الشيخ حسين العباد :العام الهجري الجديد

الشيخ حسين العباد :العام الهجري الجديد


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين. واللعنة الدائمة على أعدائهم أعداء الدين.
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ~ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ~ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسَانِي ~ يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾. [طه: 25 ـ 28].
في هذه الجمعة المباركة نتحدث عن بعض الأمور ولو باختصار:


 

الأول: محاسبة النفس ومراقبتها:
ففي بداية العام الجديد هنالك عدة مناسبات، ولا بد للإنسان أن يلتفت إليها. فمن تلك المناسبات توديع عام كامل مضى علينا، ودخول عام جديد، فقد مضى علينا 354 يوماً تقريباً بالتقويم الهجري ، فيها ما فيها من الخير وغيره، فلا بد للإنسان أن يلتفت ويراجع حساباته في السنة الماضية التي مرت، ولا بد أن يقف مع نفسه ويعيد النظر في جميع ما صدر منه من فعل أو قول، فهل ظلم فيها أحداً؟ هل اعتدى على أحد؟ فإن حصل ذلك كان عليه أن يصلح الحال معه، وأن يدخل العام الجديد وهو متصالح مع من ظلم.
وإن كنت أيها المؤمن قد قدمت في هذه السنة عملاً صالحاً، فعليك أن تزيد منه وتُكثر. فإن كنت وصلت رحمك أو أديت العمرة أو وفقت لزيارة الإمام الحسين (ع) أو أتيت بغير ذلك من الأعمال الصالحة كالاستغفار والصلاة والصوم فعليك بالمزيد منها. ومن لا يراجع حساباته لا يمكن أن يتقدم والرواية الصحيحة التي أؤكدها دائماً، وهي عن الإمام الكاظم (ع): «ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل حسناً استزاد الله، وإن عمل سيئاً استغفر الله منه وتاب إليه». [الكافي، الكليني2: 458].
إننا نعلم أن الاقتصاديين في رأس كل سنة يجردون ما لديهم من حسابات، لأجل المتابعة والتقييم والتحقق والتصفية، وهذا في الأمور المادية، فكيف بالأمور المعنوية؟
إن الذنب قد يبدو أمام عينيك صغيراً، لكنه عند الله كبير، ويجتمع الذنب مع الذنب حتى تتسع الرقعة وتتراكم الذنوب دون حساب، حتى تمر السنون الكثيرة فيصبح في عداد المذنبين الظالمين.
فلهذا نؤكد على محاسبة النفس ومراقبتها، ونؤكد ما ورد في رواية الإمام الكاظم (ع) التي أوردناها سابقاً.  
الثاني: ذكرى شهادة الإمام الحسين (ع):
إن بداية السنة الهجرية في صدر الإسلام لم تكن من شهر محرم على أنه بداية الهجرة، لأن الهجرة لم تكن في محرم، إنما كانت في ربيع الأول، ولكنهم قبل الإسلام كانوا يؤرخون ابتداءً من محرم، فبقي المسلمون على هذا التقويم، وجرت العادة على ذلك.
وفي هذا الشهر نعيش ذكرى شهادة الإمام الحسين (ع). وثورة الإمام الحسين (ع) لا يمكن اختزالها في دقائق أو ساعات، أو حتى سنوات، ولا يكون ذلك إلا بعد خروج صاحب العصر والزمان فقط، وليس لنا دور في ذلك سوى التذكير، وكل ما يقدمه الخطباء أو الباحثون والمفكرون إنما هو من باب التذكير ليس إلا.
