الشيخ حسين العباد : الامام الحسين (ع) رائد الإصلاح

الشيخ حسين العباد : الامام الحسين (ع) رائد الإصلاح

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين. واللعنة الدائمة على أعدائهم أعداء الدين.
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ~ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ~ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسَانِي ~ يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾. [طه: 25 ـ 28 ].
عظم الله أجورنا وأجوركم بمصابنا بشهادة الإمام الحسين (ع) والمعزى في مثل هذه الأيام هو صاحب العصر والزمان (عج).
الحديث في هذه الجمعة سيكون في جهتين :


 

الجهة الأولى : الجانب المأساوي في نهضة الحسين (ع) : ففي اليوم  الثاني عشر من شهر محرم الحرام، عام 61 للهجرة، وصل موكب السبايا إلى الكوفة . فقد انتهت المعركة المأساوية في اليوم العاشر، وباتوا ليلة الحادي عشر في كربلاء، وما إن أصبحوا الصباح حتى أركبوهم على النياق، ونقلوهم إلى الكوفة، وكانت مأساةً لا يمكن وصف أحداثها. وقد استغرق هذا الطريق باتجاه الكوفة ما يقرب من يوم كامل، كانت فيه مصائب جليلة مأساوية، والأعظم من ذلك كله ما جرى في مجلس عبيد الله بن زياد. وقد تطرق الخطباء جزاهم الله خيراً لذلك بالتفصيل في الأيام الماضيه، وفيما ذكروا من ذلك كفاية.
الجهة الثانية : العبرة من هذه الأحداث، فالحسين (ع) عِبرة وعَبرة، ولم يقصّر الخطباء جزاهم الله خيراً في هذين الجانبين، ولكننا مع الأسف نلاحظ أن البعض يركز على جانب العَبرة فقط في العشرة من المحرم . إلا أن نهج الأئمة (ع) كان في تركيزهم على هذين المحورين: العِبرة والعَبرة، فلم يتنازلوا عن جانب منها لصالح الآخر. والمتتبع لحياة الأئمة (ع) يلاحظ أن هنالك تركيزاً عملياً على الجانبين، فلا بد للأتباع والمحبين أن يلتزموا هذا النهج ، العِبرة والعَبرة.
إن حركة الإمام الحسين (ع) كانت امتداداً لحركة أبيه الإمام أمير المؤمنين (ع) وموقفه من معاوية، ولموقف رسول الله (ص) من مشركي قريش وعلى رأسهم أبو سفيان، وهذا الامتداد كان منذ بدء الدعوة الإسلامية، ومن رسم هذا الخط وسار عليه هو رسول الله (ص) ثم علي بن أبي طالب (ع)، ثم الإمام الحسن (ع)، وبالمقابل سار عليه أبو سفيان ومعاوية ويزيد. وهذا الخطان لا يلتقيان.
فحركة الإمام الحسين (ع) لم تكن بسبب تولي يزيد لشخصه، ولم يكن أصل التحرك لكي يتولى الحسين (ع) العنوان الظاهري للخلافة، ولا ليتأمر على المسملين، فهو إمام منصب من الله تعالى، سواء تولى أم لم يتولَّ. وهو عين منصب رسول الله (ص) والإمام أمير المؤمنين (ع) والإمام الحسن (ع) من جهة كونه منصباً إلهياً.
فالإمام الحسين (ع) ليس بحاجة للمنصب الدنيوي المتمثل بالحكم، ولكن من تولى هذا المنصب في عهده لم يكن تولاه وفق الطرق المتفق عليها أولاً بين الامام الحسن. ومعاويه، كما أنه من جهة أخرى كان يمثل خطراً كبيراً، فهو رجل فاسق متجاهر ، ولا يمكن أن يقود المسلمين، لأن الإسلام سوف يُمحق. يقول (ع) : «على الإسلام السلام إذ قد بليت الأمة براعٍ مثل يزيد». [بحار الأنوار، المجلسي44: 326].
لذا كان تحرك الإمام الحسين (ع) في محله، وكانت قراءته للواقع صحيحة. وكان يقول : «ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقاً، فإني لا أرى الموت إلا سعادة، ولا الحياة مع الظالمين إلا برماً». [تحف العقول، ابن شعبة الحراني: 245]. ومن الجدير بالشباب وغيرهم أن يتمعّنوا في قراءة خطب الإمام الحسين (ع) وأن لا يكتفوا بالاستماع فقط، فهنالك دراسات حول خطب الإمام الحسين (ع) تبين لنا حالة المجتمع والوضع الذي بلغه العالم الإسلامي آنذاك. لذلك تحرك الإمام الحسين (ع) مع الخلّص من أهل بيته وأصحابه وجرى ما جرى. وبما أنه كان على الحق فليقع ما يقع كما قال ولده علي الأكبر عندما قال : أولسنا على الحق؟ فأجابه الإمام الحسين (ع): إي والذي إليه مرجع العباد. فقال: إذن لا نبالي أن نموت محقين.
