الشيخ حسين العباد :وظائف المنتظرين ومسؤولياتهم ـ (7)

الشيخ حسين العباد :وظائف المنتظرين ومسؤولياتهم ـ (7)

مسجد الامام علي (ع) بالمطيرفي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين. واللعنة الدائمة على أعدائهم أعداء الدين.
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ~ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ~ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسَانِي ~ يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾. ( طه: 25 ـ 28) .
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئيْسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
(الأعراف: 165) .


عواقب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
الآية الشريفة ذات علاقة بما ذكرناه في الجمعة الماضية، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا زال الحديث في هذا الصدد المتعلق بالمسؤليه بتجاه المؤمنين في زمن الغيبة الكبرى، فهذه الآية الكريمة تذكّر المؤمنين أيضاً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والرواية التي أحببت ذكرها في هذا الصدد، هي ما ورد عن رسول الله (ص) من قوله: «لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها وترد عنهم العذاب والنقمة، ما لم يستخفوا بحقها. قالوا: يا رسول الله وما الاستخفاف بحقها؟. قال يَظهر العمل بمعاصي الله فلا يُنكر ولا يُغير». ( الترغيب والترهيب عبد العظيم المنذري 3: 231 ) .
فكلمة التوحيد مشروطة إذن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعن الإمام الباقر (ع) قال :
«وأوحى الله عز وجل إلى شعيب‏ النبي‏: أني معذب من قومك مائة ألف، أربعين ألفاً من شرارهم وستين ألفاً من خيارهم، فقال (ع): يا رب، هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فأوحى الله عز وجل إليه: داهنوا أهل المعاصي‏، ولم يغضبوا لغضبي». (الكافي، الكليني‏5: 5).
فهذه الرواية الصحيحة عن الإمام الباقر (ع) تبين أن سبب العذاب كانوا أربعين ألفاً من العاصين، أما الأكثرية ـ وهم من الأخيار ـ فكانوا ستين ألفاً، لأنهم كانوا يرون المعاصي فيسكتون عنها. فالله تعالى ينزل العذاب لا على الأشرار فقط، إنما حتى على الأخيار، بسبب سكوتهم ومداهنتهم وعدم غضبهم.  
أيها المؤمنون: عندما يُعمل المنكر ولا تتحرك الغيرة في هذا المجتمع فماذا نتوقع؟ لا يتصور أحدنا أنه يدعو في جوف الليل فيستجاب له مع وجود المنكرات والمعاصي المعلن بها ولا يتناهى عنها.
محاربة الجهر بالمعاصي:
فالمعاصي والمنكرات المذكورة في الآية السابقة والأحاديث الشريفة ليست معاصي فردية يعملها العاصي بينه وبين الله تعالى، إنما هي علنية جهرية، فلعل من يعصي الله بينه وبين ربه يغفر له الله تعالى لأنه تخفّى بمعصيته ولم يجهر بها. ولكن المشكلة في المعاصي التي تشكل ظواهر اجتماعية، كما هو الحال في الغناء الذي ذكرناه في الجمعة الماضية، فهو ظاهرة اجتماعية سيئة في مجتمعنا، فالكثير من أبنائنا وإخواننا الشباب في المدارس، لا سيما المتوسطة والثانوية، يجتمع مجموعة منهم على الغناء بصوت عال، ويرقصون أمام الطلاب.
