2014/11/07 | 0 | 2412
السيد هاشم الموسوي: الحسين مدرسة العشق الإلهي
أعزي جميع الأمة الإسلامية بل جميع الإنسانية باستشهاد إمام الأمة أبي الضيم أبي الأحرار سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام وكل من قاتلوا دونه وإلى يومنا هم يقتلون لاسيما شهداء الأحساء الكرام الذين أعطوا الروح حبا وكرامة لأبي عبدالله الحسين رحمهم الله وأدخلهم فسيح جناته.إن من صفات المحب الحقيقي لمن أحبه أنه لا يشعر بالألم في سبيل من يحب ومن يعشق ، فالشهادة في طريق الحسين هي التي سطرها لله تعالى ، إذا استشهاد هؤلاء الثلة الطاهرة امتدادا واستمرارا للطريق الإلهي والصراط المستقيم فالحمد لله على هذه الشهادة الكريمة والعزيزة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى في كتابه الكريم (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله) صدق الله العلي العظيم.
المحب يتبع المحبوب بالانقياد والجذب ويكون سيره في ذلك مقرونا باللذة والبهجة ، دون أن يحس العبد فيه بمشقة السعي و وعورة الطريق إليه ، مهما علت الأخطار وكثرت العقبات. فإن المحب الحقيقي لا يشعر بتلك العقبات وصعوبة المواصلة فيشعر باللذة والبهجة والانبساط لذلك الحبيب ، إن جميع الأنبياء والرسل قد تغلغل الحب الصادق بل العشق لله تعالى حتى صار ما يعانوه من أذى بردا وسلاما في طريق المعشوق والمحبوب وهو الله.
انظروا إلى مسيرة كل الأنبياء إدريس "عليه وعلى نبينا السلام" ابتلي بالفرار من السلطان وتفرق الأعوان وجوعه ثلاثة أيام ، نوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين فكانوا يضربونه حتى يغمى عليه ثلاثة أيام يجري الدم من إذنه ، وما صده ذلك عن الدعوة إلى الله ، بل وجد ذلك لذة وبهجة وانبساطا لحبه وعشقه لله تعالى فلا يشعر ولا يحس بتلك المعاناة والآلام ، فإن شئت قصدت الخليل الذي قرب نفسه فعرضها لنار في فرسخ ولم يقبل إعانة الملائكة ولم يدع ربه للخلاص منها ، وقال (حسبي من سؤالي علمه بحالي) وما كان ذلك إلا لعشقه وذوبانه وإخلاصه لله تعالى ، فلم يشعر بأي ألم وهو يدعوا إلى ربه. أنظر إلى مأساة يعقوب الذي تقوس ظهره وذهبت عيناه حزنا على يوسف وما رأى ذلك إلا حبا وكرامة لخالقه ، هود عليه السلام ضرب بالعصي والحجارة وعصر نحره حتى دنى أجله و قرب هلاكه ، وصبر حبا وعشقا وكرامة لخالقه فكل تلك الآلام لم تثنيه عن دعوته ، فالمحب مهما قاسى وعانى من الآلام فإنها بهجة ولذة وانبساط لمحبوبه ومعشوقه وهو الله سبحانه وتعالى ، أيوب على ما حل به ، قال تعالى عنه (إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) لذلك لا ترى منهم إلا الرضا والاطمئنان بما أراده الله تعالى ، يحيى والحسين عليهما السلام وجوههم تضيء من النور ، نور الله ، لم يريا فرحا طول عمرهما ولو اتفق هذا الفرح تبدل حزنا.
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أن في النار منزلا لا يستحقه أحد إلا بقتل يحيى والحسين). بكت السماء عليهما دما ، تكلما رأساهما بعد القتل ، فيحيى قال: "للملك اتق الله" ورأس الحسين ، قرأ القرآن مكررا وسمع منه لا حول ولا قوة إلا بالله ، يحيى قتل صبرا واحتسابا ، وقال السجاد عليه السلام: (أنا ابن المقتول صبرا) ، مع كل هذه الآلام فهي لذة وكرامة وبهجة للخالق عز وجل. سجن يوسف النبي وموسى النبي ولإمام موسى عليهم السلام وما حل على أهل البيت من تقتيل وسجن وتهجير وازدراء ومهانة وتضييق وحروب وتضحيات ، كان بردا وسلاما وطمأنينة وبهجة لأنسهم ولعشقهم لله تعالى.
إن للحب درجات وأقسام :
1- أدناها وأقلها ميزانا الحب الحيواني البحت أو قل حب التذاذ قوى النفس ، كحب التذاذ القوة الباصرة لما هو جميل وحسن ، والقوة الذائقة لما هو طيب و شهي ، والقوة الشامة لما هو زكي ، وهذا الحب مشترك بين الإنسان والحيوان.
2- حب الحياة أو الوجود أو البقاء فإن كان هذا الحب التذاذا لقوى النفس فهو من الأول ، وإن كان حب الحياة للاستزادة من الطاعة والخير المعنوي ، وهو حب لله تعالى فهو من القسم الثالث.
