلَى المَعاصِي فَلَمْ يَشْهَرْنِي...
إنها ليست كلمات دعاء فقط، بل بناءٌ كامل للعلاقة بين الإنسان وربه: اعتراف، ورجاء، ومحبة، ووعي، وعودة.
من هنا نفهم أن القلب يُطلب منه الكمال، والصدق في العودة.
فالإنسان لا يُقاس بأنه لا يخطئ، بل بأنه يعود ويذوق محبة الله عز وجل في قلبه فيعقل ويعرف ويبصر ويسمع بنور الله عز وجل فيعبد الله عن حب ولا يذنب.
وحين يصل الإنسان إلى هذا الفهم، يدرك أن يوم عرفة ليس يوماً واحداً في السنة فقط، بل نموذجٌ لحياةٍ كاملة.
والآن، وبعد هذا التأمل، يبقى نداءٌ مهم لكل قارئ كريم:
اقرأ دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة بوعيٍ لا بعادة، وبمعرفةٍ لا بمرور، وبحبٍ لا بسطحية، اقرأه كمن يبحث عن نفسه، وكمن يريد أن يعود إلى الله لا أن يمرّ على النص فقط.
فربما تكون جملةٌ واحدة من ذلك الدعاء المبارك بداية سفرٍ جديد إلى الله من خلال أنفاس أبي عبدالله الحسين عليه السلام.
والحمدلله رب العالمين.
جديد الموقع
- 2026-05-26 كَرَامَةُ الْإِنْسَانِ لَيْسَتْ لُعْبَةَ أَطْفَالْ
- 2026-05-26 أفراح الناجم والعبدالعزيز تهانينا
- 2026-05-26 التفكير الهادئ مفتاح الحلول الذكية
- 2026-05-26 الحجّ… رحلةُ الروح قبل الجسد
- 2026-05-25 الشاعر جاسم الصحيح يفتح أبواب تجربته الشعرية والفلسفية لـ “الجزيرة الثقافية”: الشاعر سفّاح الكلمات ومنقذها في الوقت ذاته
- 2026-05-25 قراءة في كتاب الأمراض الأخلاقية
- 2026-05-25 اليأس
- 2026-05-25 حلاوة الشعور بالقبول مقابل مرارة الشعور بالرفض الاجتماعي
- 2026-05-25 عدد ولادات المرأة مؤشر تنبؤي على انخفاض احتمال اصابتها بالسكتة أو الاحتشاءات الدماغية، بحسب المركز الصحي الأكاديمي التابع لجامعة تكساس
- 2026-05-24 في مِحرابِ المودة: حينَ أهداني حسين وحسن نبضَ الحياة