في ليلة متألقة بنجوم الأدب والفكر، أقام ملتقى ابن المقرب الأدبي بالدمام أمسيته الشعرية التي استضاف فيها الشاعر الكبير الشيخ يحيى محمد الراضي، وذلك يوم الاثنين 17/05/1433هـ بمجلس عائلة المؤمن بالمحمدية .
الأمسية بدأت بآيات من الذكر الحكيم تلاها المقرئ حسين ناصر المشرف، ثم بدأ مدير الأمسية الشاعر ابراهيم محمد البوشفيع بالترحيب بالشيخ وبالحضور مفتتحاً الأمسية بسيرة يسيرة عن الشيخ يحيى الراضي مزجها بصبغة أدبية لاقت استحسان الحضور.
وقبل أن يشرع الشاعر الراضي بإطلاق شراع قصائده، ألقى الشاعر الأستاذ/ محمود المؤمن، عضو ملتقى ابن المقرب الأدبي ومجلس عائلة المؤمن، قصيدة ترحيبية بالشيخ الشاعر، غاص فيها في عمق انطباعاته الذاتية عن شخصية وفكر وشعر الشاعر الشيخ يحيى الراضي.
بعدها شرع الشاعر الشيخ يحيى الراضي بإلقاء قصائده، والغريب أن سفينة شعره كانت ثابتة في خضم بحور الشعر، ولكن الحضور هم الذين كانوا يترنحون سكارى بما كانوا يسمعون.
افتتحها بقوله:
لأن القصائد لا تشتهيه
تــــدلــــى عــــلــــى
ســـــدرة الـمـنـتـهـى
تــبــاريـــح iiنـــجــــواه
لــــــــم iiتــخــتــطــف
مــــــــن iiالـــغـــيـــب
سيـجـارة iiالمشتـهـى
ثم قرأ مختارات من ديوانه (هيت لك) و (جواز سفر) وقصائد أخرى لم تنشر بعد، كانت متنوعة من حيث الشكل بين شعر العمودي والتفعيلة والنثر، وكانت قصائد الجولة الأولى مزيجاً بين شعر التصوف والغزل، كقصيدة (سهرٌ.. وردي)،في إشارة إلى صاحب مدرسة الإشراق الصوفية السهروردي المقتول، والتي منها :
لا.. تـــــذع لـلـصـحــو تــاريـــخ iiالإبـاحــيــاتِ
مـــــــــــن ســــهــــرتــــكَ iiالأولــــــــــــى
عـــن الـــذروةِ فــــي نــســك اشـتـهـاءاتـك
عــــــن إخـــمـــاد تــشــويــق iiالـــســــؤالْ
***
لا.. تُـــحـــدّث عــــــن كـــهـــوف الـــريــــبِ
مـــاذا قــالــت الـضـمــة ُ حــــال الــرفــعِ ii؟
عــــن شــطــح إنـتـشــاءٍ ( ســهــرَورديٍ ii)
و نــــــصٍ لــــــم تــمــزقــه الــشــروحــاتُ
وخـــمــــرٍ لـــــــم تـــروّضــــه iiالأبـــاريــــقُ
وعــــــن لـــثـــغ كـــــــلامٍ دون iiجـــــــدوى
لا.. تـحــدّث أحـــداً عـــن وصـلــةِ الـمـعــراجِ
عـن نافلـة الخـلـوة ،، عــن فــرط الـوصـال .
ومن قصيدته (رمضان.. أول رشفة) نقتطف:
أولُ iiرمـــــــــــضـــــــــــانـــــــــــيـــــــــــةٍ
تـتـكــيّــفُ الــتــراويـــحُ كـــمــــا أهـــــــوى
حــســـب تـــوحُّـــدي الــــــذي iiأدهــــــشَ
زخـــــــــــــــــــارفَ iiالـــــمـــــحـــــاريـــــب
وطـــأطـــأتْ لــــــه أســاقــفــةُ iiالــمــأثــورِ
ترانـيـم المـسـحِّـر تـهـمـس كـمــا iiيـوحــى:
خـــــــــــــذ الــــكـــــتـــــابَ بـــــــقـــــــوةٍ
اســـــتـــــلــــــم .. ذروةَ iiالـــــــــــــــــذروةِ
بعدها استوقف مدير الأمسية الأستاذ ابراهيم البوشفيع الشاعر لاستراحة قصيرة تخللها مداخلة نقدية لعضو ملتقى ابن المقرب أ. يحيى العبداللطيف تقبلها الشاعر ..
ثم تناول المايكروفونَ الطفل حاتم حمزة الحمود لإلقاء قصيدة (يا صلاة النبي) للأستاذ الكبير محمد العلي، وقصيدة شعبية أخرى، نالتا استحسان الحضور من حيث جودة الاختيار وحسن الإلقاء.
في الجولة الثانية من الأمسية افتتح مدير الأمسية الجولة بسؤال الأديب يحيى الراضي عن بعض مقولاته المتناثرة في بعض لقاءاته الصحفية السابقة، والتي تتمحور حول ضرورة النزول إلى لغة الجماهير في الشعر وعدم اعتزال الشاعر الجماهير في برجه العاجي، والنقطة الأخرى حول عدم تفاعل الراضي مع شعر بعض كبار شعراء العربية كحافظ إبراهيم ونازك الملائكة وبعض شعر الجواهري، واهتمامه بشعر من ليس لهم دواوين أو الشعراء المغمورين، وقد أبدى الراضي تأييده وإصراره على هاتين النقطتين موضحاً ومدعماً ذلك بشواهده وأدلته. والنقطة الأخيرة كانت حول نظرته للتصوف الإسلامي والنظرة للإنسانية جمعاء من خلال كتبهم الدينية التي قرأها الشاعر، وقد ذكر بأنه لاحظ بأنه هناك لغة أخلاقية وإنسانية واحدة، رغم الاختلاف في الدين والمفاهيم، وبأن اهتمامه بالتصوف ينضوي تحت الاهتمام بالتصوف النظري وليس العملي، وأنه لا يمارس التصوف كما يظن البعض بسبب إعجابه ببعض أفكارهم وآرائهم.
