العلي: العرب عادوا إلى الشتات بسبب المجتمع

العلي: العرب عادوا إلى الشتات بسبب المجتمع

الوطن السعودية

ؤكد العلي أنه بدءاً من منتصف القرن الثاني حتى أوائل القرن الخامس كانت الأمة العربية الإسلامية على غير وئام تام مع التراث، ومع ذلك كانت تلك الفترة من أكثر الفترات التي ازدهرت فيها الحضارة العربية الإسلامية


محمد العلي، من أبرز شعراء الحداثة السعودية المعاصرة. وحين درسته دراسة أوليّة في كتابي "نبتُ الصمت" عام 1992، كان يوصف بأنه "نافورة نخيل" شعرية متدفقة، ورغم شاعرية العلي المميزة، إلا أن أثر العلي في الفكر الحداثي السعودي كان أكثر من أثره في الشعر الحداثي. ويبدو – كما قلت سابقاً – أن العمل الوظيفي، والتدريس، والصحافة، وشدة ملوحة مياه البحر، كان لها الأثر الأكبر في أن يبثَّ العلي جهده الحداثي في النثر أكثر من الشعر. وهذا ما دفع صديقيه: محمد الشقاق، وحمزة الحمود على جمع مقالاته الصحافية في كتاب ضخم (575 صفحة) تحت عنوان: "كلمات مائية".

لم أقرأ كافة مقالات كتاب "كلمات مائية"، وإن كنت قد قرأت معظمها، لشغفي الشديد بنثر العلي الذي سبقه شغفٌ أشد منه بشعر العلي، كما عبّرت عن ذلك في كتابي (نبتُ الصمت، 1992، الذي درستُ فيه خمسة شعراء حداثيين سعوديين، من ضمنهم محمد العلي). لكني وجدتُ أن هناك عدة محاور أساسية في الكتاب جديرة بالإضاءة والوقوف عندها، ومن أهمها: الوسطية، التعددية، النقد الذاتي، الحداثة، الليبرالية، التعليم، المرأة، الأمن الفكري، المسامحة.. الخ. وكلها محاور تضج بالحياة والمعاصرة. فالعلي لا يكتب عن ماض مدفون تحت الأرض، وانتهى بنهاية المرحلة التاريخية الذي كان يمثلها، بقدر ما يكتب عن حاضر ومستقبل خارج من باطن الأرض، ويريد أن يُنبته ويُعليه باسقاً كأعناق النخيل.

محمد العلي الشاعر والكاتب الحداثي حتى النخاع، يتحدث عن "الوسطية"، التي امتلأت بها الأفواه، حديث المثقف العارف المدرك أن المفهوم حين يكون غير محدد بوضوح تام يصبح خطيراً على الفكر وعلى السلوك. وربما يؤدي إلى الدمار والنحر والانتحار كما شاهدنا في عناصر الإرهاب التي اتخذت من "الوسطية" في بعض الأحيان قناعاً دينياً زائفاً لتبرير جرائمها الإرهابية. وقد أصاب العلي حين قال إن "الوسطية" من ضمن المفاهيم العصرية التي إن لم تُحدد تصبح متاهة فكرية، وتصبح مدعاة لعداء بين أطراف الناس.
ويقرُّ العلي أن "الوسطية" – وإن كانت مفهوماً تراثياً قديماً- أصبحت مفهوماً جديداً في اللغة العربية، من خلال اعتبار أن وسط المرعى خير من طرفيه. ولا يجد العلي عند زعماء "الوسطية" المشهورين كسيد قطب تحديداً فكرياً واقعياً لمعنى "الوسطية" غير ذلك "الإنشاء الرومانسي" - كما يصفه- الذي لا يأتي بجديد ولا بقديم، غير تلك (النشوات) الإنشائية المملة، والمكررة.

