العلامة السيد ابو عدنان : :قراءة جديدة في معطيات مدرسة الإمام الحسن عليه السلام

العلامة السيد ابو عدنان : :قراءة جديدة في معطيات مدرسة الإمام الحسن عليه السلام

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على اشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين ثم اللعن الدائم المؤبد على أعدائهم أعداء الدين

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾[1]

اللهم وفقنا للعلم والعمل الصالح واجعل نيتنا خالصة لوجهك الكريم يا رب العالمين


 بلغ العلى بكماله *** كشف الدجى بجماله

حسنت جميع خصاله *** صلوا عليه وآله

من حديث شريف يرويه حذيفة بن اليمان رضوان الله تعالى عليه عن رسول الله (ص) قال: «بينما رسول الله (ص) إذ اقبل الحسن بن علي يمشي على هدوء ووقار فنظر إليه رسول الله (ص) فقال: إن جبرائيل يهديه وميكائيل يسدده وهو ولدي والطاهر من نفسي وضلعٌ من اضلاعي هذا السبط وقرة عيني بأبي هو»[2].

الامام الحسن (ع) بصمة السماء في الارض

الحديث عن الامام الحسن (ع)، حديث عن المكرمات والكرامات والآيات والمعجزات، ينقضي الكلام ولا تنقضي مناقبه، كيف لا وهو النور من الانوار، الامام الحسن (ع) بصمة السماء في عالم الارض، فيه نور النبوة وفيه نور الإمامة، من علي إمامته، ومن الزهراء قدس النبوة يجري في كل عرق من عروقه، الإمام الحسن (ع) قرآن ناطق، قرآن متحرك، قرآن يفسر القرآن الذي انزل على قلب جده الحبيب المصطفى محمد (ص)، لو ان الأمة عاشته وقرأته من خلال ما خلف وراءه من اثر لاهتدت طريقها ولما ذهبت بها المذاهب شتى طرق، الإمام الحسن (ع) بمنطوق جده هدي، وما أحوجنا اليوم ان نعيشه في سلوكنا العملي، في علاقاتنا في الداخل والخارج، لأن الامام الحسن (ع) قدم ما تنوء به العصبة اولي القوة، فالإمام الحسن (ع) حمل القرآن دستوراً وجسّده واقعاً، من اراد ان يقرأ القرآن كما هو فما عليه إلا ان يرجع لسيرة الامام الحسن (ع) كيف كانت ليجد القرآن أمامه مجسّما وكأن كل حرف من حروف اسمه هو بمثابة طريق نافذ الى اعمق وادق العبائر المنطوية على الاسرار والمعارف.

القراءة الصحيحة للتاريخ وأهميته في ترشيد الأمة

استغرقنا في صلحه وليتنا احسنا قراءته! واستهلكنا في زواجه وتعدده وكأن الامر يعنينا اليوم! وذهبنا الى ابعد من ذلك لنكون رجع صدى للآخر انه كان مطلاقا! هل يصدق على من لم يتزوج اكثر من خمس انه مزواج ومطلاق! يقال ان لهارون الرشيد الف جارية يتسرى عليها لم ينقله احد، لم يوجه البوصلة احد الى تاريخه ولكن كما قيل: «لا ترمى إلا الشجرة المثمرة» حتى وان كانت تكسب ظل القليل من يلوذ بها، فالظل والثمر مقدم على الظل دون الثمر، الامام الحسن (ع) ظل وارف وثمر يانع، فهل قربنا من مناهله؟ هل حاولنا ان نرتشف من معينه؟ هل حاولنا ان نغوص في بعض المفردات مما دوّن ووصل الينا؟ ايها الاحبة! أليس من حقنا اعادة القراءة للتاريخ من جديد بعد اربعة عشر قرناً من الزمن كنا نجلد بسياطه؟ اما آن الأوان؟ أما حان الوقت؟ أما وصلنا الى درجة من الوعي الكافي لنقلب تلك الوريقات ونضع علامات الاستفهام على سطورها ومفرداتها، بل إن امكننا الامر وحروفها حتى؟ ايها الاحبة! في التاريخ الكثير من الغث وهو الاغلب الاعم الاكثر والسمين وهو الذي يمثل الندرة في محتواه، لكن ابيض الصفحات وأكثرها نصوعاً هي ما لفت على معطيات مدرسة محمد وآل محمد (ص)، إذا كان من حقنا ان نعيد القراءة فما هو الدور الذي ينبغي ان نقوم به؟ هل نقف متفرجين؟ أم علينا مسؤولية كبرى لا يتخلص منها صغيرنا ناهيك عن الكبير وكلكم كبار.