3- إن أدى بنا هذا الحب حب الحياة إلى حب واهب الحياة والوجود باعتبار أن وجودنا ؛ إن هو ليس إلا وجودا تعلقيا غير مستقل ، كتعلق المعلول بعلته ، وأن الوجود الاستقلالي ليس إلا لله سبحانه وتعالى فهو المستحق للحب والعشق فهذه درجة عاليه من الحب العرفاني ، ولعل حديث: (من عرف نفسه فقد عرف ربه...) أي أن الإنسان لا يعرف الوجود المستقل أو قل واجب الوجود إلا إذا عرف وجوده التعلقي و الممكن ، وهنا كلمة لطيفة منسوبة لبعض العلماء وكأنه قصد بها تفسير ذلك بقوله: (الروح لطيفة لاهوتية في صنعة ناسوتية دالة من عشرة أوجه على وحدانية ربانية).
4- حب المنعم والمحسن وهذا الحب ينمو ويشتد في العبد بالنسبة لله تعالى بقدر اكتشاف العبد لنعم الله وتدبره فيها.
5- حب الجمال والجلال إن صح التعبير، وهو حب المستحق للحب سواء أحسن إليك أم لا ، وهذا الحب لا ينبغي إلا لمن استجمع صفات الفضائل والكمال والجمال الباطني ولا جامع لهذا كله من الكمالات إلا الله تعالى ، وليس جمال المخلوقين وكمالهم إلا تجليا لشمس جماله وترشحا لبحر جلاله تعالى حيث ورد في الدعاء الشريف: (اللهم إني أسألك من جمالك بأجمله وكل جمالك جميل اللهم إني أسألك بجمالك كله) وهذا الحب ذي المرتبة العالية لا يكون إلا لدى العرفاء الكمّل.
6- الحب الناشئ من القرب في سلسلة الوجود ، والأقرب إليك في تلك السلسلة هو الله تعالى أقرب من الأبناء والآباء والعشيرة وهذا أيضا لا يكون إلا لدى العرفاء وأهل الكمال الذين يفتدون بأنفسهم وأولادهم في سبيل رضا الله الحبيب المطلق.
7- الحب الناشئ من الأنس مثل الأنس بالصاحب أو الشريك ولكن أنسك بالله هو الذي يجعل من العبد محبا لمناجاة ربه وبث شكواه له واتخاذه خليلا وهو خاص بأولياء الله وأصفيائه والذي تمثل في الحسين وآل الحسين وآبائه وأجداده الطيبين الطاهرين.
الأنس بالله لا يحويه بطال وليس يدركه بالحول محتال
والآنسون رجال كلهم نجب وكلهم صفوة لله عمال
إتباع أهواء النفس و ميولها يفسد القلب ويجعله مظلما ، أما صفاء الروح ونقاوتها من كل الأهواء ، ليكون ملء ذلك القلب العشق والهيام وبالتالي محلا لتجليات الأنوار الإلهية ، قال تعالى: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله). أهواء النفس تمنع الأنس بالرب والانقطاع إليه ، إذن سر كمال النفس وجلال الروح هو الإخلاص لبارئها ولا يكون الإخلاص إلا بالحب ، وإذا أحب العاشق سارع لمناجاته والانقطاع إليه في العبادة ، فالعباد المخلصون و المحبون الإلهيون الذين يعبدون الله لأنهم يعرفونه ولكونه تعالى منبع الكمالات والفيوضات ، وبالتالي يعشقونه ويأنسون بعبادته وخدمته ، وهذه أعلى مراتب الإخلاص. يقول الإمام الصادق عليه السلام: (إن الناس يعبدون الله على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء وهو الطمع وآخرون يعبدونه خوفا من النار فتلك عبادة العبيد وهي رهبة ولكني أعبده حبا له عز وجل فتلك عبادة الكرام وهو الأمن لقوله عز وجل: (وهم من فزع يومئذ آمنون) و بقوله تعالى: (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر ذنوبكم) فمن أحب الله أحبه الله ومن أحبه الله كان من الآمنين).
