الشيخ حسين العباد : آفات اللسان ـ النميمة

الشيخ حسين العباد : آفات اللسان ـ النميمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين. واللعنة الدائمة على أعدائهم أعداء الدين.
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ~ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ~ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسَانِي ~ يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾. (طه: 25 ـ 28).
قال تعالى في سورة القلم: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيْمٍ﴾. (القلم: 12).


 

تعريف النميمة وحدودها:
لا زال الحديث في آفات اللسان،  . 
فالنميمة :  هي نقل الكلام السيّئ من جهة إلى أخرى، أو من شخص لآخر، وإن كان الناقل صادقاً في النقل، بما يسبب الشحناء في النفوس. فالبعض يسمع الكلام السيّئ يقال في فلان، فينقله إليه، وهذا هو النّمام. ولا شك أن النتيجة المترتبة على النميمة ستكون الخصومة والعداوة والتقاطع بين الأحبة والأهل وسائر الناس.
ولعل البعض يقول : لو كان المنقول حقاً وصدقاً، فهل هذه نميمة؟ أقول : نعم، هذه هي النميمة بعينها، فالنميمة ليست التقول والافتراء، وإلا لتحولت إلى الكذب وهذا أشد وأقبح.
وقد تقدم الحديث في الأسبوع الماضي عن الكذب والعياذ بالله وما يتعلق به، واليوم نتحدث عن النميمة بما هي نميمة، كما استفتحنا الكلام بالآية الكريمة.
وقد عرفوا النميمة تعريفاً علمياً بقولهم : النميمة هي نقل قول الغير إلى المقول فيه، وكشف ما يكرهه. سواء رضي المنقول عنه أم لم يرضَ، وكره المنقول إليه ذلك أم لم يكرهه. فما دام في النقل مضرة لا مَسرّة فهي نميمة محرمة شرعاً ومبغوضة عند الله تعالى.
وسواء كان ذلك النقل بالقول أم بالرمز أم الكتابة أم الإشارة، فهو نميمة.
التحذير من النميمة :
قال رسول الله (ص) : «لا يدخل الجنة نمام». (بحار الأنوار، المجلسي72: 268). وهو تحذير شديد من هذه الخصلة الدنيئة، فلعل المرء يستصغر بعض الذنوب، لكنها تتسبب في دخوله النار وحرمانه من الجنة، لأن الذي نهى عنها هو جبار السماوات والأرض. فلا بد أن ننظر إلى عظمة من نهى عن الذنب، لا إلى الذنب. فالأمر الصادر من الباري جل وعلا يقاس بعظمة الباري لا بحجم الأمر، فقد نتصور أنه أمر هيّن وبسيط، لكن من صدر عنه الأمر أو النهي عظيم، فلا بد أن ننظر إلى عظمته لا إلى ذات الأمر أو النهي.
فالله تعالى هو الذي خلق الجنة والنار، وهو الذي طلب منا أن نبتعد عن هذه الآفات، فإن لم نستجب للأوامر، ولم نبتعد عن النواهي فالنتيجة واضحة، وهي أننا عصينا الله تعالى. ولا يكفي أن يكون المسلم متمسكاً في الجملة بالنهج المحق، ما لم يطبق ما طُلب منه، بالتزام الأوامر والابتعاد عن النواهي.
قال رسول الله (ص) : «ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: المشاؤون بالنميمة، المفرّقون بين الأحبة، الباغون للبُراء والمعايب». (الكافي، الكليني2: 369). فمن أبرز نتائج وثمرات النميمة أن يحصل التفرق بين الأحبة، وتتعمق الخصومة. فلا بد من محاربة هذا المرض، لأنه عندما يتفشى في المجتمع لا يمكن السيطرة عليه، شأنه شأن أي مرض خبيث والعياذ بالله إذا انتشر في جسم الإنسان. أما إذا اكتشف في مراحله الأولى قبل الانتشار، أمكن السيطرة عليه.
وقال رسول الله (ص): «احذرِ الغيبة والنميمة، فإن الغيبة تُفطِّر، والنميمة توجب عذاب القبر». (وسائل الشيعة، الحر العاملي10: 35). ففي الروايات الشريفة الواردة عن أهل البيت (ع) أن ثلث عذاب القبر من النميمة.
