بحضور عمدة العمران جماعي العمران في زيارة للوجيه حجي النجيدي       مقابلة مع الصحفي الكاتب الحاج حسين البن الشيخ       التطبيقات الذكية الالكترونية و البحث عن الثراء السريع       عودة منتدى الادب الشعبي بجمعية الثقافة والفنون بالأحساء بحزمة من الأنشطة والبرامج الأدبية       ابن المقرب يدشن أول الاصدارات لعام 1440هـ       الأحساء تيمت       اهالي المطيرفي يقدمون واجب العزاء لسادة السلمان وذوي فقيد العلم والتقى اية الله السلمان       رحيل علم التقى السيدالأجل آية الله السيد طاهر السلمان       تابين سماحة آية الله السيد طاهر السلمان قدس سره الشريف       اجعل من يراك يدعو لمن رباك       همسات الثقافي و مناسبة اليوم العالمي للتطوع"       بجبل القارة المسعد يفتتح المعرض الثالث لليوم العالمي للصحة النفسية       بالصور .. اختتام المعرض الثالث لفعالية اليوم العالمي للصحة النفسية بجبل القارة       افراح الصالحي والعبيدون تهانينا       عشرات الآلاف يشيّعون العلامة السيد السلمان بالاحساء      

الشيخ حسين العباد : آفات اللسان ـ الكذب

الشيخ حسين العباد : آفات اللسان ـ الكذب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين. واللعنة الدائمة على أعدائهم أعداء الدين.


﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ~ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ~ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسَانِي ~ يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾. (طه: 25 ـ 28).
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ القِيَامَةِ تَرَى الَّذِيْنَ كَذَبُوْا عَلَى اللهِ وُجُوْهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾. ( الزمر: 60).
الحديث في هذه الجمعة عن آفات اللسان، وتحدثنا قبل فترة عن بعض ما يتعلق بآفات اللسان، واليوم نتحدث عن أهم هذه الآفات كما ورد عن رسول الله (ص) والأئمة (ع).
يقول الإمام العسكري (ع) : «جُعلت الخبائث في بيت، وجعل مفتاحه الكذب». (بحار الأنوار، المجلسي69: 263).
12- الكذب : هو الإخبار بما لا يطابق الواقع، وهو صفة من صفات المنافقين والعياذ بالله. وقد دلت الآيات والروايات الشريفة على أن أبرز صفة من صفات الكفار هي الكذب.
والكذب تارةً يكون لجلب منفعة، وأخرى لدفع مفسدة، فمن يكذب إما أنه يدفع عن نفسه الضرر، ولعل في بعض الحالات يُسمح للإنسان بالكذب لدفع الضرر عن نفسه أو دينه أو ما أشبه ذلك. أو أن يكذب لجلب مصلحة ومنفعةٍ ما. فلعل الكاسب يقول : هذه السلعة من الأحساء، وفي واقع الأمر أنها من المدينة، والغرض من ذلك أن السلعة المعينة إذا كانت من الأحساء تكون مرغوبة أكثر، وغرض البائع هو الترغيب والبيع من أجل الربح. فهذه الكذبة لجلب منفعة، وهو كذب صريح ومحرم ومنهي عنه.
وهنالك عدة وجوه للكذب كانت تمارس في السابق، أي في الصدر الأول من الإسلام، ومنها أن يجعلوا لله شريكاً هي الأصنام، وهذه من مصاديق الكذب.
وهنالك من ادعى الألوهية والنبوة، وهذه من الوجوه التي كانت تمارس وتدخل تحت عنوان الكذب. وكذلك نسبة العمل القبيح لله تعالى. فالإنسان يصاب في نفسه وولده وماله وعشيرته، فينسب هذا العمل لله تعالى، وهذا كذب صريح ومنهيّ عنه ومحرم ويعاقب عليه الإنسان في الدنيا والآخرة.
ومن عناوين الكذب أيضاً البدع في التشريعات الإلهية، فهناك من ابتدع في الدين ودسّ، قال رسول الله (ص): ستكثر عليّ الكذابة. والكذب كان يمارَس قبل رسول الله (ص) إلا أنه (ص) أكد أن هذه الصفة سوف تستمر والعياذ بالله، وكان ينهى عنها ويحذر منها، وهي ليس فقط لجلب منفعة ودفع مفسدة وضرر، بل إن الكذابين سيتدخلون ويكذبون حتى في الشريعة الإسلامية. وهذا ما حصل بالفعل، فلو أنك راجعت الكتب الروائية لوجدت فيها الصحيح والسقيم، فلا يوجد ما هو صحيح من الكتب سوى القرآن الكريم، والله سبحانه وتعالى تكفل بحفظ هذا الكتاب المنزل من السماء، وهو كلام الله.
فهناك من ادعى وجود كتاب صحيح من الجلد إلى الجلد، ولكنك لو راجعت هذا الكتاب لوجدت فيه الكثير من غير الصحيح، وهو ما كُتبت فيه الدراسات وصُنفت فيه الكتب من نفس المدرسة والمنهج تحت عنوان: الصحيح من الكتاب الفلاني، بمعنى أن فيه ما هو ليس بصحيح.
والعبارة في الحديث الشريف تؤكد كثرة الكذب عليه، لا أنه يُكذب عليه فقط، إنما تكثر عليه الكذابة، وكان يحذر من ذلك كثيراً.
قال رسول الله (ص) : «فلعنة الله الكاذب وإن كان مازحاً». (مستدرك الوسائل، الطبرسي11: 372). فنحن نلاحظ في جلساتنا أن البعض يتحدث بحديث، وعندما تسأله : هل هذا صحيح؟ يقول: لا، إنما أردت المزح. وهذا من الكذب المذموم أيضاً، والحديث النبوي واضح في ذلك. ولعل السبب في ذلك أن من يكذب مازحاً سوف يعتاد لسانه على الكذب، فيكذب في كل حين، ولن يستطيع السيطرة على لسانه. فالكذب مازحاً يهيئ اللسان للكذب في الجد. فلهذا أفرد النبي (ص) هذا العنوان في جهة مستقلة، وحذر المؤمن من الكذب حتى في المزح. فالكذاب مذموم، مازحاً كان أم جاداً بلا فرق.
وقال الإمام علي (ع) : «الصدق أمانة والكذب خيانة». (بحار الأنوار، المجلسي66: 369). فالكذب خيانة لأنه في عنوانه الأوضح نقل غير الحقيقة والواقع. ويقول (ع) : «لا يجد عبدٌ طعم الإيمان حتى يترك الكذب هَزْلَه وجِدَّه». (الكافي، الكليني2: 340).
وقد بين أمير المؤمنين (ع) الآثار المترتبة على الكذب فقال: «ثمرة الكذب المهانة في الدنيا، والعذاب في الآخرة». (عيون الحكم والمواعظ، الليثي الواسطي: 209).  فالكذاب لا يحظى باحترام الناس وثقتهم، بل تجد أن الناس غير مستعدة للتعامل معه حتى لو صدق، لأن احتمال الكذب يبقى قائماً فيه. فإن دخل في مجلس لم يجد الاحترام ولا الثقة من الجالسين، وإن تحرك في المجتمع لاقى المصير نفسه.
وعن الإمام علي (ع) أيضاً قال : «كثرة الكذب تُفسد الدين وتعظِّم الوزر». (عيون الحكم والمواعظ، الليثي: 389). وإذا فسد الدين فلا قيمة للعمل بعد ذلك، وإذا عظم الوزر انعدمت فرصة النجاة في الآخرة.
ثم إن مجمل الروايات الواردة عن النبي (ص) وأهل بيته تؤكد أن الكذاب يبقى متهماً في حديثه ولا يؤخذ منه ولو كان صادقاً، فهل هنالك ما هو أكثر من هذه المهانة التي أشار إليها الإمام علي بن أبي طالب (ع)؟.