لقد رفع الإمام الحسين (ع) شعاراً مقدساً واضحاً جلياً، جعل المؤالف والمخالف يدرك ما يريد وما يسعى إليه من هدف. يقول (ع): «وأني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (ص)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي».[بحار الأنوار، المجلسي44: 329]. فلم يخرج من أجل كرسي ومنصب وسلطان ودنيا، إنما خرج لهدف كبير مقدس، وهو تحقيق الإصلاح في أمة جده.
ولعل سائلاً يسأل : هل كان هنالك فساد وانحراف في أمة جده كي يخرج لإصلاحه؟ الجواب: نعم، فلو لم يكن هنالك اعوجاج لما تم تنصيب يزيد، وكان تنصيبه أحد الأسباب التي دعت الإمام الحسين (ع) للخروج، صحيح أن هنالك معاهدة بين آل البيت (ع) والأمويين، وأن معاوية خرقها ولم يلتزم بها، وهو السبب الرئيس للخروج، لكن الحسين (ع) لم يخرج على معاوية، التزاماً منه بمعاهدة الصلح بينهما، لكن السبب الآخر المهم هو تنصيب يزيد ، فلم يستطع الإمام الحسين (ع) السكوت على هذا الانحراف والمخالفة الصريحة للمعاهدة التي تمت بين الامام الحسن (ع) ومعاوية خليفة الشام .
فالحسين (ع) خرج للإصلاح كما صرّح هو بذلك. ونحن نعرف أنه الشخصية الأولى في العالم الإسلامي، والبقية الباقية من أصحاب الكساء، وأحد أفراد آية التطهير، وآية المباهلة التي ذكرناها فيما مضى من الأيام، حيث خرج رسول الله (ص) للمباهلة وهو يحمل الحسين (ع) على كتفه، ومعه فاطمة وعلي والحسن (ع) أيضاً، وهؤلاء أحب الخلق إليه، حتى أن نصارى نجران وهم من دين آخر، لما رأوا هذه الوجوه توقفوا عن المباهلة، وأيقنوا أن رسول الله (ص) لو لم يكن محقاً لما خرج بهؤلاء.
والإمام الحسين (ع) كذلك، إذ لو لم يكن محقاً لما خرج مع زينب (ع) وبنات وأبناء الرسالة وهم أحب الخلق إليه، فهذا مؤشر ودليل على أن خروج الإمام الحسين (ع)مع أهل بيته  كخروج رسول الله (ص) للمباهلة من هذه الحيثية.
ولكن المؤسف أن يدرك النصارى هذه الحقيقة، ويتيقنوا أن خروج النبي (ص) بأحب الخلق إليه دليل على أحقيته، ويتراجعوا عن المباهلة لما رأوا تلك الوجوه المنيرة، ويُقدم من يدّعون الإسلام على قتل هؤلاء وتشريدهم وسبي نسائهم.
فالإمام الحسين (ع) لم يخرج أشراً ولا بطراً، وهو الذي صرح بذلك، ولم يكن ﴿كَالَّذِيْنَ خَرَجُوْا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرَاً وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾. [الأنفال: 47].
ومن خصائص هذه النهضة والثورة الحسينية أنها كانت خالصة لله، لا تشوبها شوائب، والشائبة تفسد العمل، لكن ثورة الإمام الحسين (ع) لا تجد فيها شائبة تشوبها. وها نحن نرى آثارها في كل سنة، فلو لم تكن خالصة لله من دون الناس لما كانت آثارها بالشكل الذي نراه. والحديث عن الإمام الحسين (ع) كما قلنا طويل ولا تحويه الساعات ولا حتى السنون.
