2013/08/20 | 2 | 6916
الإسلام القرآني) بين السيد الحيدري وجورج طرابيشي
بعد أن تحدث السيد كمال الحيدري –حفظه الله- عن القرآن الكريم في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله؛ انتقل للحديث عن إسلام القرآن وإسلام الحديث في سلسلة حلقات عنونها باسم: (من إسلام الحديث إلى إسلام القرآن)، وهذا العنوان هو عكس العنوان الذي اختاره المفكر المعروف جورج طرابيشي لأحد كتبه، والذي أطلق عليه اسم: (من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث \"النشأة المستأنفة\").
ولم يكن هذا التشابه بين عنوان حلقات السيد الحيدري وبين كتاب طرابيشي عن محض صدفة، بل إن السيد الحيدري بنفسه قد أشار بأنه أخذ هذا المصطلح من هذا الكتاب، كما بين بأن هذا لا يعني أنه يوافق على ما جاء فيه، ولكنه يريد بذلك أن يبين \"أن الإسلام الذي بينه القرآن الكريم يختلف في كثير من أبعاده عن الإسلام الروائي أو الحديثي\".
وعلى الرغم من تصريح السيد الحيدري بذلك إلا أن البعض أخذ يروج له وكأنه قد اكتشف سراً خطيراً لم يكن معلناً عنه من قبله، وذلك لمحاولة الإيحاء بأنه قد استقى جميع أفكاره التي جاء بها في حلقات (من إسلام الحديث إلى إسلام القرآن) من هذا الكتاب الذي كتبه المفكر المسيحي المعروف جورج طرابيشي -طبعاً كما يفضل هؤلاء أن يعرفوه!!- ظناً منهم بأن هذه هي أسهل طريقة يتم من خلالها الإجهاز على مشروعه في الرجوع للإسلام القرآني.
والغريب في الأمر أن البعض ولفرط حماسته غفل عن أن العنوان الذي وضعه السيد الحيدري لحلقاته هو عكس العنوان الذي وضعه طرابيشي لكتابه، لدرجة اختلط عليه الأمر ونسب نفس عنوان حلقات السيد الحيدري (من إسلام الحديث إلى إسلام القرآن) لكتاب طرابيشي، وغفل عن كون الكتاب يحمل عنواناً معاكساً، وهو (من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث \"النشأة المستأنفة\").
وعلى الرغم من التشابه الكبير بين العنوانين إلا أن بينهما فروقات شاسعة، فالإسلام القرآني عند السيد الحيدري هو غير الإسلام القرآني عند طرابيشي، ولذلك فإن أي محاولة تستهدف الربط بينهما وتتجاهل الهوة الساحقة التي تفصل رؤية كل منهما عن الآخر –كما حاول البعض- هي محاولة مكتوب لها الفشل منذ البداية.
ولهذا سيكون لي وقفات
للمقارنة بين ما طرحه السيد الحيدري وما طرحه جورج طرابيشي حول إسلام القرآن،
وسأركز فقط على أهم نقاط الاختلاف التي بينهما، لأبين بأن معالم الإسلام القرآني
لدى السيد الحيدري تختلف عن معالم الإسلام القرآني لدى جورج طرابيشي، وهذا خلاف ما
حاول أن يصوره البعض.
وهذا لا يعني بأني أنفي وجود أية مشتركات قد يشتركان فيها، وإنما
سأتجاهل ذلك، لأن غرضي من هذا الموضوع هو الحديث عن الاختلافات لا عن الأمور
المشتركة.
إسلام القرآن وإسلام الحديث بين السيد الحيدري
وطرابيشي
لا أريد أن أتناول في
هذه المقارنة الاختلافات والفروقات التي بين السيد الحيدري وجورج طرابيشي من ناحية
المنطلقات والأهداف أو من ناحية الاختلافات في الخلفيات الفكرية أو الدينية، لأن
هذا في اعتقادي واضح جداً ولا يحتاج إلى مزيد بيان، وإنما أريد أن أتناول أهم ما
يميز كلاهما عن الآخر من ناحية المنهج المتبع، والمصادر المعتمدة، وأهم النتائج
المترتبة عليها.
