العيون الخيرية تقدم مساعدات إيجار لأكثر من 40 أسرة بمبلغ تخطى 70 ألف ريال       بالصور .. وفد الأحساء يتألق في ملتقى ألوان بالرياض       المجتمع الأحسائي - عين على الحاضر ونظرة إلى المستقبل       العمير : تمديد نكليف الكليب مديرا لمستشفى مدينة العيون       مدير الشؤون الصحية بالأحساء العمير : تمديد تكليف الصالح مديرًا لمستشفى العمران العام       على مستوى المملكة مستشفى الولادة والأطفال بالأحساء يحصد المركز الرابع       أدبي الأحساء يطلق مسابقة مبادرات شبابية لخدمة اللغة العربية       بالأمس ... "المحاور الناجح " أمسية للمستشار معصومة العبدالرضا       الشيخ اليوسف: توقير الكبير سناً أو شأناً يعزز من ثقافة الاحترام والإكرام بين الناس       تقديس اللغة       تقديس اللغة       واحة العطاء ... عاصمة السياحة العربية 2019       إطلاق الهاتف الاستشاري الخاص بمرحلة الطفولة في جمعية العيون الخيرية       ( رجال صدقوا) عبدالله الخلف أنموذجاً       مداد العارفين لشيخ المؤرخين (للسيد عادل الحسين )      

جمالية الشكل البلاغي عند جاسم الصحيح بين بكارة المعنى ودهشة الأسلوب

جمالية الشكل البلاغي عند جاسم الصحيح بين بكارة المعنى ودهشة الأسلوب

لا أريدُ الحرفَ

كالثعبانِ في قُبَّعَةِ المعنى

ولا لعبةَ ساحرْ

لا أريدُ الحرفَ إلاَّ أن يغامِرْ

لي يقينٌ

كيقين الشمسِ لا ينفك ظاهرْ :

إِنَّ مَنْ آمن بالليلِ وباعَ الشمسَ كافرْ


هذه الأبيات تختزل استراتيجية الكتابة الشعرية لدى شاعر النخبة والجماهير جاسم الصحيح  ؛ كما أنها تسكت عن بطاقة  حمراء يريد الشاعر أن يرفعها في وجه الشعر الحر عندما يُكْتَبُ بلغة الدهاليز والكهوف المظلمة على يد أولئك الذين كما يعبر جاسم (( آمنوا بالليل وباعوا الشمس )) ؛ ففي جملتها الأولى يرفض الغموض الأعمى والتواء المعاني ، والتشفير المبالغ فيه ، فحسب الحرف أن يغامر في شكله البلاغي المناسب للغة الخطاب ، فيبلغ المعنى منتهاه ويحدث التأثير ، وحسب المعنى في الجملة الثانية أن يتحسس بكارة الشفافية والتجلي ؛ فالإبداع عند جاسم يكمن في مغامرة الحرف للوصول إلى المعاني المدهشة التي تستمد قوتها من وجوه التحسين البلاغي ، لا من تعمية اللغة ، والولوج في دهاليز المعاني المظلمة ، والخيالات الواهية ، التي تختزل فاعلية الشعر في أدواته التصويرية أو حبكته النثرية فحسب .

وتحاول هذه السطور أن تجيب عن وهن نظرية موت البلاغة ، وتساؤل الكثيرين عن جدوى كتابة الشعر على إيقاع الخليل ؟  وكيف يمكن للشاعر أن يفلت من قبضة الرتابة والتكرار الممقوت ؟ وما الآليات الأسلوبية التي يمكن للشاعر أن يتعاطى معها حتى يأتي شعره مثيرًا ومدهشًا ، ما دامت الأشكال محدود ومطروقة منذ عهد امرئ القيس وحتى عهد صديقنا جاسم الصحيِّح ؟!