من الآمنين يوم الفزع الأكبر، والأمن يعني الطمأنينة والنفس المطمئنة هي المحبة التي لا ترى إلا حبيبها. كلما كان حب الإنسان أكثر و أكثر وتعلقه بعالمه اللا متناهي واللاهوتي كانت روحه أكثر ثباتا واطمئنانا ، ووهج نوره أشد وأعظم ، بمعنى كلما زاد العبد حبا لله زاد قربا وبالتالي نورا و وهجا إلهيا في قلبه ، لينعكس على روحه وبدنه وحياته ، وهذا القرب قربا كماليا ودرجة وجودية رفيعة.ثبت في كتب الحكمة والفلسفة الإسلامية أن الوجود حقيقة مشككة ، بمعنى أن لها مراتب ودرجات كالنور. النور له درجات من نور بسيط إلى أقوى وأقوى حتى نصل إلى أعلى مراتب النور حيث لا شيء غير النور ، وكذلك مراتب الوجود فهي متفاوتة ودرجات تختلف شدة وضعف ، أقل مراتب الوجود وأقلها درجات وجود الطبيعة والمادة ، وأعلى مراتب الوجود وجود الذات الإلهية المقدسة لله المتعال ، حيث هي لا متناهية من حيث الكمال الوجودي وبين هاتين المرتبتين يوجد درجات من الوجود اختلافها ناشئ عن شدتها و ضعفها من هنا يتضح أنه كلما كان الوجود أقوى ودرجاته أرفع وأكمل كلما كان صاحبه أقرب إلى الذات الإلهية المقدسة اللا متناهية ، وبالعكس كلما كان أضعف كلما ابتعد عن ذات واجب الوجود. النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هو أقرب الوجودات إلى الله تعالى فهو قاب قوسين أو أدنى ثم علي وفاطمة والحسن والحسين الشهيد عليهم السلام ، هم أقرب الخلق إلى الله وأكثرهم حبا له تعالى.
هم أنوار الهداية استمدوا النور من نور النور ، النور المطلق ، بل هم نور الله في الأرض وهم أقرب الخلق لديه ، وكلما كان ذلك الوجود أبعد صار أسوأ مراتب الوجود بل أسوأ حتى من الحيوانات والجمادات ، قارن بين كمال الحسين وقربه وحبه لله وحب الله له ، وبين يزيد وبعده عن الله وكره الله ليزيد و أعوانه. خلقهم من نوره وقدسه لما متعوا به من كمال الوجود وعشقهم اللا متناهي يظهر لنا من خلال هذا التوضيح أن حركة وارتقاء الإنسان مستمرة نحو مقصد لا متناهي ، فكلما سعى الإنسان أكثر في معرفته بالله ، كلما كان عشقه لله أكبر كلما ارتفع إلى مقام أعلى واستفاد من الفيوضات الإلهية أكثر. حيث ورد في الدعاء الشريف وابعثه المقام المحمود الذي وعدته وهو المكان الأقرب إلى الله في الجنة ، قاب قوسين أو أدنى منتهى القرب كيف وصل لهذا المقام المحمود إلا لشدة حبه لربه.
وجميل ما قاله العلامة الكفعمي: (كم لله من عبد لا يعرف ربا سواه ولا يتخذ إلهه هواه وجهه وضيء و فعله رضي وقلبه سماوي وجسمه أرضي) و كلما كانت الروح العاشقة لله أكثر عشقا ومعرفة وحبا لله كانت أكثر اطمئنانا وخشوعا ورضا بقضاء الله ، قال الله تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) صدق الله العلي العظيم.
فالحسين هو من جسد الرضا بالمقسوم ، واطمئنان الروح.
(الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) هذا هو العشق هذا هو القرب من الله هذا هو الهدوء النفسي والاطمئنان الروحي الذي تجسد في نور من أنوار الله في الكون وهو الحسين العظيم. أحب الله من أحب حسينا ، عشق الحسين لربه جعل الأحرار في كل مكان وزمان يحبونه وعلى مختلف دياناتهم وأفكارهم من مسيح وصابئة وغيرهم فهم شاركوا في تعزية الحسين وكتبوا فيه وسطروا الكتب. صدق الرسول الأعظم حينما قال: (إذا أحب الله عبدا من أمتي قذف في قلوب أصفيائه وأرواح ملائكته وسكان عرشه محبته ، ليحبوه فذلك المحب حقا طوبى له ثم طوبى له ، وله عند الله شفاعة يوم القيامة). السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين. اللهم اجعل الحسين شفيعا لنا يوم القيامة.










جديد الموقع
- 2026-05-23 أفراح ومسرات الغزال والشاوي
- 2026-05-23 بـ "أبعاد" السرد وبوح "البدايات".. ليلة أحسائية تحتفي بالكلمة وتخلّد الإنجاز العلمي
- 2026-05-23 *أفراح الرقه و البلادي بالاحساء*
- 2026-05-23 العبدالرضا تحتفل بزواج (( علي )) بالهفوف
- 2026-05-23 القراءة في مواجهة الإلحاد
- 2026-05-23 مصادر لـ«الشرق الأوسط»: «الأخضر» سيلاعب نيكاراغوا قبل المونديال -- دونيس يستعين بمترجم الخليج... ومحلل أداء الفتح
- 2026-05-23 عدد ولادات المرأة مؤشر تنبؤي على انخفاض احتمال اصابتها بالسكتة أو الاحتشاءات الدماغية، بحسب المركز الصحي الأكاديمي التابع لجامعة تكساس
- 2026-05-23 قراءة في كتاب بنات الأفكار في أدب المناقشة والحوار
- 2026-05-23 لأسرة كيان جامع للرحمة
- 2026-05-22 أَبُو عَدْنَانْ .. عَالِمًا، مُفَكِّرًا، وَأَدِيبًا