- الفارق الزمني بين السيد الحيدري وطرابيشي
من المهم في البداية أن أبين بأن ما طرحه السيد الحيدري مؤخراً في حلقات
(من إسلام الحديث إلى إسلام القرآن) من التركيز على محورية القرآن في فهم المعارف
الدينية ليس جديداً يتطرق له لأول مرة، فلقد تحدث عنه من قبل في كتبه ومؤلفاته التي
تناول فيها الحديث عن المعارف الدينية، والتي يعود تاريخ بعضها لما قبل تاريخ طباعة
طرابيشي لكتابه، لأن كتاب طرابيشي طبع في عام 2010م بينما نجد أصل
هذه الفكرة موجودة في تراث السيد الحيدري قبل هذا التاريخ.
فلو رجعنا مثلاً لكتاب
منطق فهم القرآن الكريم، وهو عبارة عن تقريرات لأبحاث السيد كمال الحيدري بقلم
الدكتور طلال الحسن لوجدنا الحديث عن أصل هذه الفكرة، وهي \"محورية القرآن ومدارية
السنة\" مع ملاحظة أن هذا الكتاب مطبوع عام 2010م وهو نفس العام الذي طبع فيه كتاب
طرابيشي، علماً بأن هذا الكتاب هو عبارة عن تقريرات لأبحاث السيد الحيدري أُلقيت في
فترة زمنية سابقة لهذا التاريخ.
كذلك لو راجعنا كتاب
(كمال الحيدري قراءة في السيرة والمسيرة) إعداد الدكتور مجيد حميد هدو، والمطبوع
أيضاً في عام 2010م لوجدنا فيه الحديث عن
أصل هذه النظرية، ففي ضمن هذا الكتاب هناك موضوع كتبه الدكتور طلال الحسن بعنوان: (العلامة كمال الحيدري منهجه العلمي في
الفقه والعقائد والتفسير)، وفيه يوضح تمسك السيد الحيدري بـنظرية \"محورية القرآن
ومدارية السنة\"، علماً بأن
تاريخ كتابة هذا الموضوع يعود لشهر ربيع الأول عام 1430هــ كما هو موضح في
نفس الكتاب، أي قبل عام تقريباً من طباعة جورج طرابيشي لكتابه.
ولهذا فإن من يحاول أن يصور السيد الحيدري وكأنه مشى في ذلك على خطى
جورج طرابيشي وكرر نفس أفكاره التي ساقها في كتابه (من إسلام القرآن إلى إسلام
الحديث \"النشأة المستأنفة\") فإنه وبلا شك مجانب للصواب، لأن الفاصل الزمني بين ما
طرحه السيد الحيدري وماذكره طرابيشي في كتابه ينفي صحة ذلك.
المنهج بين السيد الحيدري وجورج طرابيشي
إن المنهج المتبع لفهم إسلام القرآن عند السيد الحيدري يختلف عن المنهج
المتبع لفهم إسلام القرآن عند طرابيشي، فلو سألنا: كيف يفهم ويفسر السيد كمال
الحيدري آيات القرآن الكريم؟ فسنجده يؤكد بأن منهجه هو تفسير القرآن بالقرآن نفسه،
وهذا ما أشار له الدكتور طلال الحسن وهو يتحدث عن منهج السيد الحيدري في تفسير
القرآن الكريم بقوله :\"ولذلك يرى السيد الأُستاذ بأنّ منهج تفسير القرآن بالقرآن هو
المنهج الأكمل والأتمّ الذي ينبغي أن يُسلك في تفسير القرآن، بل لا طريق أمامنا سوى
الالتزام به، فإنّ القرآن يفسّر بعضه بعضاً، ويُصدّق بعضه بعض، ويشهد بعضه على بعض
... إنّ القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يوجد اختلاف بين
مضامينه أبد، وأنّه نور وهدىً وتبيان لكلّ شيء، لا يمكن أن يُتصوّر في حقّه أن يكون
مفتقراً إلى الغير في بيانه وتفسيره. وكيف يُتصوّر ذلك في حقّه وهو مشتمل على
الدلالات البيّنة والعلامات الشاخصة على معانيه, والكشف عن أُمّهات المعارف الإلهية
ولو بصورة إجمالية ؟!\"، وهذا أيضاً
ما وضحه السيد الحيدري في حلقات (من إسلام الحديث إلى إسلام القرآن).
أما جورج طرابيشي فقد
ذهب لتفسير الآيات القرآنية التي تؤكد ما ذهب إليه من آراء حول دور الرسول الأكرم
صلى الله عليه وآله بالإعتماد على بعض المصادر بقوله: \"وسوف نعتمد في قراءتها من
المنظور الذي حددناه لنفسنا على المصادر الرئيسية المكرسة في التراث الإسلامي، ولا
سيما تفسير الطبري وسيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد وأسباب نزول الواحدي\".