وربما يشتبه البعض في تشخيص النميمة من غيرها، فيقول : لا أدري إن كان هذا النقل نميمة أم لا؟ في مثل هذه الحالة لا بد من الاحتياط لدينك، وعليك ترك الكلام في كل ما ليس فيه مصلحة، أو ما كان فيه منقصة، عن زيد أو غيره، أو ما كان فيه أي ضرر محتمل.
وعن الإمام علي أنه قال: «إياك والنميمة، فإنها تزرع الضغينة وتُبعِّدُ عن الله والناس». (عيون المواعظ والحكم، الليثي: 96). وهذه أيضاً واحدة من نتائج النميمة وآثارها، فهي تبعد الإنسان عن محيطة الاجتماعي، كما تبعده عن الله جل وعلا. فالناس تتحاشى النمام وتحذر منه، فمن نَمَّ لك نَمَّ عليك، كما أنها تبعد عن الله تعالى، وهذه عاقبة سيئة جداً لأن غاية طموح الإنسان أن يتقرب إلى الله تعالى، لا أن يبتعد عنه.
وعن رسول الله (ص) أنه رأى في ليلة إسرائه امرأة «رأسُها رأس الخنازير، وبدنها بدن الحمار. فسأل عنها فقيل له : كانت نمامة كذابة». (راجع: وسائل الشيعة، الحر العاملي20: 213). فإذا اجتمع الكذب والنميمة كانت النتيجة طامّة كبرى.
وعن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «وإن من أكبر السحر النميمة، يفرَّق بها بين المتحابَّين، ويُجلب العداوة على المتصافِيَيْن، ويُسفك بها الدماء، ويُهدَم بها الدور، ويُكشف بها الستور. والنمام أشرّ من وطئ الأرض بقدم». (الاحتجاج، الطبرسي2: 340).
أما علاج مرض النميمة فهو أن يَردعَ المتلقي الناقلَ، فإذا نقل النمام كلاماً لك، وشعرت أنه يدخل في باب النميمة فيجب أن تردعه عن النقل، وهذه أبرز الوسائل التي يمكن من خلالها معالجة النميمة.
وأختم الحديث بواقعة ينقلها أحد العلماء، وكان عالماً وأستاذاً كبيراً، له مجموعة من التلاميذ، فمرض أحد التلامذة البارزين في الدرس، فقام هو ومجموعة من تلامذته الآخرين بعيادته، وإذا به يجده في حال احتضار، والمنية لا تفرق بين صغير وكبير ومولود، فلما رآه كذلك راح يقرأ له سورة ياسين، وإذا بالتلميذ يمتنع بشدة من استماع هذه السورة. ثم قال الأستاذ له : تَشهّد، وتلفظ بالشهادتين، فصرخ بوجه أستاذه قائلاً: لا أحب أن أسمع هذه الكلمة. ثم مات دون أن ينطق الشهادتين. فتأذى الأستاذ كثيراً وتألم مما رأى، وبعد فترة من الزمن رآه في المنام يجرّ إلى جهنم والعياذ بالله، فسأله عن ذلك، وعن عدم رضاه بالاستماع لسورة ياسين وعدم نطقه الشهادتين فقال : كنت ملازماً لأمرين، أحدهما شرب الخمر، والآخر أنني كنت نماماً بين الطلاب.
خلاصة الأمر في هذه الآفة أن الإنسان عندما يداوم على آفة فإنه لا يستطيع أن يتخلص منها عند النزع، حتى بالشهادتين، فمن كان ملازماً لآفة من هذه الآفات طيلة حياته، فسوف لن يستطيع التخلص منها ولو بالشهادتين، وهما أيسر ما يكون على الإنسان، وأسهل ما على اللسان. وتقبض روحه دون أن يسيطر حتى على لسان.
فلا بد لكل منا أن يراجع نفسه قبل الممات، وأن يتدارك حاله قيل الممات، وكما يقول الإمام الصادق: «ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل حسناً استزاد الله، وإن عمل سيئاً استغفر الله منه وتاب إليه». (الكافي، الكليني2: 453). والمقصود أن من كان مداوماً على قبيح عليه أن يتدارك الأمر قبل أن يأتي ذلك اليوم الذي لا يستطيع فيه إصلاح الحال . فالنميمة من أكبر المعاصي كما ورد في الروايات الشريفة عن النبي (ص) وأهل البيت (ع). فيجب الاجتناب عنها . 
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.

 

 



التعليقات


يرجى الإطلاع على شروط التعلقات

عرض الأسم

عرض الأسم

عرض البريد

رمز التحقق