تاريخ التأمل

تاريخ التأمل

اليوم

حين ننظر إلى مفردة «التأمل» في سياق تحولات دلالاتها التاريخية، فإننا نكتشف المنزع الصوفي الذي ترسخت في تربته، ونشأت وترعرعت فيه، حتى إن كل الخطابات الصوفية، من جميع الأديان، لا تخلو من الكلمة ذاتها، أو من معانيها القريبة والبعيدة. وأهم معنى كان له الحضور الطاغي، على ما سواه، من المعاني الأخرى التي ارتبطت بها، في الخطابات المعرفية المختلفة، عبر تداولها التاريخي، كالفلسفة أو علم الاجتماع أو التحليل النفسي أو الفكر والسياسة أو الدين، هو المعنى الذي يتصل بفكرة كون التأمل طريقا يوصلنا أو يقربنا إلى الخالق سبحانه وتعالى.


ورغم الاختلافات الواضحة بين العديد من الفرق المتصوفة حول الطريقة الأنسب للوصول إلى هذا القرب، إلا أن الهدف أو الغاية هو الذي ظل عاملا مشتركا بين أغلب هذه الفرق على اتساع مراحلها التاريخية، وذلك إلى حدود نهاية القرون الوسطى، وإشراق عصر النهضة.

القرآن الكريم جاء وأكد على هذا المعنى، وكان مفهوم التأمل مرتبطا عنده تحت ثنائية الخالق والمخلوق، وهذه الأخيرة، تندرج تحتها الطبيعة والإنسان والكون. المسيحية كذلك لم تخرج من هذا المعنى. لكن كان تركيزها منصبا على تأمل الخطاب الأخلاقي عند الإنسان، والاستغراق فيه حتى النخاع، بحيث انعكس ذلك تماما على التصوف المسيحي. ولا يعني هذا المنزع في الخطاب الأخلاقي غير حاضر في القرآن، بالعكس إنه حاضر بقوة. لكنه لم يرتبط بفكرة التأمل قدر ارتباطه بفكرة التنظيم بوصفها قيمة طارئة على العرب، سينجح القرآن ومن ثم الخطاب الإسلامي في ترسيخها كمبدأ أخلاقي بالدرجة الأولى، ولا نريد أن نتوسع في هذا الحديث حتى لا نخرج عن موضوعنا هنا.

أما في العصر الحديث، من جراء تطور المعرفة، والتحولات التي طرأت على مجتمعات وشعوب العالم من جميع النواحي والمجالات، فأخذت مفردة التأمل طريقين في الدراسات الفلسفية، كون الفلسفة هي التي كانت مهيأة أكثر من غيرها من الحقول المعرفية الأخرى، في ازدهار مسألة التأمل. الأول منهما يتصل بفلسفة الدين، والآخر نظرية التأويل أو بما يسمى «الهرمنيوطيقا».

في هذه الدراسات استعيض عن مفردة التأمل بمفردة أخرى طغت عليها، بل أصبحت هي السائدة، فمفردة الفهم هي التي ارتبطت بفكرة التأويل بجانب كلمات مساعدة كالتفسير والتأمل أيضا. بينما في فلسفة الدين لم تقطع تماما مع المفردة، وإن ظلت مفردة الفهم تنازعها مكانتها التاريخية. لكن المنعطف الذي وسع الفارق، في دلالة هذه المفردة (التأمل) بين ما سبق تلك العصور، وبين ما جاء بعدها، هو أن التأمل في نظر ما سبق كان يرتبط بحقائق يقينية لا محل للشك فيها، بينما هي عند من جاء لاحقا، لا تخرج عن نطاق التفكير العقلي القابل للشك والنقد. لذلك في هذا السياق نفهم مقولة نيتشه «ليست هناك حقائق، هناك فقط تأويلات».



التعليقات


يرجى الإطلاع على شروط التعلقات

عرض الأسم

عرض الأسم

عرض البريد

رمز التحقق