وبهذا يتضح أن المنهج
المتبع لفهم الإسلام القرآني عند السيد الحيدري يختلف عن المنهج المتبع عند جورج
طرابيشي.
(محورية القرآن ومدارية السنة) بين السيد الحيدري
وطرابيشي
كذلك نجد أن معالم الإسلام القرآني وسماته وخصائصه عند السيد الحيدري
تختلف عما عند جورج طرابيشي، فالسيد الحيدري يعتمد (محورية القرآن ومدارية السنة)
كما مر بنا، ومقصوده من ذلك يتضح في قوله: \"أعتقد أن القرآن الذي بأيدينا بما أشتمل
عليه يشكل هو المحور والمصدر الأصلي الذي لا يدانيه مصدر، ولا يقع في قباله أي شيء
آخر، وهو المصدر الأول والأخير لجميع المعارف الدينية، ولكن القرآن هو الذي يبين
الأطر والقواعد والأسس والقوانين الدستورية –إن صح التعبير- وتأتي السنة في ظل
القرآن\".
فالسيد الحيدري يبين هنا
أن القرآن الكريم لا توجد فيه كل الأحكام التفصيلية، ولكنه يبين الأطر والقواعد
والأسس، فهو يرى أن القرآن هو المحور والمرجعية الأولى، والمصدر الأصلي، والأساس،
والميزان والمعيار، وتأتي السنة في ظله، ويرفض أن تكون المحورية والمرجعية الأولى
للسنة وللحديث، كما يبين بأنه يقصد السنة المنقولة المحكية لا السنة الواقعية،
ويبين كذلك بأنه لو كنا نعيش مع رسول الله صلى الله عليه وآله ونسمع منه مباشرة،
فإننا لا نعرض كلامه على كتاب الله سبحانه وتعالى، لأن الله تعالى قال: (وَمَا
آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)، ولكننا نحتكم
في الحديث المنقول للقرآن الكريم، فأي حديث جاء سواءً كان في صحيح البخاري أو في
صحيح الكافي، يعرض على كتاب ربنا، فإن كان منسجماً معه فهو مقبول، وإن كان غير
منسجم، مخالف، معارض، مباين، مناقض، فهو زخرف نرمي به عرض الجدار.
ويشرح السيد الحيدري
كلامه في كون القرآن الكريم هو الذي يبين الأطر والقواعد والأسس والقوانين وتأتي
السنة في ظل ذلك بقوله:\"لذا تجدون، أن المجالس النيابية والمجالس التشريعية التي
تقنن دائماً تقنن ضمن الأطر والقوانين الدستورية، ولهذا تجد أن هناك مجالس تسمى
فقهاء الدستور. عندما تشرع المجالس النيابية أو التشريعية شيء لابد يعطى القانون
يصادق عليه من فقهاء القانون الدستوري، لماذا؟ لأن ذاك هو الأصل، ذاك هو المصدر
الأصلي. مصدر صيانة الدستور في الجمهورية الإيرانية أو المحكمة الدستورية في بلاد
أخرى\".
ومن خلال هذا العرض لبعض
ما جاء به السيد الحيدري نلحظ بأنه يؤكد على محورية القرآن الكريم في المعارف
الدينية، ولكنه مع تأكيده هذا لم يحاول أن
يلغي السنة أو يهمشها، بل ونجده يؤكد أيضاً بأنه يقصد من كلامه السنة المحكية والمنقولة لا السنة
الواقعية.
أما جورج طرابيشي فلا
نرى أي أثر للسنة عنده في فهم الإسلام القرآني، ولذا نراه يلغي السنة بالكامل بلا
تفرقة ولا تمييز بين السنة الواقعية أو السنة المحكية والمنقولة كما عند السيد
الحيدري، بل ولا نرى أي وجود لشيء عنده اسمه سنة الرسول صلى الله عليه وآله على
الإطلاق، ولذلك نجده يقول:\"فالرسول مسنون له، وليس ساناً، وليس له أصلاً أن يكون
ساناً. فالسنة هي حصراً سنة الله\" كما نجده
أيضاً يصف سنة الرسول بقوله: \"والغائب الكبير في النص القرآني هو تعبير سنة الرسول
الذي سيحضر بالمقابل في كتب السيرة والتفسير والفقه والحديث حضوراً طاغياً. فكيف
حدث هذا التحول من الإسلام القرآني إلى الإسلام السني؟\".