هذه ظاهرة سيئة، فلم لا يكون هنالك تحرك وتعاون بين الآباء وإدارة المدرسة لمواجهة هذه الظاهرة السيئة؟ .
لا يقولن أحد: إن هذا الذي يفعل المنكر ليس ابني ولا أخي، فنحن في مركب واحد، ولا بد أن ننظر إلى عواقب هذه الظاهرة السيئة، فإن مردودها سيكون سيئاً على الجميع، كما هو الحال في الرواية عن الإمام الباقر (ع) التي ذكرت ما حل بقوم شعيب.
إننا نحتاج إلى التعاون ومؤازرة بعضنا البعض، وإلى وقفة جادة للقضاء على هذه الظاهرة، وقد اتصل بي الكثير من الشباب بعد حديثي في الجمعة الماضية، وأبدوا الاستعداد للتعاون، كما بينوا الكثير من التفاصيل.
والمسألة الأخرى التي نحذر منها ويجب أن نقف بوجه من يساهم فيها هي (التفحيط) وهي ظاهرة سيئة وخطيرة، ففي الليلة الماضية كنت أسمع أصوات السيارات في (التفحيط) وأنا في داخل المنزل، وكانوا يفعلون ذلك إلى جانب المقبرة.
فيا أيها الإخوة: في ليلة الجمعة تطوف أرواح موتانا حول البيوت تبحث عمن يقرأ لها شيئاً من القرآن الكريم، وهو ما تؤكده الروايات الشريفة. فكيف بالكثير من الآباء والأمهات والأجداد الذين رحلوا عن هذه الدنيا وهم يحزنون في ليلة الجمعة؟  فلا يقرأ لهم شيء من القرآن الكريم، إنما يشغل الشباب أنفسهم في اللعب واللهو (والتفحيط) حتى الساعة الثالثة ليلاً بجوار قبور المؤمنين والمؤمنات.
إن هذه الظاهرة (التفحيط) يتأذى منها جميع أهل هذه القرية، ولا يمكن أن نقول: إن هذه الظاهرة لا حلّ لها، فما من مشكلة من أمثال هذه إلا ولها حل، فلو حصل تحرك جدي رسمي عن طريق العمدة الأستاذ بدر، فيمكنه المطالبة بوضع مطبات في هذه الساحة لمنع هذه الظاهرة وتعويقها، فلا يترك لهؤلاء الشباب المجال، هداهم الله وإيانا إلى الخير.
فلا بد إذن من تحرك جدي وسريع على المستوى الاجتماعي والرسمي، بمشاركة الأستاذ بدر، ونحن معه، لإنهاء هذه الظاهرة السلبية التي تؤذي الأحياء والأموات. وإنهاء جميع مظاهر المعصية التي تمنع استجابة الدعاء، لأن المعاصي إذا ما تفشت في المجتمع فلا يستجاب الدعاء، بل يسلط علينا شرارنا.
لقد أنعم الله على هذه الأمة أن لا ينزل العذاب على أبنائها مباشرةً كما هو الحال في الأمم السابقة، إكراماً لرسول الله (ص) وأهل بيته وصاحب العصر والزمان، ولكن هنالك عقوبات أخرى قد تحصل إذا ما تركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فلا بد من تحرك جدي من الآباء والشباب وجميع شرائح المجتمع لمواجهة هاتين الظاهرتين وغيرهما (الغناء والتفحيط).
والغريب أن بعض الطلاب طُرد من المدرسة وفصل منها فراح يتجول في القرية بسيارته وهو يرفع صوت السماعات بالغناء وكأنه يفخر بفشله!
لذا نكرر الاقتراح ونشدد على المطالبة بضرورة العمل الجاد من قبل الجميع لكبح جماح العابثين، وذلك بالتعاون مع العمدة والجهات الرسمية ومدراء المدارس، فدور المدير لا ينحصر في جدران المدرسة، بل يتعدى خارج المدرسة، ويمكنه أن يقوم بدور كبير.
وبالعودة إلى الآية الشريفة ومجاولة الإفادة منها نجد أن النهي عن المنكر حتى لو لم يكن مؤثراً في الطرف الآخر، إلا أنه مؤثر من جهة الآمر والناهي، بأن يجعله ينجو من عذاب الله جل وعلا.
