حكاية منزل

حكاية منزل

    في عام 2010 ، ابتدات رحلة إدخال التعديلات والتغييرات في منزلي ، حتى غدا اليوم في صورة مختلفة عما كان عليه عندما شيدته قبل خمسة وثلاثين سنة ، وكان التعديل والتغيير شاملا ، ولم يكن العمل يسير ضمن خطة معدة سلفا ، او رؤية شاملة ، إنما كانت اشبه بعمل الرسام فالرسام عندما يشرع في إنجاز لوحته لا يمتلك تصورا جاهزا لمشروعه ، وعندما يبدا العمل تتوارد الافكار وتتناسل ، ومثله في ذلك مثل الكاتب .


كان رائدي في ان يكون التجديد متسما بالجودة والجمال ومعبرا عن شخصي ، وهكذا انفقت الكثير من المال في سبيل ذلك ، ومازالت الأعمال جارية منذ  ذلك التاريخ  ، وكثيرا ماعبرت عن استيائي وقلقي من الطريق الذي وجدتني اسير فيه وكاني مجبر عليه ، لا اجد فكاك منه ،بسبب التكلفة المادية الباهظة ، لم تكن هناك استمرارية في العمل ، كانت هناك فترات تطول او تقصر نتوقف فيها عن العمل وقد يمتد بعضها إلى سنوات  ، وفي  خلال فترات التوقف نتامل فيما انجزناه ، وما يجب علينا انجازه وهو حتما ضروري ،  وكنت اولي اعمال الديكور عناية فائقة ولم يكن من عادتي إسنادها إلى جهة مختصة بهذه الاعمال ، ربما لإيماني بأن ترتيب المنزل وجهة نظر ، ولكن الصحيح انه يجب الإستعانة بمكتب قدير لهندسة الديكور والتشاور معه ، وفي سبيل تطوير قدراتي الذاتية في الترتيب بدأت باكرا في تثقيف نفسي عبر الإطلاع على مجلات الديكور ، ودراسة صورها ، حتى اصبح ذلك اهتماما اجد فيه الكثير من المتعة ، ولهذا  اطالعها كل يوم  ، ومع مرور الزمن تكونت لدي مكتبة من مجلات الديكور ، امريكية وبريطانية وفرنسية ومن بعض البلاد العربية ، ومن شغفي بها ان سافرت إلى دولة الكويت من اجل الحصول على الاعداد الكاملة لمجلة  "البيت المثالي " التي تصدر من هناك

 تشدني المجلات الاجنبية اكثر بكثير من المجلات العربية ، والحق ان الفرق كبير للغاية، المجلة الاجنبية تتسم

بالجودة العالية ، في الطباعة والإخراج وفيما تقدمه من موضوعات وتنشره من صور ، ومواكبتها للمستجدات الإبداعية في مجال التصميم ، وهي بإختصار نافذة على حضارة الغرب   .

   ابذل قصارى جهدي ، وبالتشاور مع افراد الأسرة قبل انجاز اي عمل ، نفكر في كل شيئ ، ونحاول ان يكون العمل متناسقا ومتسقا في عناصره ، حتى إذا اكتمل إنجازه  استشعرت النقص في العمل وعدم الرضا التام عنه ، ما يذكرني  بمقولة العماد الاصفهاني عند حديثه عن شعور  المؤلف بالنقص في عمله  بعد الإنتهاء من تأليف كتابه  عندما قال : "وهذا دليل على إستيلاء النقص على البشر" ولكن هذا الشعور عندي لا يدوم طويلا  ولا البث ان اجدني محبا له ، حتى اني ظننت ان عنصر الزمن احد عناصر الديكور غير المرئية وهو يأتي متاخرا بمعنى انه عليك التريث  في حكمك عليه و حتما ستراه جميلا فيما بعد.

    وكما اني اعتمد على نفسي في اعمال التصميم والتخطيط ، لا احبذ من جهة اخرى إسناد تنفيذها إلى مقاول ، وكنت  اختار  عمال مهرة ومحترفون ،  بنفسي لتنفيذها  عدا بعض الاعمال القليلة ،  كانت العلاقة بيني وبينهم تعتمد على الثقة المتبادلة،   وهذه تجربة إنسانية استمرت سنوات ،  وتتطور العلاقة اثناء العمل  بيني وبينهم حتى ليبدوا الواحد منهم وكانه عضو في الاسرة ،  كنت امنحهم المحبة الصادقة ، واتفهم ظروفهم ومشاكلهم ، واتحدث معهم بحنو وكثيرا ما  يصارحونني بمشاكلهم الشخصية وقصص حياتهم في بلادهم ، ولم ابخل عليهم بوجبات الطعام ،   ولم اكن اتصنع ذلك بل كان سجية ورثتها من والدي رحمه الله  في تعامله مع عمال البناء والفلاحين اثناء عملهم في منزله او مزرعته . وكانوا يدركون ذلك فما يخرج من القلب يدخل في القلب كما يقال ،كنت اقدر تعبهم وجهدهم وعرقهم . ولم اعتن يوما بالسؤال عن إنتماءاتهم لأني اجد ذلك  من السخف ، يكفي عندي  كونه إنسانا ومن قبل قال الإمام علي عليه السلام " الإنسان إما اخيك في الدين او نظير لك في الخلق " . لم انقص احدا من  اجره وكنت اعطيه اجره فور انتهاء عمله وهذا ما اوصى به الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وآله عندما قال : " اعط الأجير اجره قبل ان يجف عرقه" وفي المقابل كانو يبذلون الجهد في إتقان العمل .

     التعديلات في البيت لا بد منها احيانا استحابة للمتغيرات الكثيرة التي تحدث بتوالي السنين .

 

 



التعليقات


يرجى الإطلاع على شروط التعلقات

عرض الأسم

عرض الأسم

عرض البريد

رمز التحقق