ولا نستغرب من ذلك إذا علمنا بأنه لا يفهم حتى من هذه الآية
(وَمَا يَنطِقُ
عَنِ
الْهَوَى
إِنْ
هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) أن هناك سنة للرسول الأكرم
صلى الله عليه وآله، لأنه لا يرى فيها إلا التزام الرسول صلى الله عليه وآله بتبليغ
ما جاء به الله سبحانه وتعالى من دون أن يكون له أي دور آخر غير التبليغ !!.
ومن عبارات طرابيشي السابقة نفهم بأنه يرى الإسلام القرآني يختلف كلياً
عن إسلام الحديث أو السنة، بلا تفرقة بين السنة المنقولة أو المحكية والسنة
الواقعية كما نجد ذلك عند السيد الحيدري، وهذا ما يجعل الفرق والاختلاف كبير جداً
بينه وبين السيد الحيدري.
نتائج الرجوع للإسلام القرآني (أدوار الرسول الأكرم
نموذجاً)
وفي هذه النقطة سوف نتعرض لأدوار الرسول الأكرم بين السيد الحيدري وجورج
طرابيشي كنموذج للنتائج التي توصل إليها كل منهما نتيجةً لرجوعه لإسلام القرآن.
السيد الحيدري وأدوار الرسول الأكرم صلى الله عليه
وآله
- دور الرسول في الولاية الوجودية
يعتقد السيد الحيدري بالولاية الوجودية أو ولاية التكوين للنبي والأئمة
عليهم الصلاة والسلام، ويبين بأن مقصوده من ولاية التكوين بأنها ليس الاصطلاح
الدائر بين الناس، كالتصرف في نظام التكوين كإحياء الموتى، وإنما المقصود أن النبي
والأئمة هم وسائط الفيض الإلهي، بمعنى أنهم يقعون في رتبة علل موجودات عالم
الإمكان، وكل شيء لا يصل إلى هذا العالم إلا بتوسطهم، وهذا معنى أنهم العلل الفاعلية لهذا العالم، وهذا معنى أنهم العلل
الغائية لهذا العالم\".
ولذلك نجد السيد الحيدري يفضل تسمية هذا النوع من الولاية بالولاية
الوجودية لا بالولاية التكوينية، وذلك حتى لا ينصرف الذهن إلى أن المقصود منها فقط
كالذي فعله عفريت من الجن.
ويؤكد السيد الحيدري ويصر بأنه يؤمن بهذه المرتبة للرسول الكرم صلى الله
عليه وآله بقوله: \"طبعاً أنا من القائلين بالاتجاه الثاني (الولاية الوجودية) ومن أوسع
أبوابها، من يريد أن يعتبر هذا غلو أنا أعتبر ذاك الطرف فيه قصور، من يقول لي أنك
مغالي أقول له أنت مقصر أو يسكت ويقول هذا رأيي أنا أقول هذا رأيي\".
دور الرسول الأكرم في الولاية التشريعية
بالإضافة إلى ولاية التكوين والولاية الوجودية يعتقد السيد الحيدري بأن
للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ولاية التشريع بالمعنى العام، وهي كما يبين تختلف
عن ولاية الإبلاغ، وذلك لأنها
تتيح للنبي تشريع بعض الأحكام وليس مجرد تبليغها فقط.
ويوضح السيد الحيدري المراد بولاية التشريع بالمعنى العام بقوله:\"ما
يشمل التشريعية والقضائية والتنفيذية، فيما يتعلق بالولاية التشريعية بالمعنى العام
توجد للنبي والأئمة كما بينا ولاية الإبلاغ وولاية التشريع، ما معنى ولاية التشريع؟
يعني أن النبي أعطي صلاحية وفوض إليه بإذن الله أن يشرع بعض الأحكام الثابتة في
الشريعة وتعد جزءاً من الشريعة كما هي الروايات الصحيحة والصريحة في الركعتين
الأخيرتين في الرباعية\".
فالرسول الأكرم صلى الله
عليه وآله كما يعتقد السيد الحيدري له أن يشرع بعض الأحكام الثابتة في الشريعة، لأنه يرى أن
الأحكام الثابتة على نوعين أساسيين وهما: \"النوع الأول: المشرّع فيه هو الله تعالى
والرسول والأئمة يبينون ويبلغون ما شرعه الله, ليس لهم أي مدخلية لا أصل وجودها ولا
زيادتها ولا نقيصتها أبداً, لا يحق لهم شيء من ذلك على الإطلاق... النوع الثاني:
وهو الذي فوض أمر تشريعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم\". ويبين السيد
الحيدري بأنه في باب الحدود وباب الديات هناك جملة من الموارد شرع أمر تشريع الحكم
فيها للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله.
