لم تكن الابتسامة تغادر محيّا أبي علي , يوم ترك العمل موظفا في أحد محلات السويق في الهفوف , فراتبه و إن كان حسنا حينها إلا أنه فكّر بأنه سيأتي يوم سوف يتضاءل هذا الراتب .
لذا كان بقول لنفسه :لا بد من وقفة ما و قفزة في حياتي مهما كلّف ذلك الأمر .
لذا عزم أمره و ترك محلّ بيع أدوات الخياطة الذي عمل فيه سنواتا طوال و استقلّ بنفس النشاط في موقع آخر .
لكن يبدو أن الحظ لم يبتسم له في هذه التجربة و كان يغصّ أحيانا حينما يرى محصّل الإيجار المسؤول عن العقار الذي يقع فيه محلّه .
حتى آمن أن هذه التجربة عاثرة .لكن أيضا لم تفارقه الابتسامة و لا يفوته أيضا إطلاق النكتة و لا اصطيادها من الهواء .
لكن في البيت أفواها مفتوحة تريد الطعام لذا رجع مرة أخرى موظفا في أحد المحلات في السوق لسنوات عديدة, حتى سنحت له الفرصة لوظيفة حكومية في الخبر .
لكنه أدرك أن وضعه لا يسوّغ له الإقامة في الخبر لذا فوجد أن الخيار الأفضل أن يحذو حذو المئات أو ربما الآلاف ( لا يوجد لدي إحصاء ) من أبناء الأحساء الذين يغادرونها كلّ يوم بالحافلات إلى الدمام والخبر و الجبيل و مناطق أخرى ذهابا و إيابا حتى لو تصلّبت أجسادهم في هذا المشوار اليومي المرهق .
بعد بضع أشهر من العمل في الخبر أدرك أنه أعباءه تتزايد فقرّر الرجوع مساء إلى السوق !.
رغم ما كان يعانيه من إرهاق فيومه يبدأ باكرا قبيل صلاة الفجر , يحرّك سيّارته حتى مكان التقاء المجموعة الأولى حيث يستقلّ الباص متجها إلى الخبر , ثم ينزل منه مرة أخرى إلى سيارة أحد الأصدقاء من زملاء الباص , ثم يتجه منه إلى الدائرة التي يعمل فيها .
و بعد الدوام يرجع في رحلة عكسية ليصل إلى الأحساء مابين الثالثة و النصف و الرابعة ومنها إلى السوق مباشرة !. حتى حدود العاشرة و أو العاشرة و النصف مساء و قد يتأخّر أكثر في أيام المواسم .
أكثر المواسم عسرا عليه هو الشتاء حيث يصعب مقاومة النوم , لكن التّأخّر يعني فوات الكثير و الإجهاد الأكثر !! فسوف يتأخّر على التجمّع الأول للباص مما يعني تحرّكه إلى النقطة الأخرى التي تبعد عدة كيلو مترات ! و هكذا ربما كلفته تلك الدقائق الخمس الدوران كثيرا عبر الأحساء !.
أما العسورة الأخرى فهو موسم رمضان حيث يضطرب دوام الدوائر الحكومية و دوام السوق أيضا , فيتأخر دوام السوق إلى ما يقارب الواحدة صباحا و يبدأ ا نطلاق الحافلات قريب من السلعة الثامنة صباحا !! و بينهما صلاة الفجر !.
لقد تمرّس ابو على و الكثيرين من أمثاله طبعا على نومة الباص .
و مع ذلك لم تفارق الابتسامة و لا الضحكة أبا علي و هو لا يزال يضحك و يبتسم رغم ساعة و نصف في الطريق إلى الخبر و ثمان ساعات من الدوام صباحا و ساعة و نصف رجوعا و ست ساعات من الدوام ليلا و و سويعات من النوم ليلا و مفارقة الزوجة و العيال و الأصدقاء كثيرا و لا يزال أبو علي يبتسم ..
استمر هذا الوضع ثمان سنوات حتى تمكن أبو علي من الانتقال إلى الأحساء . و لا زال أبو علي يبتسم .