العلامة السيد "ابو عدنان" لعلم والإيمان أساس الكمال الإنساني(45)

العلامة السيد "ابو عدنان" لعلم والإيمان أساس الكمال الإنساني(45)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف أنبيائه ورسله، حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين. ثم اللَّعن الدَّائمُ المؤبَّد على أعدائهم أعداء الدين.

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ~ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ~ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسَانِي ~ يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾([1]).

اللهم وفقنا للعلم والعمل الصالح، واجعل نيتنا خالصةً لوجهك الكريم، يا رب العالمين.


 وقفةٌ عبادية:

في الحديث الشريف عنهم (ع): «لِيَتَزيَّنْ أحدُكم يوم الجمعة، يغتسل ويتطيب ويسرح لحيته، ويلبس أنظف ثيابه، وليتهيأ للجمعة»([2]).

كلنا يعلم ما ليوم الجمعة من أهمية، فهو سيد الأيام وأشرفها. والليلة الماضية كانت ليلة الرغائب، وقد أحياها من أحياها، وتقبل الله منهم أعمالهم، ونسأل الله تعالى أن يشركنا في صالح أعمالهم.

إن مجالس الذكر والعبادة من المجالس التي تحظى بالعناية الخاصة من الله سبحانه وتعالى. ففي الحديث القدسي: «أنا جليس من جالسني، ومُطيع من أطاعني، وغافر من استغفرني»([3]).

وكلنا يعلم أن الدعاء من أسهل الوسائل الموصلة للارتباط بالجهة المقدسة. ومَن من البشر ليس حمالاً للخطايا والذنوب، فلا يدعي العصمة لنفسه أحد كائناً من كان، إلا من اختص بها، وهم الأنبياء والرسل، وعلى رأسهم النبي الأعظم محمد (ص) والآل (ع).

عن شهر رجب الأصب الذي تصب فيه الرحمة على قلوب المؤمنين، يقول الله تعالى في الحديث القدسي المذكور: «الشهر شهري والعبد عبدي، والرحمة رحمتي. فمن دعاني في هذا الشهر أجبته، ومن سألني أعطيته، ومن استهداني استهديته، وجعلت هذا الشهر حبلاً بيني وبين عبادي. فمن اعتصم به وصل إليّ»([4]).  

فالشهر هنا هو شهر رجب، والعبد هو أنت يا من تضرعت في الليلة الماضية والتمست رضواناً من الله أكبر، وسوف تحظى بتلك الرحمة من الرحمن الرحيم، فالله تعالى هو منتهى الرحمة، حال أن البعض يُصر على أن لا يتمسك إلا بشديد العقاب، فالرحمة حاكمة ومقدمة، وهي أطيب للنفوس، لننشر الرحمة والرحمانية فيما بيننا، لا أن ننشر الوعد والوعيد فقط، إلا فيما يحقق لنا الحفاظ على السلوك والقيام بالواجب.  

كلنا قريب إلى الله تعالى وفق هذه الوسيلة، وهي الدعاء والتضرع والخشوع. لذلك لا أجد من الجميل ما وقع في الكثير من المواقع والمجموعات على الانترنت من تراشق بالكلام، لا أرى له مساحة يستحقها أن تمنح. فالناس يختلفون في طريقتهم العبادية، ولكل منهم منهج وكريقة وأسلوب، بل منهم من تشق عليه العبادة، ومنهم من يجد ضالته فيها. فإذا أقبلت النفس احملها على الطاعات بالمطلق، وإذا أدبرت وأعرضت فعليك أن لا تقحمها المهالك. فربما يُكره البعض نفسه على صلاة الليل، لكنه يتكاسل عن صلاة الفجر، ويرفع يده عنها فلا يؤديها في وقتها. والصحيح أن يؤدي الواجب أولاً، ويقول للمستحب: بيننا وبينك موعد آخر، فيكون صاحب الصفقة الرابحة في هذا الجو.

دور العقل:

إن العقل هو من يحكم الإنسان في مثل هذه الحالات، وليس منا إلا وهو مرتبط بالدين، ولكن هل الارتباط وليد ما ورثناه فقط؟ أو أنه وليد ما تعلمناه؟ فإن كان من الثاني صعب أن يتخلى الإنسان عن ضوابط الدين وأصوله، أما إذا كان مجرد أمور وصلت إلينا فسرنا معها، فعندما نستيقظ أمام واحدة من إشراقات الفكر ربما نتعثر أو نتخلى أو نذهب إلى حسابات بعيدة.