- الرسول وولاية الأولوية
يتحدث السيد الحيدري عن حدود الولاية التشريعية للرسول الأكرم صلى الله
عليه وآله ويبين وهو بصدد بحثه عن الولاية وهو يتحدث عن ولاية الأولوية في قوله
تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ
مِنْ
أَنفُسِهِمْ) بقوله: \"اتفقت كلمة محققي المفسرين أن الأولوية هنا مطلقة، يعني في
شؤون الدينية والدنيوية\". ويبين السيد
الحيدري وهو يلخص الحديث عن هذه الآية بقوله: \"بأنه لا إشكال ولا شبهة أنه كلما
ثبتت الولاية لشخص على نفسه فالنبي أولى بتلك الولاية من نفس ذلك الشخص\".
وبعد أن يناقش السيد
الحيدري الآراء في ولاية الأولوية وهل هي مرتبطة بالأمور الفردية أو الاجتماعية فقط
يقول بأن: \"هناك قولٌ يقول أن هذه الآية مرتبطة بالأولوية الفردية, لأنّه قال
تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} إذن كل فردٍ فرد لو تزاحمت ولاية الشخص مع
ولاية النبي, فولاية النبي مقدمة على ولاية ذلك الفرد. إلا أن هذا الفهم فهم سقيم
من الآية, باعتبار أنّه تقريباً اتفقت كلمة علماء التفسير وعلماء الفقه ومن تكلموا
في هذه الآية أنّنا إن لم نقل اختصاص الآية بالأمور الاجتماعية فلا إشكال أنها
شاملة للأمور الاجتماعية والفردية\".
ويوضح رأيه في هذه المسألة بقوله: \"طبعاً في اعتقادنا أنّ الأولوية
ثابتة للنبي صلى الله عليه وآله وللأئمة (عليهم أفضل الصلاة والسلام) بنحوٍ مطلق في
الأمور الاجتماعية والسياسية والقيادية مضافاً إلى الأمور الفردية... هذا أولاً.
ثانياً: حتى لو قبلنا إطلاق الآية –كما نقبل وكما يظهر من كلام الشيخ الأنصاري
وكذلك السيد الخوئي وكل من تكلم في الآية- في أن أولوية ولاية النبي والأئمة في
الأمور الفردية فهو بحث نظري محض، يعني لم ينقل لنا التاريخ بشكل معتبر أن النبي
والأئمة (ع) أعملوا ولايتهم في أمر شخصي... نعم إذا أخذت هذه الأبعاد قضايا
اجتماعية ومصالح أخرى تدخل في الأمور الاجتماعية والعامة...\".
جورج طرابيشي وحصر دور الرسول الأكرم في
التبليغ
منذ الصفحات الأولى من كتابه ذهب جورج طرابيشي للإعلان عن رأيه بأن
الرسول ليس له أي دور أو سلطة تشريعية، وإنما فقط عليه البلاغ، إذ يقول في الفصل
الأول والذي عنونه باسم (الله والرسول: الشارع والمشرع له): \"ولنشرع الآن-مع
القارئ- برحلتنا الاستقرائية مع الآيات القرآنية التي تؤكد ما ذهبنا إليه من أن
الرسول مكفوف اليد من الناحية التشريعية، فضلاً عن أنه معطل الإرادة الذاتية، منهي
عن المبادرة، ومطالب بالخضوع التام من حيث هو مرسل للمشيئة الإلهية المرسلة، وهذا
تحت طائلة العقاب\". وللاستدلال
على رأيه هذا ذكر عشرات الآيات القرآنية المباركة وبوبها في العناوين التالية:
آيات تقصر وظيفة الرسول على تبليغ الرسالة وتؤنبه وتتوعده بقطع الوحي
عنه وبمضاعفة عذابه.
آيات تحذر الرسول من استباق القرآن أو استعجال الوحي أو مجرد التمني
فيه.
آيات يعلق الرسول الحكم بصددها بانتظار نزول الوحي.
آيات تردع الرسول أو تلومه على مواقف اتخذها أو هم باتخاذها أو مبادرات
بادر إليها بدون أن يكون له مرجع أو سند من الوحي:
ج- آيات تتدخل في الحياة
الخاصة للرسول وتحدد له ما هو مباح أو محرم حتى في علاقاته الزوجية ورغائب نفسه
الجنسية.
