المرأة الأحسائية والعمل الوقفي

المرأة الأحسائية والعمل الوقفي

المجلة العربية

النظرة التفقدية على محطات التاريخ الإسلامي تظهر هذا الدور الكبير للمرأة وتفاعلها مع المسألة الوقفية، وأنها لم تكن بمنأى عنه، أو عن إدراكها لأهميته لها وللمجتمع كافة، فمستوى الوعي لديها والحس الجمعي لم يكن بمعزل عن محيطها، وما يدور من حولها،  ولكن الشيء المؤسف أن معظم من تناول موضوع الوقف كان يتغافل عن هذا الدور النسائي الذي قد تتفوق المرأة في أصعدته على الرجل، فالشواهد التاريخية تثبت أنها كانت ذات دور في تنمية المجتمع من جهة، وإدراك حاجة المرأة للوقف من جهة أخرى، في مختلف العصور الإسلامية، وهذا ينطلق منذ صدر الإسلام وحتى الوقت الحاضر، حيث زادت المرأة وعياً وإدراكاً لأهمية الوقف، حيث أظهرت دراسة كمية للأوقاف الكبيرة في العالم الإسلامي، إن 25 % من الأوقاف أنشأتها النساء، بل امتد دورها ليشمل، أيضاً، النظارة عليها، إذ عينت ناظرات من النساء على 14 % من الأوقاف.  


 