لذلك يُطرح هذا السؤال: ما الذي تعلمناه من العقل؟ كم قرأت أيها المؤمن عن العقل وأهميته! وكم قرأت أنا، وهي، وهم، وهنّ، عنه؟ وما هي قراءاتنا؟ وما الذي كتبناه حول هذا المكون الصغير في حجمه بالحسابات المادية، الكبير في عالمه الخاص؟

والسؤال الآخر الذي يتولد عن سابقه: هل أسهمت الأسرة في بيان ما للعقل من أهمية؟ وهل غرسنا هذا البعد في عقل الطفل الذي بين أيدينا؟ وهل فتحنا له المسارات وربطناه ببعض المصادر التي تنمّي من قدراته العقلية؟ أم أن الأسرة كفيلة فقط بأن توفر للإنسان ما يُشبع بطنه ويستر عورته ويحسّن موقفه أمام أصحابه وأقرانه، من توفير الجوّال وأمثاله، ويقف الأمر عند هذا الحدّ، وكأن مسؤولية الأب والأقارب والصداقة القريبة انتهت إلى هذ الحد؟

والسؤال الثالث: هل لعبت المدرسة دورها هي الأخرى كما ينبغي في بيان ما للعقل من أهمية؟ أم اكتفت بالحشو المعلوماتي للطفل، وهو الأمانة في يدها؟

في الزمن السابق كان العلم إلى جانب التربية، أما اليوم فبقي العلم فقط في أحسن الحالات، إذا أحسنا الظن، فهو تعليم وتزريق معلومة قد تكون موجهة أو مسيسة، لكنها في النهاية معلومة، إلا أن الأهم منها هو التربية، فمن موارد التربية إذكاء جذوة العقل عند الطفل، وفتح العوالم أمامه، لذلك تجد أن واحدة من أهم الأسس التي تَبني عليها المجتمعات المتحضرة الأفراد ـ وهم الثروة البشرية، ورأس المال لدى الأمم التي تعرف قدرها ـ هي تنمية العقل، ليس من خلال المعلومة فقط، وإنما من خلال التجربة وكشف الميادين العلمية المختبرية والفضاءات الواسعة كي تتوسع مدارك الإنسان من خلال تفتّق العقل وأخذ الإنسان إلى مساحات متقدمة.

تنمية العقل في النشء الجديد:

إنك ترى أن الطفل ليست لديه علاقة والتفاتة لعالم المختبرات، ولكن خذه في زيارة خاصة إلى أحد المختبرات، وانظر إلى هذه الزيارة كيف تفتح له الكثير من الآفاق. فالطفل الذي لا يسافر عليك أن تأخذه في سفرة خاصة غير دينية للزيارة أو العمرة أو غير ذلك، لا  لأن هذا النوع من الزيارات غير مجدٍ، ولكن لكل زيارة خصوصية، فهدف الزيارة العلمية الخاصة تكون موظفة لهدف علمي هو تنمية العقل وتوسيع المدارك. فيمكنك أن تأخذه في زيارة لإحدى الجامعات إذا ذهبت للاصطياف في بلد من البلدان، أو إلى مركز من مراكز البحث العلمي، أو إلى جهة أو مؤسسة من المؤسسات التي تقوم بالتجارب المادية ذات الطابع العملي، ثم انظر إلى الطفل، وماذا يعلق بذهنه عند رجوعه من الزيارة؟ بالتأكيد لا يعلق بذهنه تلك الليالي التي قضيت في الأكل والشرب وغيرها، إنما يعلق فيه ما وصل إليه من هذه القناة، وسوف ترى انعكاسه على الفرد فيما بعد.

إن العقل قيمة كبرى، ونعمة وعظيمة، ونستطيع توظيفه من خلال تنميتها.

الأبعاد الثلاثة في تنمية العقل:

ثم بعد ذلك نسأل: ما هي الوظيفة التي يقوم بها العقل بعد التنمية بالسفر والتلاقح بالأفكار؟

إن وظيفة العقل تتمركز في محورية ثلاثية الأبعاد:

1 ـ التعليم: فإن تفتَّحَ العقل أصبح في موقع يؤهله للمزيد من كسب المعلومة، فالمتعلم الجامعي أفضل من المتعلم الثانوي، وهكذا الحسابات في الصعود والنزول.

