من المخطوطات والوثائق الأحسائية(3 )

من المخطوطات والوثائق الأحسائية(3 )

شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب

تمهيد:

ساهمت الأسر العلمية في الأحساء، بدور كبير في بقاء الحرك العلمي وديمومته، لقرون عديدة، وذلك من خلال التالي:

- حرصها على بقاء السلسلة العلمية داخل الأسرة وعدم انقطاعها، عبر تشجيعهم وحثهم على الدراسة الدينية.

- وجود مدارس ضمن نشاط تلك البيوت العلمية لأبنائها، فكان يلتحق بها طلاب العلم من المحيطين، وغيرهم.


- عملت تلك الأسر على تكوين خزانة علمية خاصة يستقي منها أجيال الأسرة لدراستهم الدينية، وبناء شخصيتهم العلمية، الأمر الذي يسهم بدرجة كبيرة في بناء مخزونهم العلمي والفكري، وذلك عبر شراء الكتب تارة، ونسخها حيناً آخر.

- خلق المناخ العلمي الذي هو من أهم روافد التشجيع والدعم لدخول سلك الدراسة الدينية، الأمر الذي تفتقر إليه الأسر غير العلمية.

وأسرة ( آل عيثان )هي واحدة من تلك البيوتات العلمية البارزة التي ساهمت بدرجة ملحوظة في الحراك العلمي الأحسائي عبر أعلامها على مدى أكثر من ثلاثة قرون متصلة.

وفي هذه المخطوطة ورد أسم ثلاثة من بيت واحد هم الشيخ علي (الأب) آل عيثان ، والشيخ محمد( الناسخ)بن الشيخ علي، الشيخ أحمد(الأخ) بن علي، وقد تفرع عن الابنين عدد من الأعلام.

عنوان الكتاب: شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب.

المؤلف: عبد الله بن يوسف ابن هشام( 708 - 761هـ ).

المصدر: مكتبة مجلس الشورى الإيراني.

الناسخ: الشيخ محمد بن الشيخ علي بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ محمد بن حسين بن عيسى آل عيثان القاري الأحسائي ( ت  1218هـ )، من أعلام الأحساء الكبار في القرن الثاني عشر، من قرية القارة الشهيرة بالعلماء والفقهاء وهو من( أسرة آل عيثان ) التي تعد من أعرق وأبرز العوائل العلمية في منطقة الأحساء والتي أنجبت الكثير من العلماء والفقهاء، هاجر إلى شيراز بإيران، هو وولده الشيخ حسين آل عيثان.

وقد كان الفراغ من نسخها وكتابتها في 28 شعبان لسنة 1182هـ، قال في آخرها: (وقع الفراغ من تسويد هذا الكتاب بعون الملك الوهاب على يد أقل الطلبة عملاً وأكثرهم زللاً، الغريق في بحر الذنوب والعصيان محمد بن علي بن عيثان الأحساوي القاري في قرية الشاخورة، أحد قرى البحرين المعمورة بالعلماء زادها الله إيماناً وتوفيقاً، بتاريخ يوم السابع من الأسبوع الرابع من الشهر الثامن من السنة الثانية من العشر التاسعة من المائة الثانية بعد الألف من الهجرة، وصلى الله على محمد وآله وسلم:

الخط يبقى زماناً بعد كاتبه     وكاتب الخط تحت الترب مدفونا )[1]

الوصف:

تقع المخطوطة في ( 205 )، كتبت بخط جيد وجميل، استخدم فيها الناسخ اللونين الأسود والأحمر، على النسخة حواشي بسيطة قد تكون من قبل الناسخ، وهي نسخة كاملة.

القيود:

في أول النسخة قيد تملك (بسم الله الرحمن الرحيم. قد دخل هذا الكتاب في ملك الله تعالى وفي ملك الشيخ أحمد بن عيثان متعه الله به طويلاً وغفر له إنه هو الغفور الرحيم).

وفي موضع آخر من نفس الصفحة:( دخل في ملك الله تعالى وملك الشيخ أحمد بن الشيخ علي آل عيثان وغفر الله له إنه هو الغفور الرحيم، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين).

كما يوجد قيد استعارة حذف اسم المستعير ذكر فيه:( قد استعرت هذا الكتاب وأنا...).

في آخر النسخة قيد:( قال الشيخ الأكرم الشيخ المعظم الشيخ عبد الله بن محمد بن غدير]البحراني الأحسائي([.

الفوائد المستخلصة:

رغم قلة القيود على المخطوطة إلا أنها تضمنت عدد من المعلومات المهمة، والتي يمكن تلخيصها من خلال النقاط التالية:

- استخدام الألغاز والتعقيد في كتابة التاريخ هو نوع من الفن والرياضة الذهنية التي يستخدمها النسَّاخ في كتابة التواريخ على كتبهم.

- إن الشيخ محمد بن علي آل عيثان، في سنة 1182هـ، لا زال في مرحلة التحصيل وطلب العلم، وأنه في هذه السنة، والتي يقدر عمره بعد عملية طرح بسيطة وهي: 1218(تاريخ وفاته)- 1182( تاريخ هجرته إلى البحرين)= 36 سنة( الفارق بين تاريخ وفاته وتاريخ هجرته إلى البحرين)، فإذا كان متوسط الأعمار للوفاة بين العقد الثامن والتاسع، نستطيع تقدير عمره حينها أنه كان في هذه الفترة بالعقد الرابع تقريباً.