هذه الأسئلة تمثل هاجسًا مقلقًا لدى الكثير من الشعراء ، حدا ببعضهم إلى التسَرب لكتابة الشعر بلونه الحر، أو ما يسميه بعض النقاد بـ ( الشنر ) نحتًا لكلمتي ( الشعر ، النثر ) ، مع عدم اقتناع بعضهم به ؛ وذلك لتخلِّيه عن العماد الفقري للشعر ، وهو الموسيقى وزنًا وقافية ، فصار الغموض فيه هدفًا والتشفير الأعمى مقصدًا ، دون أن يكون لدى البعض وعيٌ بالبنى العميقة والمعاني الثاوية في الخطاب التي تستهدفها الكتابة الواعية .

وللإجابة عن هذه الأسئلة تستدعي المقاربة نماذج لتجربة أحد كبار شعراء العصر الحديث ، وهو الشاعر السعودي جاسم الصحيح ، ومن خلال بعض الأبيات الشعرية التي أشعلت بعض مواقع التواصل الإلكتروني واستجلبت إثارة الجماهير النخبويين والشعبيين ، وهي فاعلية لها اعتبارها في نظرية التلقي ، فكيف يستثير الصحيح المتلقي ؟ هل بالفكرة المبتكرة وحدها؟ أم بالشكل البلاغي القديم ؟ أم بهما معًا ؟

وأول ما نقرره هنا أن الفكرة أو المعنى المبتكر ليس مدار حديثنا وإن كان له المزية والفضل في استحسان الجماهير لشعر جاسم  ، ومن خلاله ينتعش النص ، لكن المعنى رغم ذلك سحر لا يدرك بالحس وإنما يتحرك من البنية السطحية إلى أعماق النص متسربًا داخل مغاوره ، ليشعل طاقة المتلقين بجميع أشكالهم ، ومستوى إدراك المتلقين ببكارة المعنى واستهلاكه متروك لثقافتهم ومتابعتهم ، لكن المعاني كما يقول الجاحظ : مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي ، والبدوي والقروي والمدني ... وإنما الشأن في إقامة الوزن ، وتخير اللفظ ، وسهولة المخرج ، وكثرة الماء ، وفي صحة الطبع ، وجودة الشكل ، فإنما الشعر صياغة ، وضرب من النسج ، وجنس من التصوير"([1]) وفي موضع آخر يناصف المزية والفضل بين اللفظ والمعنى قائلاً : " وأحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره ، ومعناه في ظاهر لفظه فإذا كان المعنى شريفاً واللفظ بليغًا ، وكان صحيح الطبع ، بعيدًا عن الاستكراه ، ومنَّزهًا عن الإخلال مصونًا عن التكلف ، صنع في القلوب صنع الغيث في التربة الكريمة  "([2])

وفي موضع آخر " لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظَه ، ولفظُه معناه ، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك"([3]).

وهكذا يتسابق اللفظ والمعنى ، ويتساوقان في علاقات بنيوية تركيبية وبلاغية ، تحقق جمالية النص وتأثيره .

هذه العلاقات في شعر جاسم الصحيح يبدو أكثرها منتميًا للبلاغة القديمة ، وفي تشكلاتها الثلاثة ( البيان – المعاني – البديع ) الأمر الذي يهدم نظرية موت البلاغة في الدرس البنيوي الحداثي .

نحن إذن أمام نصوص تتمسك بالأشكال البلاغية ، وتتشبث بالتراث التداولي لتشعل النخب والجماهير ، نصوص تقع في مسافة واحدة بين اللفظ والمعنى أو الشكل والمضمون ، فتخرج مخرج الحكمة ، وتغدو مضرب مثل للمتلقين ، يتذاكرونها جيلًا بعد جيل .