2 الحفظ: فلا أحد منا اليوم لا يستطيع الحفظ، بدليل أننا قطعنا مراتب علمية، أنا وأنت والآخر، إذن هذه القوة الدافعة لقطع المراتب العلمية هي عبارة عن حافظة مودعة في داخل العقل الإنساني، فهي أشبه بعضلات الإنسان، تشتد وتضعف بحسب ممارسة الرياضة، فكلما كان الجسم يمارس الرياضة، فهذا يعني أنه جسم سليم ومتماسك في قواه العضلية، وكذلك في الحافظة، كلما كانت لديك قراءة وتجديد معلومة يكون العقل متماسكاً والحافظة قوية، ويمسك بالكثير من أسباب الفتح التي يسعى إليها الإنسان.

3 ـ التفكير: وهو المرحلة التالية بعد التعلم والحفظ، لذا نجد كثرة أسماء المفكرين في الغرب، حال أنها تكاد تضمحل في المجتمعات الأخرى، لأن أركان المثلث المذكور غير تامة وليس بينها انسجام وتوافق. لذا نصل إلى أن مجموع المفكرين هنا قد لا يتجاوزون أصابع اليدين، أو أكثر بقليل، إلا أنها لا تشكل ظاهرة مهمة تقود مجتمعاً، وتصحح مسيرته ومساره، وترفعه عن دوائر الإخفاقات، فذلك لا يحصل إلا بالتفاعل بين هذه الأضلاع الثلاثة لهذا المثلث.

دور الحوزة العلمية في تنمية العقل: 

فلو تمت هذه الأمور فلنسأل أنفسنا نحن كمجتمع شيعي في حوزة علمية، وكمجتمع شيعي مرتبط بالجامع ودار التحفيظ في الأعم الأغلب الأكثر. ففيما يعنينا في القسم الأول، لمناسبة الحكم لموضوعه، نسأل: ما هو نصيب الحوزات العلمية في بناء القوى العقلية؟ بمعنى هل أن الحوزات العلمية تأخذ المجتمع بعمومه في مدرسة البناء؟ أو أنها تقتصر على الخاصة الذين انخرطوا في مدارسها ومعاهدها ومساجدها وحلقات درسها؟ إنني أعني هنا القسم الثاني، وهو الخاصة.

فالقسم الثاني المذكور ـ أي الخاصة ـ متى ما تطور وجمع بين أسباب الوصول إلى حالة التفكير، فهؤلاء سوف ينعكس عطاؤهم على آحاد المجتمع من حولهم، فرجل الدين الذي يمتلك الآليات يستطيع أن ينهض بالمجتمع من حوله في جميع المجالات المتاحة. أما رجل الدين الذي لا يتمتع بهذه العناصر فلا شك أن الأمور معه سوف تبقى تراوح مكانها، ونحن مع شديد الأسف، نفتقر لعملية الاستقراء وسط المجتمع كي تُرتب على النتائج الآثار وتصحّح المسارات، فلا الحوزات العلمية تقوم بهذا الدور، ولا بعض المؤسسات الموصوفة بالمدنية قائمة أيضاً بهذا الأمر مع شديد الأسف. وإلا لو حصلت لدينا دراسات وحسابات وأرقام وانتهينا إلى محصلة نهائية فلا شك أننا سوف نتقدم خطىً كبيرة إلى الأمام.

من هنا نجد أن الحوزات العلمية الناهضة المتقدمة التي تعيش جو العصر تقدمت على أساس من هذا المنهج، أي حساب القراءات للواقع الحوزوي. ففي حوزة قم هنالك سُلّم من عشر رُتب قبل البحث الخارج، فهذه الترتيبات كانت نتيجة قراءة، أي أنهم وجدوا أنفسهم أمام عدد هائل لا نتيجة ولا طائل من ورائه سوى استهلاك الأموال من الحقوق الشرعية، لذا كان لا بد من التخلص من الغث الذي يأكل حصة السمين، ولكن لا بطريقة اعتباطية، إنما وفق دراسات وضوابط، فمن كان في رتبة معينة عليه أن ينجح منها للرتبة التالية كي يتحسن راتبه الشهري، فإن لم يوفق في ذلك يمنح فرصة أخرى، ثم يكون على مفترق طرق، إما أن يقطع راتبه الشهري وإما أن يكمل الدراسة في حال النجاح.