وبعدها ذهب لطرح هذا
السؤال: \"بعد هذا كله قد يكون آن الأوان لنطرح السؤال: أليس هناك آيات تنهض دليلاً
على العكس؟ أي أليس هناك آيات ترقى بنصاب الرسول من المأمورية إلى الآمرية وتطلق له
نوعاً من حرية الحكم، أو على الأقل حرية اليد؟\".
وبعدها ناقش طرابيشي
الآيات القرآنية التي تأمر الناس بإطاعة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وخلص إلى
هذه النتيجة بقوله: \"إن الرسول هو بكل ما في الكلمة من معنى رسول، وككل رسول
فإنه ليس له من مهمة غير تبليغ الرسالة، من دون أن يكون له حق التصرف أو حتى
التأويل. وفي كل مرة يقول أو يفعل من عنده، أو حتى عندما يتمنى في دخيلة نفسه
لا أكثر، يكف عن أين يكون رسولاً، ويعود بشراً يسري عليه قانون البشرية، فيصيب أو
يخطئ كغيره من البشر، بل يضل بكل تأكيد بالنظر إلى أنه مكلف بإبلاغ الرسالة وهم
غير مكلفين: (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي وَإِنِ
اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي) (سبأ:5). وبصفته رسولاً فليس له من
جهة نفسه أن يكون شارعاً، كما ليس له من جهة مرسله إلا أن يكون مشرعاً له\".
ويضيف وهو يتكلم عن دور
الرسول بقوله: \"فالرسول مسنون له، وليس ساناً، وليس له أصلاً أن يكون ساناً. فالسنة
هي حصراً سنة الله. وفي الوقت الذي تتكرر فيه عبارة سنة الله في النص القرآني ثماني
مرات، فإن ست آيات تتوجه بالخطاب إلى الرسول مباشرة في ما يشبه الإنذار: (فَلَنْ
تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً)
(فاطر: 43). والغائب الكبير في النص القرآني هو تعبير سنة الله الذي سيحضر
بالمقابل في كتب السيرة والتفسير والفقه والحديث حضوراً طاغياً\".
وبعد ذلك يتساءل طرابيشي
عن التحول الذي حدث من الإسلام القرآني إلى الإسلام السني؟ وللإجابة عن هذا السؤال
يقول طرابيشي: \"لابد أن نتحول بدورنا من الرسالة إلى التاريخ، علماً بأن ما نقصده
هنا بالرسالة هو حصراً ما طلب إلى الرسول تبليغه من دون أن يكون له دور آخر سوى
الأمانة والإبانة في التبليغ، وما نقصده بالتاريخ هو الكيفية التي قرأ بها
البشر الرسالة التي كلف الرسول بتبليغهم إياها، وعلى الأخص الكيفية التي تعاملوا
بها مع شخص حاملها ليحولوه بدوره ليس فقط من مرسل إليه إلى مرسل، بل كذلك من مسنون
له إلى سان\".
وهذا ما يختلف كلياً عن رأي السيد الحيدري الذي ذهب إلى أن للرسول
الأكرم صلى الله عليه وآله الولاية الوجودية (أو ولاية التكوين) وله أيضاً الولاية
التشريعية بالمعنى العام، بمعنى أن يشرع أحكام ثابتة في الشريعة، هذا بالإضافة إلى
ما نقلناه عنه من حديثه عن ولاية الأولوية التي أثبتها للرسول الأكرم صلى الله عليه
وآله.
والغريب أن يحاول البعض نسبة رأي طرابيشي في عدم ثبوت الولاية التشريعية
للنبي وما ذهب إليه \"من أن الرسول مكفوف اليد من الناحية التشريعية فضلاً عن انه
معطل عن الارادة الذاتية\" للسيد الحيدري، حيث قال البعض بعد إيراده لهذه الكلمات
لجورج طرابيشي: \"وهذا ما تبناه الحيدري من منع ثبوت الولاية التشريعية للنبي
صلوات الله عليه وآله متمسكاً بآيات الكتاب، مقتنصاً المبحث من جورج طرابيشي؛
لترسيخ فكرته في عقلية المستمع بإلغاء اسلام الحديث والوقوف عند اسلام القرآن\"، وهذا أمر
واضح البطلان لما استعرضناه من كلمات للسيد الحيدري يؤكد فيها ثبوت الولاية
الوجودية والتشريعية للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، كما أن كلام السيد
الحيدري عن نظرية الإنسان الكامل، والتي تحدث عنها في نفس حلقات البرنامج تبطل
أيضاً صحة هذه الدعوى.