وقال الإمام علي (ع): «يكتسب الكاذب بكذبه ثلاثاً : سَخَطُ الله عليه، واستهانة الناس به، ومقت الملائكة له». (عيون الحكم والمواعظ، الليثي: 550). وما أعظمها من ثلاثة! تكفي واحدة منها سوءاً للإنسان. فاستهانة الناس بالكاذب تجعله منبوذاً في مجتمعه، وهي استهانة بحق. فتارةً تكون استهانة بالباطل، فيشعر فيها الإنسان أنه على حق، ولا يعنيه استهانة الناس به، وأخرى تكون بحق، فتجعله يعيش المهانة في داخله أيضاً.
ويقول الإمام الصادق (ع) : «إياك ومصاحبة الكذاب فإنه بمنزلة السراب، يقرب لك البعيد، ويباعد لك القريب». (الكافي، الكليني2: 376). فلا ينبغي الاستعانة بالكذاب مهما كانت لديك من ظروف، لا لشهادة ولا لمساندة أو دعم أو مناصرة أو مناصحة. فالكذاب من شأنه وصميم عمله أن يمنحك الكذب إن استعنت به، والكذب خلاف الواقع كما هو معروف، أي أنه بكذبه يوهمك أن هذا هو الواقع، فلا بد له أن يقرب البعيد ويبعد القريب من الاحتمالات والتصورات ليقدم لك صورة جديدة يجعلها هي الواقع.
ويقول الحق تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِيْنَ لَا يُؤْمِنُوْنَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَاذِبُوْنَ﴾. (النحل: 105). فعندما يمارس الإنسان الكذب فهذا دليل قوي على أنه لا يؤمن بآيات الله. فالإسلام والإيمان ليس عنواناً فحسب، إنما هو تطبيق عملي. فأنت تعيش في المجتمع، ولا بد أن تكون أعمالك هي التي تقيمك في المجتمع، فيقال: هذا مسلم. فالإسلام ليس فقط شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، مع أداء العبادات الظاهرية، فهذه مظاهر عبادية، والله تعالى يريد بناء الإنسان من الباطن، ومن أبرز دعائم بناء الباطن الصدق، فلا بد أن يكون المسلم مؤمناً بالمعنى الخاص للإيمان. والإيمان لا يتوافق مع الكذب، والكاذب لا يؤمن بالله تعالى بحسب النص القرآني. سواء كان جاداً في الكذب أم مازحاً هازلاً، كما تقدم في الرواية الشريفة.
ومن دوافع الكذب أيضاً الشعور بالنقص، فهو يجلس في المجالس يتحدث عن نفسه، وينسب إليها ما لا واقع له، لأنه يشعر في داخله بنقص فيحاول من خلال الكذب أن يعطي صورة كاملة عن نفسه، وهي صورة خلاف الواقع. وهذا العمل ليس مبرراً في الشريعة بالتأكيد.
وقد يكون المحيط الاجتماعي هو السبب الذي يدفع الإنسان باتجاه الكذب، فالمجتمع الذي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، ولا يردع الكاذب عن كذبه، يكون عاملاً مشجعاً للكاذب أن يأخذ مداه ومساحته في الكذب في أجواء آمنة، فتنتشر هذه الظاهرة السيئة. والظواهر السيئة كالمرض الخبيث في جسم الإنسان، فهذا المرض إذا لم يقاوَم ويكافح ويعالج، فمن الطبيعي أن يتفشّى في الجسم، وكذلك الكذب. فإن الكاذب إن لم يجد من يردعه عن الكذب في مجلس أو طريق، ولا من يأمره بالمعروف ولا ينهاه عن المنكر فستكون الظاهرة متفشية في المجتمع، وإذا ما تفشت حل غضب الله وعذابه كما هو في الروايات الشريفة. فإن تَرْكَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى عدم استجابة الدعاء، وحلول البلاء.
فالردع عن الكذب داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هو من أوضح مصاديقه. وهذا الردع فيه جانبان: إما أن يكون إنقاذاً للكاذب مما هو فيه، أو أن يكون إنقاذاً للمجتمع. فمن يدعو ولا يستجاب له، عليه أن يلاحظ هل هنالك تفشٍّ للفساد ولا يوجد من ينهى عنه أو لا؟ فليس بالضرورة أن تكون عدم استجابة الدعاء لخلل في الداعي نفسه، إنما في المجتمع، أي وجود الفساد في المجتمع وغياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن مصاديق الكذب ادّعاء النبوة، وقد حصل هذا عبر التاريخ كثيراً. فمن الطرائف التي حصلت في العصر العباسي أن أحدهم ادعى النبوة، فأُلقي عليه القبض، وجيء به للحاكم العباسي، فسأله: هل أنت نبي مرسل؟ قال: نعم. قال له: لمن بُعثت؟ قال: وهل تركتموني أصل إلى من بُعثت إليه؟ ما إن بعثت إلا ألقيتم عليّ القبض.
وفي خراسان أرسل الوالي أحد القواد إلى العراق وطلب منه أن يجلب له كتاباً مهماً اشتهر في وقته، فذهب ثم عاد حاملاً كتاباً، فلما وصل للوالي وسلمه الكتاب، كان يثني على الكتاب كثيراً، بأنه كتاب مفيد وطريف وفيه الكثير من الفوائد، وكان يقرأه في الطريق ويستأنس به، حال أنه لم يفتحه ولم يدر ما فيه.
فأعجب الوالي كثيراً بقوله ودخله السرور، وازداد شوقاً لمعرفة ما في الكتاب، ففتحه وإذا به كتاب آخر غير الذي بعثه لإحضاره. فكانت النهاية أن ألقي القبض على ذلك القائد وأهين وأبعد من منصبه نتيجة كذبه.
وهذا ما يحصل للكاذب في الدنيا، أما في الآخرة فينتظره العذاب الأليم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 



التعليقات


يرجى الإطلاع على شروط التعلقات

عرض الأسم

عرض الأسم

عرض البريد

رمز التحقق