ولهذا السبب تجد أن نتاج حوزة قم اليوم في مستوى يختلف عما هو عليه قبل زمن. وهذا النتاج لا يقاس بأربعة أو خمسة أشخاص أو أكثر عادوا من حوزة قم للأحساء، إنما يقاس بمقاييس أخرى، وهذه المقاييس تخص مئة وعشرة آلاف طالب علم رسمي في حوزة قم، وأكثر من هذا لو احتسبنا ما في سائر مدن إيران من طلاب يتبعون لها.

إن الحوزات التي تطمح أن تكون متقدمة وتمسك بزمام المجتمع عليها أن تبني من الأساس، ولا بناء من الأساس إلا وفق القراءات. فلو كان لدينا في الحوزات ألف طالب علم مثلاً، فلا بد أن ننظر حالهم وأوضاعهم، فالحوزة ليست مسؤولة عن تأمين الرواتب لطلبة العلم فقط.

ثم لننظر ما هو نصيب الحوزة العلمية في بناء العقل لطالب العلم، فهل أن بناء العقل يقتصر على هذه الدروس الحوزوية؟ وهل هذا كافٍ في تنمية العقل؟ إذا كان الأمر بهذا الملاك فهو يعني تنمية العقل في حدود الدائرة التي يتحرك فيها، فطالب الابتدائية مهما كان جاداً مجداً متفاعلاً فإنه لا يقاس بمن كان في المتوسطة. فلا بد أن ننظر للأمور بواقعية.

والسؤال الآخر: ما هو دور الحوزة في فتح جميع المسارات الأخرى من حولها؟ فإن كانت عاجزة عن تنمية العقول في داخل دائرتها، فهل ستكون لديها القدرة على العقول في المجتمع في فضائه الواسع؟ 

إن الأمور النوعية لها أهميتها حتى في داخل منازلنا، فمن باب المثال أن الآباء والأجداد عاشوا في ظروف قاسية تخطّوها بنجاح، ولولاها لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه جميعاً، وهي نعمة يشكرون عليها، وتقبّل عليها جباههم وأيديهم، لكن مسؤوليتنا اليوم أخطر من مسؤوليتهم في وقتهم، وحياتنا أوسع من حياتهم، فالمساحة أكبر، والماديات لدينا أكثر، والصحبة والفضاء مفتوح بشكل أوسع، فلا يمكننا أن نعيش كما عاش الآباء والأجداد.

نظرة في مفهوم الحداثة:   

إن الحداثة والعصرنة من الأمور المطروحة اليوم بقوة في المجتمعات، ومن خلال قراءاتي أعتبر هذا من التخلف لا من الحداثة، ولكن لا بد أن نقف عليه لكي نقرأ ما بعده. بل إن من يتمحور حول هذه الدائرة هو إنسان متخلف في قراءته لا يواكب الحضارة والبحوث والنتاج العلمي في العالم من حوله، فعلى النائم أن يصحو، والغافل أن ينتبه، فالدنيا تغيرت كثيراً، لكننا نجد البعض اليوم يستهويه في الجهاز الذكي المقطع الطريف أو النكات أو المقولات السياسية أو التجاذب السياسي، حال أن العالم اليوم كله بين يديه، وعليه أن يحسن التعامل معه عبر هذه التقنية، فالفرد اليوم يستطيع أن يمشي في الشارع وكبريات مكتبات العالم في جيبه، ويستطيع أن يجلس في كل مجلس فيتصفح آخر البحوث والنتاجات العلمية والعقلية للبشر فوق هذا الكوكب من علماء مختصين وباحثين متقدمين بلغوا درجات من الوعي، فعرفوا المجتمع، وأدركوا حاجة البشرية لنتاجهم، فوصلوا إلى ما وصلوا إليه.

هذه الحداثة والعصرنة، بعد أكثر من مئة سنة من دخولها عالم المجتمعات البشرية، رغم ذلك لم يتفقوا على تعريف محدد لها، لأنها مبنية على بُعد واحد هو التجديد، فما دام هنالك تجديد، فمعنى ذلك أننا لا نستطيع الوقوف على تعريف تام لهذه المفردات.