يطرح العلي السؤال المهم التالي:
هل "الوسطية" موجودة كسلوك واقعي في حياتنا العربية؟
ويجيب على ذلك بذكاء من يحاول السير فوق حقل من الألغام، بقوله بأن "الوسطية" قيمة من القيم التي نحلم بالعمل بها في حياتنا اليومية. فهي كالمساواة، وحرية التفكير والعقيدة، وتكافؤ الفرص، والإخلاص في العمل.. الخ. فهل مثل هذه القيم موجودة، ونعمل بها بإخلاص وأمانة في حياتنا اليومية؟
كان جواب العلي، أن لا قيمة من هذه القيم معمولٌ بها في حياتنا، فكيف لنا أن تستثني قيمة "الوسطية"، إذن؟!
ويردد العلي بحزن مضنٍٍ: إن فاقد الشيء لا يعطيه. وليس له الحق في ادعائه ولو خيالياً!
وبهذا، فإن مفهوم "الوسطية" - إذن - هو من ضمن المفاهيم (الطوباوية) المطروحة الآن، دون أي معنى، أو دلالة. و"الوسطية" بهذا، لا تتعدى أن تكون "في سياق رومانسي موصل بصورة تكاد تكون حتمية إلى الطوباوية." على حد تعبير العلي.

يقول عالم الاجتماع العراقي فالح عبد الجبار عن تاريخ "الوسطية" الحديثة في أوروبا:
"اكتسبت الوسطية تعبيرات شتى، باختلاف العصور والبلدان. ففي أوروبا القرن الثامن عشر، كانت تعني التسويات والتدرجات في الانتقال السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، إلى العصر الحديث القائم على الحريات السياسية، وحرية السوق، وإلغاء الامتيازات القائمة على المحسوبية، وإعلان المساواة القانونية والسياسية لكل المواطنين. واكتسبت الوسطية معنى الطريق الثالث بين البنية السياسية الواحدية والاقتصاد المركزي، من جهة، واقتصاد السوق المنفلت من جهة أخرى . وكانت التيارات الديمقراطية الاجتماعية هي التعبير عن هذه التسويات، رغم تشوهها بفعل الحرب الباردة. 
أما الوسطية الأوروبية اليوم، فهي طريق ثالث بين اقتصاد السوق النيوليبرالي، واقتصاد السوق المقترن بالرفاه الاجتماعي. وتتجلّى الوسطية أيضاً في نشوء مدارس فكرية تُعنى بحل النزاعات، ومدارس تُعنى بتطوير المجتمع المدني في شكل منظمات طوعية، تتولى بعض وظائف الدولة، أي الاتجاه نحو لامركزية السلطة. "

يبرز العلي مقولات سيد قطب في كثير من المفاهيم، باعتباره أبرز من تصدى لمثل هذه المفاهيم من الأصوليين والسلفيين، حيث إن سيد قطب يردُّ عقم العرب وتخلفهم لماديتهم وعقلانيتهم المتطرفة، وهو ما يثير حفيظة العلي، الذي يسأل قطباً قائلاً:
نحن نعرف أن الحضارة العربية الإسلامية كانت في أوج ازدهارها في القرنين الثالث والرابع الهجريين، فهل كانت الأمة متصالحة مع التراث في ذلك الوقت، أكثر مما هي متصالحة معه الآن؟
ويؤكد العلي – من خلال قراءته المتأملة والعميقة للتاريخ – أنه بدءاً من منتصف القرن الثاني حتى أوائل القرن الخامس كانت الأمة العربية الإسلامية على غير وئام تام مع التراث، ومع ذلك كانت تلك الفترة من أكثر الفترات التي ازدهرت فيها الحضارة العربية الإسلامية.
ويؤكد العلي بناءً على ذلك أن تطبيق المفاهيم والقيم في الحراك الفكري والسياسي وعلى أرض الواقع وفي السلوك اليومي يشير بكل جلاء ووضوح إلى أننا لسنا أمة وسطاً. وأننا بعيدون كل البعد عن "الوسطية" بمفهومها القديم – إن وُجد - والحديث.

 

 

 

 




التعليقات


يرجى الإطلاع على شروط التعلقات

عرض الأسم

عرض الأسم

عرض البريد

رمز التحقق