يرتبُ جاسم الكلام ترتيبًا معلوماً بحيث يكشف عن المعاني في الذهن ، وهو عين ما قرره الجرجاني في نظرية النظم حين قال : " وإنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك لم تحتج إلى أن تستأنف فكرًا في ترتيب الألفاظ ، بل تجدها تترتب لك بحكم أنها خدم للمعاني ، وتابعة لها ، ولاحقة بها ، وأن العلم بمواقع المعاني في النفس ، علمٌ بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق "([4]) .

وما يقرره الأسلوبيون([5]) حين نظروا إلى النص بوصفه كيانًا واحداً ، بحيث يوصل كل جزء إلى الآخر ، وتأخذ البنى السطحية المتلقي إلى البنى العميقة في النص ، ولا فصل بين الشكل (الدوال) والمعنى (المدلول) ، هو عينه ما ذكره الجرجاني في عبارته السابقة ، غير أن مسألة خدمة الألفاظ للمعاني أمر نسبي يختلف من شاعر إلى شاعر ، ومن سياق إلى آخر .

والجلي في شعر جاسم الذي سنعرضه أنه يلعب ببعض الأدوات البلاغية القديمة التي تكرس إيقاعية الشعر ، ويمرر المعاني عن طريق بعض المسالك البديعية التي تتكاثر في شعره ؛ كالجناس والطباق والمشاكلة ورد الأعجاز على الصدور ، ما يؤكد وجاهة ما نذهب إليه من قدرة البلاغة القديمة على الاستثارة والفتنة إذا ما كانت خادمة للمعاني المبتكرة ، إضافة إلى لعبة التجاور والتضام الدلالي التي تجعل النص أكثر تماسكًا ، وأكثر موسيقى وإيقاعا ؛ للإيقاع بالمتلقي في عالم الدهشة والفتنة عندما يتم له المعنى.

أتردَّد في اختيار أول نص من نصوص جاسم ، لكي أجعله قِبلة لتبرير هذه المقدمة ، لكني سأجعل هذين البيتين نافلة التحليل :

أقول لكم إن السماء خفيفة
ولا تؤمنوا حدَّ اليقينِ بفكرةٍ

 

فلا تُثْقِلوا أكتافها بالشعائرِ
ولكن دعوا إيمانكم نصفَ كافرِ

 ما زلنا أمام هذين البيتين عاجزِين عن تفسير جمالهما ، هل هي من فتنة المعنى ، أم من فتنة المبنى ؟ هل تكمن الدهشة في نسق الرؤية المتمردة الخارجة عن المعتاد والمتواتر ؟ أم في المرجعية اللغوية التي تعتمد السبك اللغوي والبلاغي معيارًا للدهشة ؟

الحقيقة التي لا تخفى أنَّ محاولة الفصل بين اللفظ والمعنى هنا محاولة فصل جسد عن روح ، لكنني أرى أنَّ دهشة هذا المعنى لم تكن لتتم بهذا المستوى لولا أنَّ جاسمًا استخدم تقنيةً بلاغية تنتمي إلى وجوه التحسين البديعي وهو الطباق بين :

خفيفة                  تثقلوا

تؤمنوا                  كافر

 ولكي ينجلي الشك في ذلك ، سأحاول أن أجري تشويهاً صغيرًا ، وليغفر لي شاعرنا الكبير هذه الجرأة  على النص ، بحيث يتم تفكيك هذه الآلية وذلك عندما أقول مثلًا :

أقول لكم إنّ السماء خفيفة
ولا ( توقنوا ) حدَّ اليقين بفكرة

 

( فلا تكثروا من الدعا ) والشعائرِ
ولكن دعوا ( يقينكم ) نصف (كافرِ)

انظر للبيتين بعد أن أغارت عليهما يد التشويه ، ودمَّرت لعبتهما البلاغية ، وعزلتهما عن أشكالهما البديعية ، كيف خرجا عاريين من دهشة التلقي ، وروعة الأداء .