أما أصحاب اللغة فيبذلون جهودهم، فقد يصلون أحياناً إلى حدٍّ تام في التعريف بحيث يمنع الدخيل، ويُدخل العناصر الثابتة في أصل المفهوم. وقد لا يتأتى لهم ذلك، فيأتون بالبديل، وهو ما يسمى: المقاربة في التعريف، أي أنه تعريف غير دقيق علمياً، ويمكن أن يتعرض للنقض في أكثر من جانب، ومن أكثر من طرف، لأنه غير تام.

ولعدم تمامية مفهوم الحداثة والعصرنة تجدون الجدل القائم اليوم بين التقليديين والحداثيين، فمشكلة الحداثيّ أنه لم يقف على مفهوم الحداثة لكي يتبناها، وكذلك التقليدي لا يستطيع التخلص من قيود الماضي المثقلة لكاهله، لذلك ليست لديه القدرة على أن ينفتح على ذلك الحداثي.

صدقوني أن هنالك شعرة هي أدق من شعرة معاوية بين الطرفين، وكل منهما يمسك بطرفيها من جهة، وربما تنقطع الشعرة بينهما فيخسر الطرفان.

فقد قالوا في مقاربة تعريف الحداثة: هي محاولة في تجاوز التقليدي بهدف التجديد، ففي مقام العلم في الحوزة أو الجامعة لا يمكن لأحد أن يعطي تسليماً سريعاً، بدءاً من رمي القديم خلف الظهر.

فصاحب التعريف لديه حساسية كبيرة من الموروث، أي لديه شيء من التحامل، ومن أراد أن يعرّف شيئاً بناءً على مرتكزاته الداخلية، فلا يمكن أن يعطي تعريفاً ناهضاً، لوجود علة دخيلة. فيرمي القديم وراء ظهره، ويعدّه تاريخاً لا جدوى من الرجوع إليه، وهو أشبه بقطع الخزف التاريخية، التي كان الأوربيون وغيرهم في القرون السالفة وحتى القرن الأخير، يأتون بشكل بعثات للبحث عنها في الصحارى، يجمعونها ثم يقومون بدراستها ثم يستنتجون الكثير من الأمور، أما نحن فلدينا حضارات عريقة، وليست قطع خزف.

ففي اليمن مثلاً كانت حضارة سبأ، وهي مهملة إلى اليوم، وكذلك في عمان أكثر من حضارة وحضارة، وفي جنوب المملكة حضارات، في نجران وأخدود وغيرهما، وكذلك في شمالها كالعلا والحجر،  وفي مدائن شعيب وصالح، وأشرف من هذه وتلك، بيت الله الحرام، ومسجد النبي محمد (ص).

إننا نزور بيت الله الحرام، ومسجد النبي (ص) للعبادة، وهذا أمر مندوب ومقدس، ونسأل الله تعالى أن يشركنا في صالح أعمال المعتمرين، ولكن، هل استفدنا شيئاً آخر من تلك الزيارات والأعمال؟

كم دخلنا إلى بيت الله الحرام، ولكن ما الذي استحضرناه من الصور الحضارية التي تقلبت عبر 124 ألف نبي كلهم أعطى العهد في هذا البيت، ولكل منهم رسالته وعطاؤه الروحي والإنساني والاجتماعي والحضاري.

يحرص البعض على الصلاة خلف مقام إبراهيم تحديداً، حال أن الشيخ الفياض قد أفتى بأن المكلف إذا أمكنه الصلاة خلف المقام فبها، وإلا فيصليها في أي مكان يستطيع. ولكن، هل قرأت أيها المصلي ما يمكن أن يعطيه هذا المقام من إشارات تفكّ الكثير من الشفرات للكثير من المغلق من التاريخ؟.

إن الهدف من هذا التوجه الذي يعتمده أهل الحداثة كما يدّعون، هو الوصول إلى كل جديد في مساحة الثقافة والفكر والتاريخ.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، والحمد لله رب العالمين.          

 

([1]) طه: 25 ـ 28.
([2]) وسائل الشيعة، الحر العاملي7: 395.    
([3]) إقبال الأعمال، السيد ابن طاوس2: 628. 
 ([4]) إقبال الأعمال، السيد ابن طاوس2: 628.  

التعليقات


يرجى الإطلاع على شروط التعلقات

عرض الأسم

عرض الأسم

عرض البريد

رمز التحقق