فالإنسان مهما عاش لا بد أن يموت، والأعمار الطبيعية هي بين الستين والسبعين كما ورد عن رسول الله ، وما زاد على ذلك إن كان في خير وعافية فبها، وإلا فهو بلاء وابتلاء. ولكن هنالك فرق بين من يموت بعزة وكرامة ومستوى من الدرجات العلا، وبين من يموت ذليلاً في غير مرضاة الله تعالى.
فالذين استشهدوا مع الإمام الحسين (ع) حصلوا على مستوى عالٍ من الدرجات، بل هنالك روايات صحيحة مجمع عليها عندنا، أن شهادتهم أفضل شهادة منذ الصدر الأول للإسلام. فقد كان حبيب بن مظاهر يبكي لأنه لم يستشهد في صفين، وكان يقول لعلي (ع) : إنني لم أوفق للشهادة معك، فيجيبه علي (ع) : ادُّخرَت شهادتك إلى يوم، تكون فيه أفضل من هذه الشهادة بين يديّ.
والسبب في ذلك أن المرحلة كانت تتطلب هذه الحركة، ولو أن الحسين (ع) وأصحابه لم يتحركوا فعلى الإسلام السلام، أي أن الدين سوف يمحق بالكامل وتطمس معالمه، ولا يبقى منه سوى الاسم والشعارات. وهذا واضح من خلال خطابات الإمام الحسين (ع).
فالإمام الحسين (ع) رسم لنا نهجاً ولا بد من اتباعه والتمسك به، وهو نهج العبرة والعبرة. وقد وفقنا في الأيام التي مضت في جانب العَبرة، وكذلك العِبرة لا بد أن نؤكد عليها أيضاً ونستثمر هذه الأيام لترسيخها وتأكيدها.
مواعظ الإمام الحسين (ع):
عن علي بن الحسين (ع) أنه قال: «جاء رجل ـ يعني للحسين (ع) ـ وقال: أنا رجل عاص، ولا أصبر عن المعصية، فعظني بموعظة. قال (ع): افعل خمسة أشياء وأذنب ما شئت: فأول ذلك لا تأكل رزق الله، وأذنب ما شئت. والثاني اخرج‏ من‏ ولاية الله، وأذنب ما شئت. والثالث اطلب موضعاً لا يراك الله، وأذنب ما شئت، والرابع إذا جاء ملك الموت ليقبض روحك فادفعه عن نفسك، وأذنب ما شئت. والخامس إذا أدخلك مالك في النار فلا تدخل في النار، وأذنب ما شئت». [جامع الأخبار، الشعيري: 130].
فما أعظم هذه الموعظة الحسينية! فهل يستطيع أحد منا أن لا يأكل من رزق الله تعالى؟ وكل شيء في الأرض من الله سبحانه وتعالى. أو هل يستطيع أن يكون في موضع خارج ولاية الله تعالى؟ هذا مستحيل، فجميع ذرات الكون هي في دائرة ولاية الله جل وعلا. أو هل يستطيع أن يحل في مكان لا يراه الله فيه؟
يحكى أن أحد المعلمين أعطى لكل تلميذ طيراً، وقال لهم: ليذبح كل منكم طيره في مكان لا يراه فيه أحد، فجاؤوا في اليوم التالي وقد ذبحوها جميعاً، إلا أحدهم. فسأله: لماذا لم تفعل كما فعلوا؟ فقال: لم أجد مكاناً إلا ويراني الله تعالى فيه.
وأما الأمر الرابع فهل يستطيع الإنسان أن يدفع ملك الموت إذا جاء لقبض روحه؟ وهل هناك من له القدرة على ذلك؟ بل إن الفرد لا يستطيع التأخير لثوان معدودة. وأما الخامس فإن الإنسان لا يستطيع أن يمنع خازن النار من إلقائه فيها.
وبذلك يضع الإمام الحسين (ع) هذا الرجل أمام الأمر الواقع، ويبين له أن لا طريق له سوى طاعة الله، وعدم معصيته. فما أعظمه من درس حسيني!. وهذا هو النهج الذي رسمه الإمام الحسين (ع) لأتباعه ومحبيه.
إن طريق الإمام الحسين طريق الحق، وقد رسمه رسول الله (ص) وسار عليه علي بن أبي طالب (ع)، والإمام الحسن (ع)، وجسده الإمام الحسين (ع) في هذه الواقعة المأساوية التي لم تسبقها حادثة ولم تأت بعدها.
فسلام على الحسين (ع) وعلى أولاده وأصحابه، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا في الدنيا زيارته، وفي الآخرة شفاعته.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.        

 

 



التعليقات


يرجى الإطلاع على شروط التعلقات

عرض الأسم

عرض الأسم

عرض البريد

رمز التحقق