هذا الأمر ينسحب على أبيات أخرى لجاسم الصحيح يقول فيها :

الأنبياءُ أنا وأنت

 

 

ومن أضاء الحبُّ قَلْبَه

حيثُ النبوةُ لا تُنالُ

 

 

سوى على قدر المحبّه

فاجعل لنفسك كلما

 

 

صليتَ وجهَ الناسِ قِبلة

من لا يحبُّ تجلياتِ الربِّ

 

 

كيف يحبّ رَبَّه ؟


     

 هذه الأبيات من أبيات المعاني البكر التي أخذت شهرة كبيرة في عالم التواصل الالكتروني ، ويبدو كل بيت منها فتنة جمالية لا تضاهى ، لكن بيت القصيد فيها يُتَوِّجُه الشاعر في بيتها الأخير ، الذي بُنيَ بديعيّا على آلية رد الإعجاز على الصدور ، وهو مصطلح بلاغي قديم يعرفه ابن المعتز بأنه  " رد إعجاز الكلام على ما تقدَّمها "([6]) وذلك بموافقة كلمة في نهاية البيت كلمة في بداية أو منتصف البيت ، وتتمثل في كلمتي ( الرب – ربه ) ، وسنحاول أن نغير فقط كلمة ( الرب ) بلفظة أخرى تقوم مقامها في المعنى ، وهي لفظ الجلالة ( الله ):

من لا يحبُّ  تجليات ( الله ) كيف يحبُّ ربه ؟

فانظر في نفسك كيف تسربت تلك الدهشة المتأتية من عالم الإيقاع الداخلي الذي أحدثه الأسلوب البديعي ، وكيف ذهبت روعة البيت رغم احتفاظه بكامل معناه وموسيقاه .

وهنا تظهر نجاعة أخرى للشكل البلاغي في الهروب إلى الداخل اللغوي ، بمعنى أنّ الشعر عندما يلج مناطق أيدلوجيه ضيقة وحرون ، قد تقلق علاقة الشاعر بمتلقيه ، فتقوم جمالية اللغة ولعبة الأساليب البلاغية بدور التخفيف من عبء التلقي السالب للشعر ، حيث تعزل اللغة المتلقي عن الوجه السالب للمعاني الماردة أيدلوجيًّا ، وتستدرجه نحو الفتنة اللغوية وحدها ، فإذا ما التذَّ المتلقي بالجمال الذي تحفزه اللغة والشكل البلاغي ، نسي على أي وتر ضَرَبَ المعنى ، وفي أي جهة ألقى عصاه .

استراتيجية اللجوء إلى الداخل الممثل في الشكل البلاغي ( البديعي ) عند جاسم تبرر كثيرًا من دهشة المتلقي الذي يعجب له عندما يهادن الغزل بالصوفية:

 

وحدي أسِّيل حولي الأرقا
( الحيُّ ) لا حيٌّ سواي به
فإذا خيالٌ مِنكِ غازلني
بردتَ صلاتي في مناسِكِها

 

وأضرِّجُ الأبوابَ والشققا
فكأنه من أهلِهِ نفَقا
وأنا أسُخِّن للصلاة تقى
مقدارَ ما قلبي بك احترقا

في هذا النص ملافيظ تنتمي دلاليًّا لحقل المتصوف الناسك : ( الصلاة ، تقى ، صلاتي ، مناسك ) ، وأخرى تنتمي لحقل الغزل والحب : ( الأرقا ، الأبواب ، الشققا ، الحي ، خيال ، غازلني ، قلبي ، احترقا ) .

المفاوضة بين هذين الحقلين غاية الصعوبة ، فالمتلقي البسيط لن يجد نقطة تقاطع بينهما ، ولذا يلجا إلى الشكل البلاغي الممثلة في أصنافه البديعية التالية:

 

( الحي )           لا حيُّ              جناس

لا حيٌّ              نفقا                 طباق

بردَتْ               احترقا               طباق

أسخِّن               بردتْ               طباق

 

هذه الأشكال تجعل الكلام على لقاء الغزل بالتصوف مُبَرَّرًا من الناحية الجمالية ، إنها تحاول أن تهادن بين المعاني المتصادمة من جهة ، أو بين المعنى الصادم أيديولوجيًّا وذائقة التلقي من جهة أخرى .