بعدها انطلق الراضي جولته الشعرية الثانية بمختارات أخرى من قصائده الغزلية والدينية والسياسية، والتي اتسمت جميعها بالجرأة والخروج عن المألوف، وقد تطرق فيها لقضايا الغزل الصريح غير الهابط، وانتقد الصمت العربي عن القضية الفلسطينية، وانتقد بأسلوب لطيف لا يخلو من سخرية بعض رجالات الدين في قصيدته الأخيرة حول النقاشات الدينية الساخنة التي لا جدوى منها سوى إشغال الواقع الاجتماعي بما لا طائل من معرفته أو جهله – حسب ما يرى الشاعر-.
ففي قصيدة (على مرمى قبلة) يقول:
غــرائــز مـســتــورة iiiiبـالـبـخــورِ
يرخي عليها الشرف منديل شبقٍ
بوجـه يمعـن فـي خيـلاء iiiiالعفـة
بينمـا النوايـا تتبـركـن iiiiبالإباحـيـة
ويقـتـرف الـردفـان تألـيـب جهـنـم
ومن قصيدة (إثمها) نذكُر:
الوعـظ ينسـى أنـهـا iiiiأنـثـى
وهرمون الذكـورةِ iiiiمستبـدٌ..
فـــي خــرافــات iiالـعـشـائـرِ
فــي أقـاصـيـص iiiiالمـبـاخـر
في ختان الفطـرة iiالخضـراءِ
.. يسرف مدفنُ التأويلِ iiفي
دعـوى أبالسـة التمـاجـن iiiiٍ.
عـــن جـــلاوزة المـفـاتـنٍِ ii:
أن مقـتَ النـار مختـصٌ بهـا ii!
من قال أن النارَ مغرمةٌ بها ii؟
عن جلاوزة المفاتنٍِ :
أن مقتَ النار مختصٌ بها !
من قال أن النارَ مغرمةٌ بها ؟
ومن قصيدته السياسية الساخرة (أو.. با.. ما) يقول:
يـا وعـد أوبـامـا أتصـلـح iiذوقـنـا
لنرى الغواية بالسوادة أجـدرا ii؟
ونعـود للسـمـراء بـعـد iiمتـاهـة
شقراء تخجـل بالتنسـك iiمنكـرا
ولـعـل كـافـور العـروبـة iiغـالـبٌ
يتلوك في خطب النهيق مُكفّرا
ويــراك تـابـوت الـعـراق iiزيــاده
وتـراك رام الله شـارون iiالــذرى
وفي الاستراحة الثانية تناول عضو الملتقى أ. الشاعر جاسم المشرف بقراءة نقدية شعر الأديب يحيى الراضي، مبدياً مواضع الجمال والقوة في قصائده، التي– والتعبير للمشرّف- لا يشبه الشاعرُ فيها أحداً فيها سوى نفسه، وأن لغته يندر أن يجد مثلها عند شعراء العربية القدامى والمعاصرين.
في ختام الأمسية قدّم رئيس ملتقى ابن المقرب الأدبي الأستاذ باسم العيثان ورجل الأعمال الشاعر السيد هاشم الشخص (أبوياسر) هدية وشهادة شكر للراضي، لتُلتقط بعدها الصور التذكارية والإشادات بالأمسية ونجمها المتألق.
وقد حضر الأمسية لفيف من كبار الشعراء والأدباء والمهتمين بالمشهد الثقافي في المنطقة.
ويُعد الأديب يحيى محمد الراضي (مواليد 1970م) أحد كبار شعراء الأحساء رغم اهتماماته المختلفة والمتنوعة والتي تتوزع بين الأدب والفقه والشعر والفلسفة والتصوف، وقد ظهرت له نتاجات فكرية وأدبية تبرز هذه النواحي العلمية لدى شاعرنا الراضي، فمن مؤلفاته ثلاثة دواوين شعر: أقدس الخطايا، هيت لك، جواز سفر. وكتب في الفقه (التفقّه في الاجتهاد والتقليد)، وفي التصوف الإسلامي (الحب في التصوف الإسلامي) وهي الرسالة التي تقدم بها لنيل شهادة الماجستير، وفي الأدب (الأخطل الصغير: دراسة ومختارات). بالإضافة إلى العديد من الكتب المخطوطة التي لم ترَ النور بعد.
وقد بدأ الراضي كتابة الشعر في سن مبكرة جداً، متأثراً بمكتبة والدته الشعرية ثم بالجو المحيط به في الأحساء، لينتقل بعدها للدراسة الدينية في الخارج، حيث تفتقت هناك قريحته الشعرية، ويُعد انتقاله إلى سوريا بعد ذلك لإكمال دراساته العليا الحوزية والأكاديمية انتقالاً في الانفتاح الفكري وفي اللغة الشعرية والأدبية، حيث برز ذلك على طراوة شعره ومفرداته التي لم تخلُ من جرأة غير معهودة على رجل دين، وبالخصوص في الغزل، ويُعرف الشيخ يحيى الراضي بين أحبائه بـ (أبي هجَر)، وقد أطلق عليه الأستاذ الشاعر ناجي الحرز في مقال مبكر جداً لقب (سندباد القصيدة الهجَرية).