أتذكره جيدا فقد كان يمتلك جاذبية اكتسبها من رزانته الشديدة , و هيئته المهيبة فقد كان مربوع الجسم تكلّله لحية , بيضاء بهيّة , و يلبس العقال .
كان دكّانه الصغير في وقف المرحوم الحاج عبدالله العلي البقشي* , و الذي يقابل دكان والدي , في شارع السويق , ( ابن رشد كما اسمته البلدية قديما ) مصدرا لاجتذابي , فقد كانت بضاعته مختلفة جدا , وكنت أتساءل في نفسي :
ماذا تحتوي تلك علب الحليب المجفف القديمة لفرانس ليه , و النيدو و الكليم ؟
بالإضافة للكثير من الكراتين , أكياس الخيش !؟
لذا طلبت من أخي د محمود و- كان في وقتها في الثالث المتوسط ربما -, ماذا يبيع هذا الحجي ؟
فسأله و رد عليه الحاج ضاحكا : 
نقصّ على النسوان !!!
كانت هذه الإجابة ,تختصر روحية ذلك الرجل التي يخفي مظهره المهيب , روحا لطيفة ,ميالة للمرح .
في الحقيقة كان الحاج علي المطوّع يعمل معالجا شعبيا , و لم يكن حواجا عاديا يبيع , مواد العطارة فحسب .
و كان يعتمد في توليف تلك العقاقير اليونانية على كتب قديمة في هذا الفن , كتذكر داوود الأنطاكي و غيره من الكتب الطبية و العشبية القديمة .
و قد سمعت من الكثير من أهالي الفريج عددا من القصص روي عن مهارة الحاج علي , و ثقته في علاجاته , و التي أكسبته شهرة , جعلته موضع ثقة في هذا المضمار خاصّة لدى أبناء البادية .
لذا جاءه رجل بدوي و أسرّ له بأن زوجته تعاني من ورم في صدرها ما جعلها في اضطراب شديد , فجهّز لها مستحضرا تعافت بعد استعماله .
وكما أسلفت فإنه يثق بقدراته كثيرا كما يذكر المؤرخ الشيخ الحاج جواد الرمضان ( لذا عندما اضطرّ لعمل عمليه جراحية , في مستشفى الإرسالية الأمريكية* في المنامة , خرج حالا , و لم يبق ليتلقّى العلاج من جراحته , و لمّا لمته – أي الشيخ جواد الرمضان – قال رحمه الله :
القوم _أي الأطباء الأجانب -لديهم الجراحة و نحن العرب عندنا علاج الجروح و القروح و لقد جهّزت من الأحساء ما يكفي لعلاج أثر الجراحة , و فعلا تعافى بعدها .)
كما كان يطبب نفسه من حصى الكلى باستخدام أعشاب خاصة ,و كان يحتفظ بتلك الحصيات .
كما كان رحمه الله يتدارس باستمرار مع العشّابين و أرباب مهنة الحواجة حول تجاربهم في علاجاتهم .
و يستخلص من تلك التجارب ما يفيد و يستخدم تقديره الخاص في التوصيف .
و كان رحمه الله يهوى صيد الطيور , فيخرج مع أصدقائه البواردية من أهل الفريج أمثال المرحوم الحاج علي بن حسين فضل المحمد صالح , و الحاج عبدالمحسن الباذر و الحاج علي المحسن بو جبارة . و عبد الكريم الرقراق , عبد الرحمن الحمّاد فيقصدون نخيل الأحساء صيفا و في الشتاء يقصدون بحيرة الأصفر , حيث يكمن كلّ واحد أو اثنين منهم في ( نوشة )و هي مخبأ من الدغل و الأعواد و ينتظر فرصة سانحة, للصيد و التي عادة يكون من الطيور المهاجرة التي تقصد بحيرة الأصفر شتاء .
و كان عادة ينزل ضيفا على بعض أصدقائه من أهالي العمران و هم كما هو معروف أهل ضيافة و كرم , فيحتفون به أيّما احتفاء .
و في ذات شتاء نزل عندهم فطبخت له الهريس ثلاث ليال متتالية فخاطب الحاج علي المطوّع مضيّفيه ممازحا :
من قائل لحم الدجاج يضرّني ؟ لا والذي بهريسكم أبلاني !!
إن المدحرج و الململم عندنا خبز الرقاق سلامة الأبدان !!
أي أن الهريس و إن كان وجبة فاخرة إلا أنه كان يطمح لطبخ دجاجة مع خبز الرقاق الذي كانت و لا تزال نساء القرى خاصة القرى الشرقية يتقنّ صنعه للغاية , أظنّ أن أبناء المدن خاصّة في ذلك الزمن- يتوقّعون وجوده على مائدة مضيّفهم من أهل القرى .
و قد كانت تلك الهواية أي هواية الصيد , مصدرا لفقر الحاج علي لذا كان يحذّر أبناءه من أن تستهويهم , فهي من جهة تمّثل حالة إدمان يصعب الفكاك منها , كذلك تستنفذ أوقاته التي من المفترض أن تتوجه لطلب الرزق و يقول المثل ( القنص سُمْط الفقر ) و السمط هو العصا الطويلة , البندق القديمة طويلة لذا استعير منها هذا المثل .
و قال أيضا يصف برودة عين أم الخبيصي * في قصيدة طويلة :
(أم الخبيصي تملط الديك وتعلّق الحصني بأذانه) .
أي أن برودة ماء العين تساقط ريش الديك , و تجعل الحصني - الثعلب - يتعلّق من أذنه من شدّة برودتها .!!
و لا غرو فأهل ذاك الزمان كانوا يعانون من العنت شتاء من شدة البرودة فلا مياه إلا من الآبار أو العيون و لا سخّانات للماء و لا مكيّفات للهواء و فإذا قضى المرء بعض أوطاره فإنّ برودة الماء شتاء أو مشقّة الوصول إليه تكدر عليه ما التذّ به.
و كان للحاج شعر كثير موثّق في ديوان جمع الفصيح و الشعبي لكنه للأسف فُقِد أثناء انتقال الأسرة إلى بيت جديد .
و كان المرحوم يمثّل حالة أبويّة لشباب الفريج حينها لذا تجدهم يتحلّقون حوله لما عرف به من حلاوة الحديث و الفوائد التي يجنونها من حديثه .
و قد انتقل إلى رحمه الله في شهر شعبان عام 1402هـ .
* الأخ الأكبر للمرحوم الشيخ محمد بن علي البقشي ( 1292هـ -1373)
* مستشفى الإرسالية الأمريكية في المنامة:مستشفى أقامته الإرسالية الأمريكية ضمن أنشطتها التبشيرية عام 1893هـ , أشتهر بعض أطبائه أمثال (هاريسون) , (ستورن) بسبب عملهما فيه, مضافا للجولات العلاجية التي كانوا يقومون بها في مناطق البحرين مضافا للأحساء .
مواضيعكم شيقة وتحفظ لنا تراث مبعثر.
ويحصل من تروي لنا سيرهم الاجر والثواب
بالترحم عليهم. فلك الشكر الجزيل.