الخلاصة
تحدثت في هذا الموضوع عن أهم الفروقات التي تميز بين رؤية السيد كمال الحيدري ورؤية جورج طرابيشي حول (إسلام القرآن)، فلقد أثبت فيه بطلان كلام من يدعي بأن السيد الحيدري قد استقى الأفكار التي قدمها في حلقات (من إسلام الحديث إلى إسلام القرآن) من كتاب طرابيشي، وذلك من خلال اثبات الأسبقية الزمانية للسيد الحيدري في طرح بعض هذه الأفكار، وكذلك قمت ببيان أن المنهج المتبع لديهما ليس ذات المنهج، كما تناولت أيضاً أهم ما يميز كلاهما عن الآخر فيما يخص النظرة لدور القرآن الكريم والسنة، وأخيراً استعرضت أهم النتائج المترتبة على ذلك عند كل منهما.
لتحميل الموضوع كاملا اضغط هنــــــــــــا
جديد الموقع
- 2026-05-14 أمين الحباره يتوج بجائزة الأحساء للاستدامة البيئية
- 2026-05-14 "مزاج الكتابة ومجازها"...أمسية حوارية تُبحر في فلسفة الحرف مع الأديب جاسم المشرف بنادي ابن عساكر.
- 2026-05-14 تأملات حول مفهوم الرومنطيقية عن حازم صاغية
- 2026-05-14 < < الصادق الأمين > >
- 2026-05-13 السِّيَر ومفهوم كتابة الحياة
- 2026-05-13 الكافكائية الأدبية
- 2026-05-13 التدريب التقني بالمنطقة الشرقية يطلق النسخة الأولى من جائزة التميز ويكرّم الفائزين
- 2026-05-13 سمو أمير المنطقة الشرقية يرعى حفل جمعية إيثار لتكريم الشركاء والداعمين ويُدشّن مبادرة “مسيرة إيثار”
- 2026-05-13 سمو محافظ الأحساء يرعى الحفل الختامي لجائزة الأحساء للاستدامة البيئية ويكرّم الفائزين في نسختها الأولى
- 2026-05-13 جامعة حفرالباطن تشارك في ورشة «نقل المهام التشغيلية من الجامعات الحكومية إلى شركة تطوير التعليم القابضة»
تعليقات
علي الحسيني
2013-08-22اللهم صل على محمد وال محمد المقال رائع جداً ، ونشكر الأستاذ سلمان عبدالأعلى على هذه الردود الرائعة وجزاه الله خيرا ونور طريقه ونتمنى منه مواصلة هذا الطريق والدفاع عن ما يقوله السيد الحيدري حفظه الله
حوزة العلم
2013-08-25السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الفكرة مع الفكرة تصبح فكرتين مقارنة جميلة اجراها الكاتب........ بين ما طرحه السيد كمال الحيدري وجورج طرابيشي وأوضح الفرق بين المنهجين ولكن ما طرحه الكاتب لا يخلوا من بعض الاستفهام والتوقف وددت ان القي الضوء عليه اولا. الكلمات التالية هي من مقالك السنة الواقعية والسنة المنقولة المحكية .... الرسول والنبي . السنة الرسولية وضمان الاخذ بها للنبي تشريع بعض الاحكام دور الرسول هو التبليغ. التعليق الحكم في صحة الموارد يعود الى نصوص القران الكريم كل هذه الملاحظات تدور في فلك الادوار مابين الرسول والنبي ولو ان الكاتب كان يملك رؤية متكاملة حول دور الرسول ودور النبي لما وقع في هذه الاشكالات خاصة وان الله سبحانه وتعالى لم يعد بحفظ السُنة ، ولتوضيح ذلك نقول بعد التوكل على الله سبحانه وتعالى قال الله في محكم كتابه الكريم يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا .." يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى وقال ايضا قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا قل أطيعوا الله والرسول يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا نلاحظ ان الخطاب الالهي جاء بصيغة النبي تارة و بصيغة الرسول تارة اخرى ، لكن الملاحظ لم ترد آية في كتاب الله تنص على وجوب طاعة النبي فيما كانت النصوص القرآنية تشير وبوضوح ان الله يأمرنا بطاعة الرسول ويجعل طاعة الرسول مقرونة بطاعته سبحانه