محمد الحرز: الألقاب.. فوضى تمس الثقافة       التعصب الفكري و المنهج الموضوعي       الشيخ اليوسف: الحاجة ماسّة للتعريف بتراث الإمام الحسن وفكره       العلامة السيد ابو عدنان :دروس من كربلاء       الاعلامة السيد ابو عدنان :موروث الإمام السجاد عليه السلام الثقافي       المنهج الفقهي والخصوصية الإسلامية       نقص العاطفة او حب شهوات       بالصور .. أسري العمران يقيم ورشته الدورية للمصلحين       مستقبل الطلاب بين الدراسة الجامعية والعمل الحر       ديوانية المثقفات بأدبي الأحساء .. أمن الوطن خط أحمر       بالصور .. الجمعية العمومية لمجلس الأباء والمعلمين بمدرسة وادي طوى الابتدائية       نادي نوتنقهام ببريطانياً يقيم حفل ختامي للطلبه السعوديين في دورته ال37       خطيبٌ بحجم الخلود       مدارس الشروق المتقدمة الأهلية تحصد ثلاث جوائز رئيسة .. في حفل نتائج المسابقة الثقافية       الشيخ اليوسف: احترام خصوصيات الآخرين دليل على الرقي والوعي      

أيام في امريكا : انطباعات ومشاهدات

أيام في امريكا : انطباعات ومشاهدات

ضعف التأثير الغربي في الطالب العربي المغترب

تمهيد : 

قضيت في امريكا اياما ليست بالطويلة ، ولكنها كافية  لتكوين انطباعات سريعة ، وغالبا ماتتسم مثل هذه الإنطباعات بالصدق فهي قرينة الدهشة والصدمة الحضارية ، وقد حرصت على تدوينها خشية تلاشيها بفعل الإعتياد . ومن اجل تعميم الفائدة يسرني ان اوردها في مقالين او اكثر ، وفي هذا المقال الاول اتناول قضية طالما كانت محل التناول،

وهي ضعف تأثر الشباب العربي بالمنجز الحضاري الغربي والفكر التنويري  ؛ الذي يعد الرافعة لهذا المنجز ، اقول هذا بسبب ما وجدته لدى الطلاب هناك من ضحالة فكرية إلى حد الإيمان بالخرافة .


   كثير من الكتاب يبدي استغرابه من ان الشباب الذي عاش في بلدان  الغرب عاد منها وكأنه لم يعش فيها ويخالط حضارتها ، وكأنه لم يتعلم في معاهدها ، لم تؤثر فيه مناهجها ، عاد متشبثا حتى بأسوأ ما في ثقافته ، مخاصما الحداثة ، ومعاديا للإنفتاح ، لا تكاد تجد لديه عقلا ناقدا ، ولا تلهفا للمعرفة ، ينكر على من يبدي وجهة نظر فاحصة لما يؤمن به من موروث،

لا يخفي انرعاجه ورفضه القاطع أزاء اي فكرة ناقدة لما يراه مقدسا مما ورثه عن ابائه ونشأ عليه .

     وكما يقال : لو عرف السبب لبطل العجب ، فالواقع انه لا يكفي المرء ان يعيش في بلاد الغرب ليصبح متنورا ، ولو قضى السنوات الطوال هناك ، فلن تعدو علاقته بهذه الحضارة المذهلة سوى علاقة سطحية عابرة وغير مؤثرة ، ولن يأخذ منها سوى القشور ، حضارة الغرب نتاج تراكمي طويل من الفكر والعمل الدؤوب ، وحتى يفهم هذه الحضارة وكيف تشكلت يحتاج الشاب العربي إلى ان يدرس بعمق تاريخ هذه الحضارة وعوامل صعودها ، وهذا مالا يقوم به الشاب العربي والمسلم هناك ، وربما يكون الشاب العربي معذورا ، فهو مشغول بعمله او بدراسته ، ثم ان  نوعية دراسته لا تتيح له المعرفة الحقة بهذه الحضارة وبالتالي التأثر بأنوارها ، فأكثر الدارسين العرب ابتعث للدراسة في تخصصات العلوم البحته او التطبيقية ، وهذه تخصصات لا تعين على صنع فكر متنور ، لهذا يصبح الشاب بعد انتهاء دراسته اكاديميا متخصصا في العلوم الطبيعية ، ومنقطع الصلة بالعلوم الإنسانية ، ونحن نعرف ان اهمية هذه العلوم تكمن في قدرتها على تمكين دارسها من صوغ فكره وعقله صياغة حرة ومستقلة ، تماما كما شكلت عقليات الناس في اوروبا في عصور النهضة والثورة العلمية والصناعية والتنوير والحداثة والآن ما بعد الحداثة ، وهي التي كانت وراء الثورات الإجتماعية والسياسية التي اطاحت بالبنى الثقافية القديمة ، فالثورة الفرنسية لم تكن لتحدث لولا جهود واعمال الفلاسفة وعلماء الإجتماع، ولم يتسن ان تتم القطيعة بين الكنيسة وهيمنتها من جهة والشعوب الأوروبية من جهة اخرى لولا ظهور العقل النقدي هناك .

    وللتدليل على اهمية العلوم الإنسانية المتطورة والمتجددة كما تقدم وتدرس في الجامعات الغربية ، نذكر بأن جميع من اطلع على ثقافة الغرب ودرس علومه الإنسانية في جامعاته من العرب ، اصبحوا من النابهين المتنورين ، فعادوا وهم مهمومين بقضايا ومستقبل امتهم ومشغولين بمراجعة ثقافتها وموروثها مبشرين ومنذرين قومهم ، هكذا نجد ذلك لدى رفاعة رافع الطهطاوي المصري والدكتور علي شريعتي الإيراني ؛ خريج السربون ، ومحمد اركون الجزائري وغيرهم كثير .

    إذن من الصعب ان نطلب من شاب درس الهندسة او الطب في المعاهد الغربية ان يكون متنورا وهو لم ينل حظا من العلوم الإنسانية ، فالمهندس او الطبيب مؤهل اكاديميا في تخصصه ولكنه غير مؤهل ثفافيا ، وهو يبقى عاميا في العلوم الإنسانية والفلسفية شأنه في ذلك شأن العوام ، وربما رجع إلى بلاده وهو اكثر رجعية من الإنسان العامي الجاهل .

    طبعا لا نطالب بان يتجه جميع الدارسين العرب في الغرب  إلى دراسة العلوم الإنسانية ، ولكننا نؤمن بحاجة البلدان المتخلفة إلى دراسة العلوم الإنسانية في حامعات الغرب لحاجة هذه البلدان إلى التنوير والذي يسبق عملية التنمية المنشودة فلا يمكن توطين الحضارة إلا بالتنوير

     في الشرق يسود الإستبداد الفكري بسبب التكوين العلمي المزيف للشباب ، وانتشار الأمية الثقافية في اوساطهم ، ولا شك ان ذلك احد عوامل المآسي التي نعيشها .

    إنه مؤلم ان يعود الشاب العربي من بلاد الغرب وهو لم يستفد من انوارها التي صنعت هذه الحضارة الفريدة والمهيمنة



التعليقات


يرجى الإطلاع على شروط التعلقات

عرض الأسم

عرض الأسم

عرض البريد

رمز التحقق