الانفتاح وفسح المجال لتقديم ما يمكن استخلاصه من التاريخ

ايها الاحبة! المسؤولية هي التكليف والتكليف في تأسيسه عموم يستغرق جميع افراده، «يا ايها الناس» و«يا ايها المؤمنون» فيه شمولية عامة تلقي بعهدة التكليف في أعناق البشر، ما اختص به المؤمن فهو في دائرته وما اتسعت رقعته فهو في عموم الاسلام، والتاريخ دوّن هنا ودون هناك، وضع يده على مفردات في العموم وخص في الخصوص من يستحق، إذا كنا كما قلنا من حقنا ان نقرأ فماذا أعددنا لهذا الدور؟ هل لدينا سؤال صريح موجّه للذات ليس من باب نقدها بقدر ما يحمل من علامات التحفيز في وجدان كل واحد منا، لأن من كتبت سيرتهم وسطرت حياتهم ودونت ملاحم الحياة التي خاضوها يعنينا جميعا، هل لدينا من يحمل سمة التخصص في التاريخ فضلا عن فلسفته؟ هناك تاريخ واسع، هناك آلية اسمها الفلسفة، هل حاولنا ان نقرأ بتجرد لتاريخ أئمتنا ولصناع القرار وللمؤثرين في خارطة العالم الاسلامي في طقوسه والعالم في سعة آفاقه؟ هل بعد القراءة المتأنية والواسعة فتحنا المجال أمام الفيلسوف ليقدم لنا ما يمكن ان نستخلصه من ذلك التاريخ الذي كما قلت في اول الكلام مزجٌ بين الغث والسمين مع رجحان للكفة الاولى، لماذا؟ لأنه في الاغلب الاعم الاكثر الذين كتبوا التاريخ إما كانوا مستأجرين أو متملقين أو عديمي الضمير أو ممن يدفعهم الحقد والحسد، فدونك تاريخ كتب بناءا على هذه الركائز الاربع ما عسى ان يكون حاله! وأضف له عنصرا خامسا؛ إذا كتب التاريخ كاتبٌ امتلأ وجدانه بالغلو المفرط فصير من اللا شيء شيء ومن الشيء اشياء ودسها في كل فصوله وبثها بين وريقاته ومرت السنين وتلتها القرون وطرح بين ايدينا اوراق تختلط فيما بينها، ومعارف تمتزج فيما بينها، لا يتسنى إلا لأقل القليل من أبناء الامة، من يكون بمقدورهم ان يرتب الاوراق من جديد، بالنتيجة إذا كنا لسنا من حملة التخصص في التاريخ والواقع يشهد ذلك تصوروا أن ما يربوا على تسعين في المائة من تاريخ أئمتنا كتب بأقلام المخالفين لهم، الغير المنسجمين معهم فما عسى ان يكون الحال عليه! وما عسى ان تشفع ما نسبته عشرة في المائة من مجموع ما كتب لكي يقرأ التاريخ كما هو؟ وأما اذا دلفنا قليلا ووقفنا قبالة فيلسوف يريد ان يعمل اصول الفلسفة في معطيات التاريخ ما عسى ان يبقى لنا بعد ذلك؟ والعشرة في المائة فيها ما فيها من علامات الاستفهام وبمقدورك ايها المحب الحسني ان تقرأ بعد ذلك او تستخلص كم هو الظلم والجور والمصادرة والابتزاز الذي ابتلي به موروث الامام الحسن (ع) ظلما وعدوانا. ما هي مصادرنا التاريخية ايها الاحبة التي نرجع اليها في توثيق الحوادث؟ البعض منا لا ينفتح حتى على الداخل الذي يعنيه ناهيك من ان يكون منفتحا على المسارات والمذاهب من حوله! صحيح انت شيعيٌ في ولائك ولكن الشيعة كثر؛ فالناووسية شيعة ويعاد استنساخها من جديد اليوم لتعيها أذنٌ واعية وليلتفت اليها من يهمه الامر، وما دعوى المهدوية الا رجع صدى لهذه النابسة، كذلك الزيدية والاسماعيلية واكثر من ذلك الواقفية، تصوروا هنالك اليوم من يحاول ان يعيد الواقفية من جديد اما على إمامنا الحادي عشر ليتسنى له بعد ذلك ان ينكر المهدي وجودا، فالمهدي موجود، بوجوده المادي ووجوده المعنوي وعلى ذلك سيل من الروايات تعرضت الى شطر منها في ذكرى مولده عجل الله تعالى فرجه الشريف.