وتعالى . عند تتبع الخطاب الالهي لانجد أي نص قراني يأمر بطاعة النبي لا بل ان النصوص توضح لنا اجتهاد النبي في فهم الرسالة أي اجتهاد محمد النبي بما جاء به محمد الرسول. محمد الانسان يتبع محمد النبي ، ومحمد النبي يطيع محمد الرسول ، ولذلك نلاحظ ان النص القراني الذي يشير الى الرسول يوجب طاعة الرسول ، يتبعه الزام بالاتباع والطاعة يفتقد لها نص المخاطبة الى النبي وبما ان المشرع هو الله وطاعة الله مشروطة بطاعة الرسول بالتالي فان الرسول يتبع الله من حيث التشريعات فيكون هو ايضا له صفة التشريع لكن في ظل التشريع القراني لا في ذاته ، اي الرسول يشرع ضمنياَ بتفريعه للتشريع الإلهي الاساسي . فالمشرع الوحيد الذي تحمل تشريعاته صفة الابدية والبقاء هو الله سبحانه ، وكل ما دونه من تشريعات تقع في ظل التشريع الالهي فهي مرحلية متغيرة بتغير الزمان والمكان وطاعتها مرحلية ايضا ، ويطلق عليها تشريع بحدود الاستخدام المجازي للكلمة . لذلك نقول ان الولاية التشريعية للرسول والأئمة خاضعة لمتغيرات الزمان والمكان ولا تحمل صفة الابدية وهي تشريعات بالعنوان الثانوي لا العنوان الاولي ، كون تشريعات العنوان الاولي هي من اختصاص الله فقط . ملاحظة (من خلال الخطاب القراني نجد ان هناك سنة رسولية وهناك سنة نبوية وتختلف السنة الرسولية عن السنة النبوية كما وضحها النص القراني ، فالسنة الرسوليه هي المعبرة عن سنة الله ولذا تحمل صفات ما تحمله السنة الالهية(ولن تجد لسنة الله تبديلا )( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)). فماهي السنة الرسولية ؟ . السنة الرسوليه هي القران ثانيا. مسالة الفيض الالهي يعتقد السيد الحيدري بالولاية الوجودية أو ولاية التكوين للنبي والأئمة عليهم الصلاة والسلام، ويبين بأن مقصوده من ولاية التكوين بأنها ليس الاصطلاح الدائر بين الناس، كالتصرف في نظام التكوين كإحياء الموتى، وإنما المقصود أن النبي والأئمة هم وسائط الفيض الإلهي، بمعنى أنهم يقعون في رتبة علل موجودات عالم الإمكان، وكل شيء لا يصل إلى هذا العالم إلا بتوسطهم، وهذا معنى أنهم العلل الفاعلية لهذا العالم، وهذا معنى أنهم العلل الغائية لهذا العالم التعليق هل مصدر الفيض واحد أم متعدد ؟ ماهي وسائط الفيض الالهي؟ وهل الفيض الالهي محصور بالرسول وائمة اهل البيت ؟ وهل وسائط الفيض ابدية مطلقة ام محدودة ؟ مصدر الفيض هو الله وحده لاشريك له ،وان الغاية العليا للفيض هي الوصول الى معرفة الله سبحانه لا الى معرفة وسائط الفيض والوقوف عندهم ، لإنهم وسائط للفيض وليس مصدره ، فوسائط الفيض مرحله من مراحل الوصول الى مرتبة معرفته سبحانه ، لقد اشار الله في محكم كتابه الى شخصيات لم تكن تتمتع بتكليف الرسالة والنبوة ولكنها كانت تمثل وسائط للفيض الالهي ، فالعبد الصالح صاحب العلم اللدني الخضر عليه السلام ولقمان وذي القرنين كلهم مصاديق لإمكانية الوصول الى مرحلة او مرتبة او درجة او منزلة من مراحل ودرجات وسائط الفيض دون تكليف وبالتالي فان وسائط الفيض ليست محدودة او محصورة.هل الفيض ابدي ومطلق نعم ابدي ومطلق لكنها مراتب ومنازل منها المتقدم ومنها ما دون ذلك كل حسب سعيه واجتهاده هل كل رسول نبي و كل نبي رسول ؟ ان ختم النبوة والنبيين لا يستلزم ختم الرسل ، وختم الرسالة لا يستلزم ختم المُرسلين ، فالنبي محمد خاتم النبيين لا خاتم المُرسلين ، فالآية 40 من سورة الأحزاب تقول ( ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) لا خاتم المُرسلين ، والإسلام..