وبهذه المناسبة أحببت أن أنبه إلى أمر مهم، فالملاحظ أن هنالك إقبالاً على مجالس الإمام الحسين (ع) لا سيما من الشباب، وهنالك الكثير يلبسون الثياب السوداء، وهوا امر مطلوب وهو تعبير عن الحزن، ومشاركة مشكورة في العزاء والحزن، وهو أمر يسر صاحب العصر والزمان، ولكن لا بد أن ينتبه الشباب إلى أن هذه المظاهر ينبغي أن تنعكس على السلوك والأخلاق والمظاهر الأخرى. فبعضهم يأتي إلى المجلس وتسريحة شعره غير مناسبة او لبسه ليسى له اصلا  بالحدث لا من قريب ولا من بعيد انعكاس .
فينبغي أن نلتفت إلى أن بداية العام تشرع مع موسم الحسين (ع)  و تعتبر مدرسة غنية بالعطاء، وهي مدرسة الإمام الحسين (ع) ومن المناسب أن تبتدئ بأخلاق أهل البيت (ع) وما كان عليه الحسين (ع) من خلق وسلوك. فشهر محرم، لا سيما العشرة الأولى، تعتبر مدرسة غنية متكاملة، فالفرد يحضر فيها العشرات من المجالس الحسينية من مجلس الى مجلس لعلا يحضر فيها ٥٠ مجلس على الأقل . لا بد أن ينعكس ذلك على سلوكنا.
وهذا الذي أشرة اليه من تسريحة شهر او لَبْس ليس التشبه بالكفار، فالتشبه حرام شرعاً بلا إشكال عند جميع الفقهاء، إنما أعني ما هو مباح لكنه غير متلائم مع المناسبة، لأنها مناسبة حزن وعزاء ولا يناسبها مظاهر الفرح أو التزيّن والتجمل.
والمسألة الأخرى التي لا بد من التنبيه لها، هي كتم صوت الجوال أثناء المجلس، فالبعض يرنّ هاتفه وهو في المجلس، فيقوم من مجلسه ويجيب على المكالمة، وأحياناً بصوت مرتفع. وهذا خلاف الآداب الحسينية وخلاف آداب المجلس.
فلا بد إذن أن نراعي آداب المجلس الحسيني، وأن تغشانا السكينة، ونستشعر المواساة والحزن، أسوةً بأئمتنا (ع) فكان الأئمة (ع)  لا يُرى  احدا منهم ضاحكاً إذا هلّ هلال محرم، وكان الحزن والبكاء هو الصفة البارزة  على وجوههم وسلوكهم. لبد ان نسير على هذا النهج صحيح نحن نلبس السواد ونحضر المجالس ولكن لا بد أن ينعكس ذلك على سلوكنا وأخلاقنا وحتى مضهرنا. أما إذا لم نلحظ هذا التأثير ولا الانعكاس على سلوكنا وأخلاقنا فهذا يعني أننا لم نستفد من هذه المدرسة. فالبعض يلبس السواد في هذه العشرة، إلا أنه يكون فيها أكثر مما هو عليه من سائر الأيام ضحكاً وهزلاً وبعداً عن الحزن.
والمسألة الأخرى التي لا بد من التنبيه إليها هي أننا نعيش في مجتمع خليط، ولباس  السواد مهم جداً، ولكن إذا ترتبت عليه إثارة للطرف الآخر فلا ينبغي، فقد رأينا مجموعة من الشباب يلبسون السواد ، وهم يمشون باتجاه بعض المناطق التي تكون مختلطة،  فنحن نلبس السواد، ونشجع على لبس السواد، لكن الهدف هو إظهار الحزن على الإمام الحسين (ع) وأهل بيته (ع) وأنصاره، أما إذا كان الغرض استفزاز وإثارة الآخرين، أو يترتب عليه ذلك، فهذا لا يتناسب مع خلق أهل البيت (ع) ولا مع تعاليم الدين الحنيف. فليكن لبس السواد في مجالسنا وقرانا الحبيبة وأحيائنا السكنية، ولا معنى للتنقل بها بين المناطق المختلطة ، فنحن نعيش في مجتمع مختلط وهذا قدر ولا بد أن نراعي خصوصياته أيضاً، كما نريد من الآخر أن يراعي خصوصياتنا. بل قد يلحق بك الضرر هذا العمل .
 وآخر عوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين

 

 



التعليقات


يرجى الإطلاع على شروط التعلقات

عرض الأسم

عرض الأسم

عرض البريد

رمز التحقق