وهذا الدور الفاعل، والصفحات المضيئة للمرأة في العمل الخيري، يتوافق مع طبيعتها الحانية، وما جبلت عليه من خير ورحمة، وقلب محب للآخرين، وهذا يتوافق مع ما أثبتته الدراسات العلمية، عن دور المرأة في الوقف الخيري، في مختلف الحقول الخدمية والدينية.
المرأة الأحسائية والوقف
 وللمرأة الأحسائية كما للرجل شأن وشغف كبير في مسألة الأوقاف وإحيائها، وتفعيل دورها في البلد، فقد ساهمت في الحركة الوقفية بفاعلية كبيرة، وتعددت أدوارها فيها بمقدار وعيها وثقافة عصرها الذي عاشت فيه، فقد بذلت مالها وملكها من أجل الوقف، وتجاوزت ذلك لتشارك في النظارة عليه، ومتابعة تأديته لدوره، وما أوقف من أجله، وهذا نابع من ثقتها بنفسها، وأنها تمتلك القدرة على منافسة الرجل في إنجاح الوقف، ومتابعة مسيرة تقدمه.
هذه المشاركة من قبل المرأة في العبادة الوقفية يظهر عدداً من الجوانب المهمة في طبيعة المرأة الأحسائية والوقف لعل من أهمها: 
- إن نسبة الوعي الجمعي لدى المرأة الأحسائية لا تقل لديها عما لدى الرجل بضرورة المشاركة الجماعية  في كل ما يسهم ويرفع من شان المجتمع، دينياً واجتماعياً. 
- إن المرأة الأحسائية تتحسس آلام الآخرين، وتدرك ما يدور في المجتمع من حاجة وعوز لدى الأسر الفقيرة التي لا يمكن أن تعيش هانئة إلا بدعم ومساعدة من المجتمع الذي يحيط بها.
- إن نعمة التدين والتربية الإسلامية في الحفاظ على استمرار هذه الفريضة العبادية، والشعيرة الدينية (الوقف)، أمر مشترك لا يختلف اثنان في أهميته، سواء من الرجال أو النساء، وقد أثبتت المرأة الأحسائية ذلك. 
- إن مسؤولية بناء وتقدم المجتمع أمر جماعي، لا يمكن أن يتقدم في جانب ويتخلف في جانب آخر، وقد استطاعت المرأة الأحسائية من خلال مشاركتها في العمل الوقفي إيجاداً وإدارة، أن تعطي نفسها موقعاً خاصاً في العملية التغييرية، والتنموية في المجتمع.
- إن المرأة الأحسائية تمتلك القدرة الإدارية والفكرية في إدارة الوقف، وتحمل أعباء النظارة والإدارة بمستوى لا يقل عن الرجل، رغم العادات والتقاليد القاسية التي تقلل من حركتها ونشاطها.
وقبل الولوج فيما قدمت المرأة للوقف، يجدر بنا أن نوجه جزءاً من العناية بما قدمه الوقف للمرأة، لكونها من المجتمع كما يجب عليها أن تعطي يتعين لها اجتماعياً أن تأخذ وتستفيد من آفاق الوقف الواسعة.
دور المرأة في خدمة الوقف
تتشعب أدوار المرأة والوقف ومجالات عطائها فيه بكل فروع الوقف وتوجهاته والتي من أبرزها الولاية على الوقف، بما تعنيه من مسؤولية تحتاج إلى حسن إدارة، وإلى تأسيس الوقف والمساهمة فيه سواء على نحو مستقل أو مشترك، ولكن المحصلة أن المرأة لم تُدر ظهرها للوقف، ولم تقف مكتوفة الأيدي، دون أن تساعد في العمل الديني والاجتماعي في الوسط الذي تعيش فيه، والمرأة الأحسائية، أدركت أهمية الوقف ووعت مكانته الكبيرة، وكانت شريكة للرجل فيه وإن لم تخدم المصادر والوثائق كثيراً في ذلك، ولكنها أعطتنا نماذج عن المرأة والوقف في الأحساء، وأنه لا يشكل آخر اهتمامها، وأن بصمتها فيه واضحة.
ولو أردنا استعراض دور المرأة الأحسائية في الوقف والجوانب المختلفة التي خاضتها، فإننا نلخصها في النقاط التالية:
- نظارة المرأة على الوقف
لم تكن المرأة الأحسائية في جميع أدوارها الوقفية في موقع الاستفادة والانتفاع من الوقف، وإن كان هذا حق مشروع، وإنما جانب العطاء يعد بعداً مهماً في حياة المرأة الأحسائية؛ لما يكشفه من القدرة على الإدارة، وتحمل المسؤولية، وكيفية وضع الأمور في نصابها الصحيح.
وبقدر ما يكون حجم هذه المسؤولية على عاتقها تتجلى مكانتها الشخصية وما نالها من حجم الثقة.
وهنا من أبرز الشواهد على تولي المرأة الأحسائية موقع القيادة في إدارة الوقف، هو ما حازته آمنة بنت سلمان البحراني، من مدينة الهفوف، فقد كانت الولية والنظيرة على أوقاف الحاج إبراهيم بن علي البحراني المتعلقة بذريته من الإناث، ولسنا هنا بصدد الخوض في كيفية إدارتها للوقف ومدى نجاحها فيه، ولكن ما يهمنا أنها حازت المسؤولية خصوصاً إذا علمنا حجم الوقف الذي هي ولية عليه، وهو بحسب سجلات محكمة الأوقاف والمواريث بالأحساء كما يلي:
مزرعة (الضاحية، والدانية، وخديجة، والحصان، والشرب، وشرب حمد)، وهي جميعاً في قرية (بني نحو) المندثرة، ومزرعة (الضاعي، وأم الهدى، والقونع، وقطعة العمار، وسبيع، وصبيخه، والعروق، والكبروية)، وهي جميعاً في منطقة الموازن الزراعية.
ومزرعة (السواقط، والعارض شمال، والعارض جنوب) في طرف الخدود، أما (الأويسط)  فهي في أم خريسان.
كما أنها الولية على ثلاثة بيوت بحي الفاضلية من الهفوف، وبيت بحي الفوارس، ودكان بسوق المبرز. من هذا يتبين أن حجم المسؤولية التي على عاتق آمنة البحراني هي: (18) مرزعة، و (4) بيوت، ودكانة واحدة.
هذا نموذج من إدارة المرأة للوقف، والعمل على إحياء دور الوقف، وإسهامها في بناء المجتمع.
أما الأوقاف المتوسطة، أو الصغيرة، فكان للمرأة الأحسائية إسهام واضح وجلي فيها، خصوصاً إذا كانت هي الواقفة رغبة منها في متابعة ما أوقفته وحبسته، وصرفه في المجال الذي خصته به، ونذكر هنا على سبيل المثال:
وقف المرأة المتميزة آمنة بنت عبد الله البغلي  (في النصف الثاني من القرن الثالث عشر)، التي تعد من أبرز النساء الواقفات في الأحساء، وأكثرهنَّ شهرة، سواء من ناحية الكم الوقفي، أو من حيث النوع، حيث كانت تمتلك أفقاً واسعاً في دور الوقف، وضرورة التنوع فيه بما يخدم حاجة ومتطلبات المجتمع، فمن الأوقاف التي أوقفتها وجعلت الولاية عليها لنفسها بيتها الشرقي الكبير الكائن بفريق (الجحاحفة) تابع الرفعة من الهفوف، والعقار المسمى بـ (أم الخباج)، وتسعة أسهم من العقار المسمى بـ (السبخة) نخل البغلي الكائن بطرف الرفعة على ساقية عين شبيب، وعين بو هلال، كما جعلت نفسها الولية على سبعة عشر سهماً من عامة خمسين سهماً من شرب مسلم، وشرب (السروال) الكائن بطرف الموازن، كما وقفت جزءاً من شطيب (برقا)، على أن تكون الولاية لها مدة حياتها، ثم من بعدها لأمها (كلثم بنت حسن البغلي)، وإن رزقها الله ذرية صالحة تقوم بهذه الموقوفات، وإلا على علماء المؤمنين، عالم بعد عالم، وقد وقعت الوقفية في سنة 1264هـ، على يد الشيخ محمد بن علي المازني.
فقد كانت ترى أهليتها على إدارة الوقف، وتصريف أموره، بما يتناسب مع مصلحة الوقف، الثقة التي أكدها العلماء المسجلون للوقف، بأن إخلاص المرأة وعزيمتها كافية وقادرة على تذليل الصعاب، وحفظ الوقف فيما أنشئ له.
ومن الوقفيات التي أثبتت المرأة الأحسائية كفاءتها وقدرتها الإدارية في تسيير شؤون الوقف وقف أم الخير آل حميدي، فقد أوقفت بيتها الذي في حوش آل بن شكر، وقد جعلت الولاية على ذلك لأمها، والوقفية وقعت في التاسع من شهر شوال سنة 1250هـ.
كما هناك وقف مريم بنت عبد الله آل عيسى، فقد: (أوقفت وحبست جميع وجملة ما تستحق من النخل المسمى بـ (الأسداس) مزرع الأرز الكاين في طرف البطالية ساقية الجوهرية، وجعلت الولاية لها مدة حياتها، ومن بعدها لابنها علي بن محمد سالم أبي فراج)، في شهر ربيع الأول سنة 1301هـ.
وهذه الأمثلة تقودنا إلى الاعتقاد بحرص المرأة على الوقف وخشيتها من أن ينحرف عن مساره الذي حددته له، وفي نفس الوقت رغبتها في الإشراف المباشر على الوقف، والمساهمة الفاعلة في خدمة المجتمع والعمل الديني، دون أن تقف موقف المتفرج السلبي غير الفاعل طالما لديها القدرة على إثبات كفاءتها الإدارية.
هنا نجد تنوع ولايتها بين البيوت، والمزارع والدكاكين، بما يتطلبه كلٌّ منها من متابعة مختلفة، ورعاية مستمرة، ومن ثم صرف الريع في مجال الوقف، وهذا نابع من امتلاك الثقة على متابعة الوقف، وتسيير شؤونه، ولو تتبعنا الأمر لخرج إلينا نماذج كثيرة تبين مكنتها الإدارية، وقدرتها على التصرف بحكمة، وتحمل المسؤولية.
آفاق الوقف عند المرأة الأحسائية