وهذه المحسنات البديعية لعبة ذات حدِّين ، وهي اشتغال مقتدر في شعر جاسم ، يحسن التعامل معها - في حين يخفق الكثيرون – فتخرج كالسحر ، الذي تظهر خلطته حينًا وتخفى حينًا آخر .

وحين يحدد جاسم إطار القصيدة في الغزل ، يفاجئ المتلقي بقدرته على الخروج من تقاليد رسخت منذ بعيد في الغزل ، فهو يقدم إضافات ومغامرات في المعنى ، تجعل المعنى يثور على شكله القديم المتمثل بإطار الغزل مُخْترقًا بإطار الخمرة ، حيث يتم تفتيت هذه البنية ، واستثمارها في صدم المتلقي في بنية جديدة في أشهر أبيات للغزل عرفها الشعر الحديث وربما القديم :

 

ملأتِني بكِ حتى مسَّني خجلٌ

 

 

من فرطِ ما غازلتني أعُينُ الناسِ

ما عاد يَمْلأ رأسي خمرُ داليةٍ

 

 

صبِّي جمالكِ حتى يمتلي راسي

 

كلُّ النساءِ أحاديثٌ بلا سندٍ

 

 

وأنتِ أنتِ حديثٌ لابنِ عباسِ

أميلُ نحوكِ والتنصيصُ يجذبني

 

 

حتى أشدُّ على التنصيصِ أقواسي

           

 دهشة هذا الشعر ليست متأتية فحسب من التشبيه الذي يعتمد حجة المقارنة بين طرفين بعيدين ؛ أحدهما من عالم النساء واللهو والحب ، والآخر من عالم التاريخ والأثر المقدس ، حيث تسجل اللحظة الشعرية موقفًا خارجيًا يتعلق بالبنى الاجتماعية أو الفكرية أو الأيدلوجية ، بمعنى أن التشبيه حتى ترتفع طاقته الحجاجية والإقناعية يمر عبر ضامن – كما يعبر ( تولمين ) – يُمَثِّل مشتركًا يؤمن به الجمهور الكوني ، فالمتلقي قد يعترض على امتياز هذه الأنثى وتفردها في عالم الحب والجمال على النساء الآخريات ، لكنه لا يمكن أن يعترض على تميز وتفرد رواية ابن عباس – رضي الله عنهما – للحديث ، من حيث الصحة والاعتبار ، وهنا مأتى الحجة في التشبيه ، فالمحبوبة تقع بسبب التشبيه والمقايسة في أعلى درجات السلم الحجاجي التالي :

 

( حديث بن عباس )       تواتر                                      المحبوبة

                 أحاد

                 مرسل                                    بقية النساء

                 ضعيف

                 درجات الحديث

 

بحيث تكون المحبوبة في أعلى السلم الحجاجي بناءً على هذه المقايسة  فتتأتَّى لها الفرادة والتميز .

يغيب هذا النص مرجعية المحبوبة ، فتصبح مرجعية افتراضية  لا تحيل إلى محبوبة معينة ، حيث يمثل الضمير ( ملأتني بكِ – أنتِ أنتِ - أميل نحوكِ ) مرجعية سابقة أو قبلية ، لا يذكر الشاعر لها اسمًا يفسرها ، هذه المرجعية تفهم من السياق ، أو من مقام التلفظ في النص ، فسياق هذا النص غزلي ، ولا بدّ أن يعود الضمير فيه إلى الأنثى ، وعدم تحديد مرجعية الضمير، يجعلنا نرجِّحُ عوده إلى الأنثى الجميلة بشكل عام وليس إلى أنثى معينة .