الحوزة العلمية ودورها في قراءة النص التاريخي وغربلته

السؤال الآخر مطروح في دائرة اصحاب الاختصاص كما ينبغي: هل لعبت الحوزة دورها في غربلة النص التاريخي وما مدى الاسقاط الذي احدثه ذلك على مسار الفتوى من الغيبة والى يومنا؟ كلنا يعلم ايها الاحبة ان الفتوى تنتزع من ظرفها الزماني والمكاني وما من ظرف زماني ومكاني إلا وهو مشبع بالآراء والافكار والمعطيات والمخرجات؛ فالسؤال المطروح هو: هل الحوزة لديها فعلاً من يمكن ان يقوم بهذه المسؤولية؟ ربما سددنا الكثير من الثغرات في الاصول والفقه والرجال، لكن بعض المشارب لا زال ينتابها الخلل، فسقف اللغة في تراجع واضح بين وتستطيع ايها المؤمن ان تضع يدك على مفرداته في أي وقت شئت وفي أي مكان أردت، إذا كان هذا هو حال اللغة العربية التي نزل بها القرآن وتحدث بها محمد وآل محمد (ص) وهي التي تمثل العمود الفقري في بناء الحكم الشرعي والتكليف الشرعي فما عسى ان يكون الحال فيما وراء ذلك؟! هل في حوزاتنا حلقات تخصص في قراءة التاريخ وغربلته؟ الشهيد المطهري رضوان الله تعالى عليه يعتبر من رجال الفقاهة فهو مجتهد مسلم ومن رجال الفكر في أعلى درجاته، أستاذ حر في علم الفلسفة حرك مبضعه مبضع الفيلسوف في مادة الخام المطروحة بين يديه اسفار من التاريخ قامت الدنيا ولم تقعد، لان صاحب الاختصاص أخذ مساره وفق اتجاه البوصلة كما ينبغي، لم يحد يميناً ولا شمالا لكن ما تم استخراجه واستخلاصه لم يكن مرضياً للكثير من الناس لذلك ثارت الثائرة عند البعض منهم، حتى قالوا ان ثمة مؤامرة على المذهب يدفعها اتجاه معين وتحرك الرؤوس من خلالها! ايها الاحبة! في حوزاتنا نحن في مسيس الحاجة ان نجعل التاريخ مادة اصيلة واهم من ذلك ان نعطي للمسار الفلسفي التاريخي الفرصة الكافية بعيداً على التضليل، بعيداً عن التسقيط، بعيداً عن الطرد عن دائرة الحوزة، اذا اردنا ان نبني جيلا واعيا يدرك المسائل المربوطة بعالم الغيبة مع الخلف الغائب من آل محمد (ص)، لو قرأنا التاريخ كما ينبغي لتحرك الفقه معنا ولما بقي يراوح مكانه، بعض المدارس عند المذاهب الشقيقة دخلت في سباق مع مدرسة خاصة وباتت تتقدم عليها في بعض المواطن، مَن المسؤول؟ ان عدم الانفتاح على التاريخ يكلفنا كثيراً.

مظلومية الامام الحسن (ع) في النصوص التاريخية

هل ما وصلنا عن حيات الامام الحسن (ع) كما كان فعلاً؟ لو كان التاريخ شريفاً، أي الذي كتب، ولو كان التاريخ مصفى، أي بعد ما وصل، لكان الأمر كما قلت ولكن مع شديد الاسف تعرض تاريخ الإمام الحسن للظلم والاضطهاد والمطاردة والمصادرة، الامام الحسن (ع) رسالة سلام وقلبوها إلى حالة خوف وضعف وجبن! الامام الحسن (ع) رسالة المحبة وصيروا منه الانسان المنكفئ على نفسه الذي لا يعيش إلا ذاته، الامام الحسن (ع) رمز الكرم في مواطنه وهو القائل:

نحن أناس نوالنا خضل *** يرتع فيه الرجاء والأمل

تجود قبل السؤال أنفسنا *** خوفاً على ماء وجه من يسل

لو علم البحر فضل نائلنا *** لغاض من بعد فيضه خجل

إلا انهم قلبوا حتى هذه المفردة، حتى قالوا خرج عن نطاق المنظومة من آبائه واجداده! حتى نعتوه بالمبذر ـ لا انزل الله عليهم رحمته ـ الامام الحسن (ع) انموذج الانسان الوسطي، الانسان الذي يحمل الهداية في يد ويحمل الرؤيا في اليد الاخرى ليقول للأمة متى ما تم هذا انطلق ذاك فحلقت الامة في الآفاق من حولها، ومتى ما تخلت عن هذا فلا نزوع الى ذاك وما لها الا السقوط والضياع والشتات .. لماذا غيب دور الامام الحسن (ع)؟ لماذا صودر هذا الدور؟ لماذا يعتم عليه؟ لماذا لا نسمع من منابرنا الا الصلح والطلاق والزواج والخوف؟ لماذا لا نقول ان الامام الحسن (ع) وضع حجر اساس لأول مدرسة تفسير عرفها الاسلام، ثم نندفع وراء البحث والتنقيب عن معطيات هذه المدرسة لتستضيء الامة طريقها بهدي القرآن المبرمج بآلية محمد وآل محمد (ص) من يقف وراء ذلك؟ هل هم صناع القرار الذين بيدهم المال يحرفون البوصلة حيث أرادوا؟ لقد لعب الأمويون دورهم ولم يكن دور العباسيين بالأكثر نزاهةً أو نزيهاً بعبارة ادق، ايها الاحبة! يا من تعيشون أهل البيت ولاءً، يا من تعيشون اهل البيت محبةً، انطلاقنا منهم ورجوعنا اليهم، لننطلق من جديد اذا كان كل واحد منا يهمه معتقده وولاءه فعليه ان ينطلق عبر هذا الاساس، صحيح هنالك من لا يقبل ولكن لا يعني ان ليس هنالك من يقبل، الذي يعنينا هو من يقبل ومن لا يقبل فله نصيبه وحضه ورؤاه تحترم وتقدر، الساحة لا تحتمل ايها الاحبة ان ندخل في صراع هنا او هناك، ما يلوح في الافق اكبر من حدود مجتمعات صغيرة، واكبر من حدود عمائم معدودة، واكبر من حدود مثقفين يتهجون طريقهم في زمن الغربة، لذلك علينا ان نستيقظ.

رشحات من معين الامام الحسن (ع) الصافي

هناك كلام مروي عن الامام الحسن (ع) يقول فيه: «إنّ الشّاة أعقل من أكثر النّاس، تنزجر بصياح الرّاعي عن هواها، والانسان لا ينزجر بأوامر الله وكتبه ورسله»، يعني القرآن نتلوه اطراف الليل والنهار يحبب وينفر، يحبب الى الخير وينفر من دائرة الشر، نقرأه كثيرا وحوارنا هو: كم ختمت من القرآن؟ ولا نسأل كم استوعبت منه؟ واذا صدقنا في الثانية نسأل بعدها ما الذي يتحرك في وجداننا مما فهمناه واستوعبناه واستنطقناه؟ وهنا بيت القصيد، لو تحرك القرآن معنا، ولو تحركت السنة المطهرة معنا، ولو تراسمنا معالم معطياتهم عليهم السلام لما وقعنا في شرك ما وقعنا فيه من التراجع والتشرذم والضياع. الامام الحسن (ع) قال له رجلٌ: إني من شيعتكم، فقال الحسن بن علي (ع): «يا عبد الله إن كنت لنا في أوامرنا وزواجرنا مطيعا فقد صدقت، وإن كنت بخلاف ذلك فلا تزد في ذنوبك بدعواك مرتبة شريفة لست من أهلها لا تقل لنا: أنا من شيعتكم، ولكن قل: أنا من مواليكم ومحبيكم ومعادي أعدائكم، وأنت في خير وإلى خير»[3]. فهل نحن نحب الآخر فيهم؟ واذا ما ابغضنا احدا، هل على اساس من هذا؟ ثم هل اهل البيت عليهم السلام إلا مبعث المحبة؟ اهل البيت عليهم السلام استوعبوا خصومهم قبل محبيهم، لانهم التجسيد الواقعي للرحمة المطلقة لرب العالمين جلت قدرته، اسال من الله سبحانه وتعالى ان يجمعنا واياكم على خير، وان يأخذ بأيدينا وايديكم الى ما فيه الصلاح، اشكر اللجنة القائمة على هذا الحفل الكريم واسأل من الله سبحانه وتعالى ان يوفقنا واياكم لكل خير وان يجعلنا واياكم ممن يتردد على ضريحه الطاهر لينال الشفاعة على يديه في اليوم الآخر انه ولي ذلك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

 

 

 

[1] . طه: 25ـ 28.
[2] . راجع: الثاقب في المناقب، لابن حمزة الطوسي، ص ٣١٦.
[3] . بحار الانوار للعلامة المجلسي، ج 65، ص 156.

التعليقات


يرجى الإطلاع على شروط التعلقات

عرض الأسم

عرض الأسم

عرض البريد

رمز التحقق