أيها الإخوة الأعزاء : الكثير منا لا يرضى أن يرى المنكر في بيته وينهى عنه، إلا أنه يسكت عنه في المجتمع. فالبعض عندما يرى بنته تنوي الخروج بلا حجاب، تراه يرعد ويصول ويجول ويقلب عالي البيت سافله، مطالباً بحفظ حرمة البيت، وهذا أمر محمود، وفيه دليل واضح على أن هنالك ضميراً حياً يعيش في داخله، ولكن أيها المؤمن عليك أن تنتبه أيضاً إلى أن حرمة الله جل وعلا تهتك بالظواهر السيئة التي ذكرنا بعضها، كالغناء والتفحيط وغيرها.
والأمر الآخر في هذه الآية أن النهي فيها جاء بصيغة المضارع، وهو يدل على الاستمرار، أي أن هذا النهي لا ينحصر في زمان دون آخر، فأنت وأنا ومن يجيء بعدنا مخاطب أيضاً بهذا النهي. فلا بد من الاستمرار في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
زواج النور من النور:
مرت بنا ليلة من أفضل الليالي، ويوم من أيام الله، وهو اليوم الأول من شهر ذي الحجة. ففي مثل هذا اليوم في السنة الثانية، وفي المدينة المنورة حدث ما أدخل السرور على بيت النبوة وعلى رأسهم رسول الله (ص) ونزل جبريل وهو يبارك هذا الحدث، ألا وهو زواج النور من النور، فاطمة من علي (عليهما السلام). فقد نزل جبريل يقول لرسول الله (ص): زوّج النور من النور. فلما جاء علي بن أبي طالب إلى بيت أم سلمة كان رسول الله (ص) حاضراً في ذلك اليوم، فجلس بين يدي رسول الله (ص) فقال له رسول الله (ص): يا علي، جئت لحاجة؟ فقال: نعم، أتيت خاطباً ابنتك فاطمة، فهل أنت مزوجني إياها؟ قال: نعم.
تقول أم سلمة: فرأيت وجه النبي (ص) يتهلل فرحاً وسروراً، ثم تبسم في وجه علي (ع) ثم دخل على فاطمة وقال لها: إن علياً ذكر من أمرك شيئاً، وإني سألت ربي البارحة أن يزوجك خير خلق الله. فسكتت فاطمة، فخرج رسول الله (ص) وهو يقول: الله أكبر، سكوتها إقرارها، فإن جبرئيل نزل من السماء فقال: يا محمد، زوج علي بن أبي طالب، فإن الله قد رضيها له ورضيه لها، وكان التزويج بالدعاء، والمزوّج في السماء، فعلي (ع) هو الوحيد في هذا الكون جاء أمر تزويجه من الباري جل وعلا، فكيف تكون البركة مادام الباري يحف هذا الزواج الميمون!.
ثم أمر رسول الله (ص) أحد أصحابه، وهو أنس بن مالك، أن يجمع الصحابة لكي يعلن هذا الزواج، فمن المستحبات الإعلان والإشهار عن الزواج، فلما اجتمعوا قال لهم رسول الله (ص): إن الله أمرني أن أزوج فاطمة بنت خديجة من علي بن أبي طالب. فاستبشر من كان رضي بذلك، لأن الكثير من الصحابة تقدموا لخطبتها لكن رسول الله (ص) كان يعرض بوجهه عنهم.
هذه الحادثة وقعت في اليوم الأول من ذي الحجة في السنة الثانية من الهجرة في المدينة المنورة في بيت أم سلمة.
وأختم بهذا الحديث عن الإمام الصادق (ع) بقوله: «لولا أن الله خلق  أمير المؤمنين لفاطمة ما كان لها كفؤ على الأرض». (الأمالي، الطوسي: 43). وبعض الروايات تضيف: آدم فمن دونه. (المناقب، ابن شهر آشوب2: 181).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
 
 

 

 



التعليقات


يرجى الإطلاع على شروط التعلقات

عرض الأسم

عرض الأسم

عرض البريد

رمز التحقق