وتتيح الإحالات الخارجية في الطرف الثاني من التشبيه للمتلقي فرصة التعالق معها وفك شفراتها ، مما يعطي النص قابلية على التحفيز والانتشار والذيوع ؛ لأن الطرف الثاني مما يؤمن به عالَم المخاطَبين .

ويجمع هذا التحسين البديعي في البيت الأكثر شهرة تناظرًا أفقيًّا بين طرفي المقارنة التي  تجعل الأنثى في أعلى السلم الحجاجي مبالغة في الحسن والجمال ، ويمكن تَبَيُّنُ هذا التناظر في الشكل التالي :

كل النساء أحاديث بلا سندٍ

 

وأنتِ أنتِ حديثٌ لابن عباسِ

 هذا التناظر الأفقي على مستوى السطح والبلاغة التحسينية يعمل على خلق تناظر إيقاعي يقوي رباط المقارنة ، ومفادها تمسك الشاعر بالأنثى المتربعة على سلم عرش الجمال من بين النساء الأخريات . كما تسهم إضافة إلى البنية التصويرية الواسمة في خلق مهادنة آنية ، ولنقل مفاوضة تأويل المتلقي للمعنى ، أو تخفيف وطأة تعالق الغزل بالمرجعية التاريخية أو الدينية ذات القداسة أثناء المقارنة ، فينشغل المتلقي بروعه النص عن دلالته المشاغبة لما اعتقده وآمن به.

والصورة في البيت السابق تقوم على آلية حجاجية تهدف إلى الإقناع ، بشكل تلميحي ، وعمادها التمثيل القياسي ، حيث يقدِّم جاسم صورة تدعم دعواه الممثلة في جدارة أنثاه في عالم الحب ، وامتيازها عن غيرها من النساء ؛ وذلك بمشابهتها  حقيقة لا تكون عرضة للدحض أو الشك من قبل المعترضين ، فمن المعروف في الثقافة النقلية أن الحديث المروي عن ابن عباس له امتياز من حيث الصحة والتواتر على غيره من الأحاديث ، ذلك أن أحدًا قد يعترض على تميز أنثى الشاعر ، لكنه لا يستطيع أن يعترض على محتوى أو مضمون المماثلة في طرفها الآخر؛ لكونها تنتمي إلى صنف الحجاج الذي يحظى بالموافقة الشاملة والتسليم من قبل عالَم المخاطَبين ([7]) ، حيث يقع حديث ابن عباس في أعلى السلم الحجاجي ، ومكمن التلميح وهو الامتياز والأفضلية ، وهي الجانب الخفي أو المتروك لفطنة المتلقي ، يُسْتَدرَج لاستنباطه بنفسه بما يمتلك من قدرة تأويلية ، فهي بحسب ( لوكيرن )" نتيجة تأويلية "([8]) ، والنتائج التأويلية تحقق طاقة إقناعية وإمتاعية لا مثيل لها .

وقد وصف  علماء البلاغة العربية الصور التي مدارها التمثيل بأنها  " إذا جاءت في أعقاب المعاني ، أو برزت هي باختصار في مَعْرِضه ، ونُقِلَتْ عن صورها الأصلية إلى صورته ، كساها أبَّهةً ، وكَسَبَها منقبةً ، ورفع من أقدارها ، وشبَّ من نارها ، وضاعف قواها في تحريك النفوس إليها ، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكَلَفا ، وقَسَر الطباع على أن تعطيها محبة وشَغَفًا "([9]) .

 على أنَّ ما يجمع أطراف التشبيه بين الموضوعات والحوامل هو تشابه علاقة وليس علاقة تشابه ، فمن المعروف أنَّ الأنثى لا يجمعها بحديث ابن عباس أي شبه تكويني ، لكن الشبه في العلاقة التي تجمع بين الأنثى والنساء الأخريات بالنسبة إلى الشاعر من جهة كموضوعات ، وبين حديث ابن عباس وغيره من الأحاديث من جهة أخرى كحوامل .