إن آفاق الوقف واسعة وكبيرة جداًّ - وهي تشمل جميع نواحي الحياة - لا يمكن حصرها أو تقييدها. وإذا ما حصل شيء من هذا القبيل فهو نابع من ضعف إدراكنا لرحابة الوقف، فتضييقنا على أنفسنا، يبدو واضحاً في حصرنا الوقف في جوانب محدودة، لا تتجاوز القضايا الدينية، وتلاوة القرآن الكريم ووقف الذرية، وبعض القضايا الاجتماعية. إلا أنه مع ذلك فقد كان للمرأة الأحسائية آفاق جيدة للوقف ومجالات العطاء فيه، وجميعها نابعة من طبيعة الثقافة السائدة في مجتمعنا الأحسائي، ومن أبرزها:
الوقف على قراءة القرآن الكريم
قال تعالى: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا , إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا , إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا , فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا).
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).
هذه النصوص وغيرها حفزت المؤمنين على إيقاف أملاكهم على قراءة القرآن، وتلاوته رغبة بالأجر والثواب بعد الموت، والمرأة الأحسائية ساهمت في وقف القرآن وتلاوته بدرجة كبيرة، حتى أصبح القرآن مصدراً من مصادر الرزق لدى الكثير من الناس، معتمدين على الأوقاف الكثيرة على تلاوته، وقد شجع مثل هذا النوع من الأوقاف الانتشار الواسع للكتاتيب المختصة بتعليم القرآن الكريم، والتي يرتادها آلاف الأطفال ذكوراً وإناثاً، ويقود مسيرتها مئات المعلمين والمعلمات، وهي منتشرة في جميع مناطق وقرى الأحساء، منها كان الوقف القرآني يحتل نسبة مقبولة بين الأوقاف الأحسائية، وكان للمرأة نصيبٌ منها، وعلى سبيل المثال:
- وقف المرأة آمنة بنت عبد الله البغلي ونص وثيقته: أوقفت وحبست جميع وجملة مستحقها من (شطيب برقا) بطرف الخدود على أن يقرأ لها في كل يوم جزء من كتاب الله، ويصلى عنها مدة حياتها النوافل اليومية... وقد تمت الوقفية في السابع عشر من شهر ربيع الآخر عام 1264هـ.
- وقف كلثم بنت حسن البغلي، ونصه وثيقته: (قد أوقفت وحبست وأبَّدت ثمين ونصف الثمين من النخل المعلوم الكائن بطرف الرفعة على ساقية الخدود المسمى بـ (العظيمي) على أن يقرأ لها كل يوم من الأيام جزء من كتاب الله المجيد، وسورة تبارك الذي بيده الملك (الملك)، وسورة ياسين.. وقد وقعت الوقفية غرة جمادى الآخرة سنة 1272هـ، شهود الحال حسين ولد محمد البغلي، وابنه محمد وأحمد بن محمد البغلي).
- وقف السيدة مريم الجبيلي، من أهالي قرية الجبيل لجزء من ريع مزرعتها الكائنة في قرية الشهارين التي تسمى بـ (مليعبة)، وقد جعلت وقفيتها على: (قراءة ثلاثة أجزاء من القرآن، وسورة يس، والباقي من ريعه على أعمال البر).
ومن أقدم الوثائق التي استطعنا العثور عليها في مجال مساعدة الفقراء ما أوقفته الحرة المصونة أم الخير آل حميدي فقد جاء فيها: (أوقفت بيتها الذي في حوش آل بن شكر وحبسته على طعام للفقراء بأن يؤجر ويشترى بأجرته طعام ويصرف على الفقراء وقفاً صحيحاً)، وقد جعلت الولاية على ذلك لأمها، والوقفية وقعت في التاسع من شهر شوال سنة 1250هـ.
كما كان من ضمن ما أوقفته المرأة المتميزة الحاجة آمنة بنت عبد الله البغلي بما مقداره (منًّا) من التمر سالماً من التبعات للفقراء والمساكين، وذلك ضمن الوقف الذي أنشأته سنة 1264هـ.
وما أوقفته فضة أبو حليقة من أهالي الهفوف سنة 1389هـ، حيث أوقفت مزرعة لها في قرية الجبيل تسمى (الصدقة) على مساعدة الفقراء من أبناء الأسرة.
فهو نابع من إدراكها لحال ذويها وأبناء عمومتها من الفقر فأرادت أن تسهم في رفع الحاجة والضيم عنهم.
الوقف على إعمار وصيانة الكتب
من الأمور الجميلة الرائعة للوقف، التي تشكل أهمية، وتحمل في طياتها دلالة وعي وبعد نظر، إيقاف الكتب والمصاحف وهي تعد من أهم مصادر المعرفة، وبناء الثقافة الدينية، وهو الحقل الذي تعددت الأوقاف حوله، وأكثر الناس عناية واهتماماً به رجال العلم الذين يدركون أهمية الكتاب وقيمته.
أما الوقف على حفظ وصيانة الكتب، والمصاحف فلم يحظ بنصيب من لدن الواقفين في منطقة الأحساء إلا بشكل محدود جداً، ما يجعل الكتب عند تعرضها للتلف محل إهمال ولا مبالاة.

 

 



التعليقات


يرجى الإطلاع على شروط التعلقات

عرض الأسم

عرض الأسم

عرض البريد

رمز التحقق