الإقامة شعريًا على الأرض

الإقامة شعريًا على الأرض

اليوم

لإقامة في المدن تختلف عنها في الأرياف، وتبعا لذلك فإن أبناء الأولى يختلفون عن أبناء الثانية في العادات والتقاليد التربوية والثقافية والاجتماعية. هذه النتيجة لا يختلف عليها اثنان. لكن سأركز هنا على قضية واحدة من بين القضايا العديدة في سياق الاختلاف بين الاثنين، ألا وهي الاختلاف الثقافي وخصوصا ما اتصل منها بالظاهرة الشعرية سلوكا وممارسة ونصا، وسأتخذ من مدينة الأحساء نموذجا للمقاربة. ثمة مقولة متداولة في الأوساط الأدبية النقدية،


 وأظن أن جذور تلك المقولة تمتد إلى الشعراء الرومانسيين الألمان، تقول بما معناه: الإقامة الإنسانية على الأرض هي إقامة شعرية بامتياز. هذا الربط بين الإنسان بوصفه الإنسان الكامل في قيمه وصفاته وسلوكه من جهة وبين الشعر باعتباره ظاهرة كونية في الطبيعة والعالم من جهة ثانية هو ما يلفت النظر بحيث يتجاوز فيه الشعر كونه يرتبط بمن يكتب النصوص الشعرية فقط إلى كونه حالات إنسانية وطبيعية نشاهدها باستمرار في حياتنا اليومية كتعابير الدهشة والبراءة والحب والحنان التي نلتقيها في وجوه الأطفال والمحبين والحالمين أو في سلوكهم الجسدي تجاه بعضهم البعض أو ما نراه في الطبيعة من جمال بصري يفوق التصور في اللغة المجازية. هذا ما نراه في مجالنا البصري. أما في المجال السمعي فهناك متعة سماع الموسيقى في الطبيعة بأنواعها عدا الموسيقى التي ارتبطت بثقافة الإنسان عبر العصور. إذن هذه خلاصة بسيطة في كون الشعر يتجاوز فيه المكتوب إلى فضاء أرحب يعانق فيه الطبيعة والعالم. والسؤال الذي أطرحه الآن: ما علاقة كل ذلك بالمدن والأرياف ومن ثم بالنموذج الأحساء؟ العلاقة هي في انحسار مثل هذه الظواهر الشعرية في المدن لأسباب كثيرة تتصل أغلبها بالتمدن، وتدفقها في الأرياف لقربها من الطبيعة. لذلك برزت مقولة أن الرواية هي بنت المدينة في إشارة مضمرة إلى أن الشعر لا يحتل الصدارة وليس له المكانة البارزة فيها مثلما هي له في الأرياف والقرى. بالطبع لا يمكن تعميم هذه المقولة على كل المدن في العالم أو كل القرى فيه، فالأحساء على مستوى العادات والتقاليد الاجتماعية والثقافية لا حدود فاصلة بين القرية فيها أو المدينة، وهذا يعني فيما يعنيه أن فضاء الأحساء الذي يعيش فيه أبناؤها هو فضاء مفتوح على الشعر أكثر من أي شيء آخر، وأكثر الأدلة سطوعا على ذلك هو الكثافة الشعرية التي تلتقطها عدسة الفنانين والمصورين والمخرجين الأحسائيين.



التعليقات


يرجى الإطلاع على شروط التعلقات

عرض الأسم

عرض الأسم

عرض البريد

رمز التحقق