هكذا تسير شعرية الشكل البلاغي في شعر جاسم ، فهناك تكثيف وحضور كبير للشكل في شعره ، وخاصة على المستوى البديعي ، فهل يمكن أن نقول بنظرية موت البلاغة ودفنها في مطاوي الشعر القديم وها هي في شعر جاسم لها محل القاعدة من البناء ، والوتد من الخيمة ، بحيث تشكل عماد الفتنة وقوام الجمال ؟!

 البحث كاملا هنا

 

المراجع

1 – الجاحظ :

-      البيان والتبيين ، تحقيق : عبدالسلام هارون ، مكتبة ابن سينا ، القاهرة ، ط ، (1) ، 2010م .

-      الحيوان ، تحقيق : عبدالسلام هارون ، ط (1) ، المكتبة العصرية ، بيروت ، 1435هـ .

2 – عبدالقاهر الجرجاني :

- أسرار البلاغة في علم البيان ، تحقيق / محمد رضا رشيد ، دار المعرفة ، بيروت ، د . ت .

- دلائل الإعجاز ، تحقيق / محمود محمد شاكر ، ط (3) ، دار المدني ، جدة ، 1413هـ - 1992م .

3 – فتح الله سليمان ، الأسلوبية مدخل نظرية ودراسة تطبيقية ، الدار الفنية للنشر والتوزيع ، 1990م .

4 – محمد سالم الطلبة ، الحجاج في البلاغة المعاصرة ، بحث في البلاغة والنقد المعاصر ، دار الكتب الجديد ، بيروت ، ط (1) ، 2008م .

5 – ابن المعتز ، البديع ، تحقيق : محمد عبدالمنعم خفاجي ، ط (1) ، دار الجيل ، بيروت – لبنان ، 1424هـ

6 – ميشال لوكيرن ، الاستعارة والحجاج ، ترجمة / عبدالطاهر عزيز ، مجلة المناظرة ، الرباط ، العدد (4) ، 1991م .



[1] - الجاحظ ، الحيوان ، تحقيق / عبدالسلام هارون ، ط (1) ، المكتبة العصرية ، بيروت، 1435هـ ، 3 /131 .

[2] - الجاحظ ، البيان والتبيين ، تحقيق / عبدالسلام هارون ، مكتبة ابن سينا ، القاهرة ، ط (1) ، 2010م ،  1 م 74 - 75

[3] - الجاحظ ، البيان والتبيين ، مرجع سابق ، 1 / 94

[4] - الجرجاني ، دلائل الإعجاز ، تحقيق / محمود محمد شاكر ، ط (3) ، دار المدني ، جدة ، 1413هـ - 1992م ، ص 54

[5] - ينظر : فتح الله سليمان ، الأسلوبية مدخل نظري ودراسة تطبيقية ، الدار الفنية للنشر والتوزيع ، 1990م ، ص 29 -30

 

[6] - ابن المعتز ، البديع ، تحقيق / محمد عبدالمنعم خفاجي ، ط (1) ، دار الجيل ، بيروت – لبنان ، ص 140

[7] - ينظر : محمد سالم الطلبة ، الحجاج في البلاغة المعاصرة ، بحث في البلاغة والنقد المعاصر ، دار الكتاب الجديد ، بيروت ،    ط (1) ، 2008م ، ص111

[8] - ميشال لوكيرن ، الاستعارة  والحجاج ،ترجمة / عبدالطاهر عزيز ، مجلة المناظرة ، الرباط ، العدد ، (4) ، 1991م ، ص88

[9] - عبدالقاهر الجرجاني ، أسرار البلاغة في علم البيان ، تحقيق / محمد رضا رشيد ، دار المعرفة ، بيروت ، د . ت ، ص 93


التعليقات


يرجى الإطلاع على شروط التعلقات

عرض الأسم

عرض الأسم

عرض البريد

رمز التحقق