وهذا السن عادة في الدراسة الدينية هي امتداد للدراسات العليا لطلاب العلم، بعد أن أنهى دراسة المقدمات والسطوح في بلاده، فيذهب طالب العلم إلى المراكز العلمية الزاخرة بالعلماء من أجل الاستزادة والتتلمذ على الأعلام، لذا قال في خاتمةِ نسخهِ للكتاب:( في قرية الشاخورة، أحد قرى البحرين المعمورة بالعلماء زادها الله إيماناً وتوفيقاً).

- تضمنت المخطوطة تملك للشيخ أحمد جاء فيه:(...وملك الشيخ أحمد بن الشيخ علي آل عيثان)، والذي يظهر أن الشيخ أحمد وهو من الأعلام المشهورين في بيت ( آل عيثان)، هو الأخ الأصغر للشيخ محمد، وقد كانت وفاته بعد سنة1220هـ [2].

وهذا يكشف عن حركة الكتاب داخل البيت العلمي الواحد بحيث ينتقل الكتاب للفائدة بين الأخوان، ومن ثم إلى الأبناء، وهذا مكمن الثمرة للخزانة العلمية في تلك الأسر، التي تحرص على توفير سبل المعرفة لأبنائها.

- من عوامل الحراك العلمي بين العلماء مسألة الاستعارة للكتب، فعلى الكتاب قيد استعارة، وهي نوع من الأمانة العلمية في تداول الكتب بين العلماء لأن الاستعارة قد تطول وقد يتوفى المستعير، وليدرك الأبناء أن هذا الكتاب ليس مالك للمتوفى وأنه استعارة يسجل هذه القيد، وكذلك لصعوبة الحصول على الكتب وعدم توفرها بشكل كبير، ونسخ الكتب وكتابتها ليس بالأمر السهل، أصبح الاستعارة أحد الخيارات المتاحة للبناء المعرفي بين العلماء.

- أن قرية (الشاخورة) بالبحرين كانت في القرن الثاني عشر من المراكز العلمية البارزة التي تشد إليها الرحال من داخل البحرين وخارجها، قال النويدري في أعلام الثقافة والفكر في البحرين:( عُرفت البحرين في العصور السابقة بمدارسها الدينية، المنتشرة في قرى البحرين ومدنها، كالماحوز، وأبي أصبع، والشاخورة...)[3].

ومن أعلامها في هذه الحقبة الشيخ محمد بن الشيخ أحمد بن الشيخ سليمان بن أبي ظبية الأصبعي الشاخوري[4]، والعلامة الشيخ حسين بن محمد بن أحمد آل عصفور الدرازي البحراني( ت 1216هـ )، والمحتمل أنه تتلمذ فيها على الشيخ حسين آل عصور الذي يعد أبرز علماء عصره وأستاذ عشرات العلماء، وكان ممن تشد إليه الرحال، وكان الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي( 1166 – 1241هـ) أيضاً، ممن جاء للتتلمذ عليه وأخذ الإجازة منه، وكان  الشيخ آل عصفور ممن اتخذ (الشاخورة) موطناً له.

- الشيخ عبد الله بن محمد بن أحمد بن غدير البحراني الأحسائي : له مسائل للشيخ محمد بن عبد الله البلادي البحراني ( توفي بعد 1170هـ )، تعرف بـ ( المسائل السليمانية ) أو ( المسائل الغديرية )[5] ، ولعله من تلاميذه أيضاً، قدم من البحرين إلى الأحساء في نهاية القرن الثاني عشر، أي بعد تاريخ اللقاء مع الشيخ العيثان في البحرين سنة1182هـ، وفيها تتلمذ على الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي( ت 1241هـ)، وله مسائل أجاب عنها الشيخ الأحسائي واسماها(الرسالة الغديرية)[6]، والذي كان يدير مدرسة بمدينة الهفوف، و استشهد سنة 1210هـ[7]، مع من قتل من العلماء، في أحداث تلك السنة.

 وهناك مجموعة من الأمور يمكن استفادتها من القيد:

1- إن هجرة الشيخ عبد الله بن غدير إلى الأحساء بعد سنة 1182هـ .

2- أنه من أصحاب الفضيلة العلمية العالية بقرينة قوله:( قال الشيخ الأكرم الشيخ المعظم الشيخ عبد الله بن محمد بن غدير)، فقد وصفه بالإكرام والتعظيم، وهي عادة تقال للعالم صاحب الفضيلة والمكانة العلمية العالية.

3- وجود علاقة بين الشيخين( العيثان) و( الغدير)، قد تكون صداقة، وقد تكون تتلمذ من العيثان على الشيخ الغدير، بقوينة قوله:( وقال الشيخ الأكرم الشيخ المعظم...)، حتى وإن كان لم يذكر القول المراد.

الصفحة الأولى من المخطوط

قيد النسخ في نهاية المخطوط


 

[1] صورة المخطوط وقد زودنا بها الأستاذ الباحث علي بن يوسف الحمد من الكويت.

[2] كما أفادنا باحتمالية وفاته الباحث الأستاذ أحمد بن عبد المحسن البدر.

[3] النويدري، د.سالم، أعلام الثقافة الإسلامية في البحرين، مركز آوال: بيروت، الطبعة الثانية:2015م:1/122.

[4] أعلام الثقافة الإسلامية في البحرين، مصدر سباق:1/271.

[5] درايتي، مصطفى، فهرس دنا، مكتبة موزة ومركز اسناد مركز شورى إسلامي: مشهد، الطبعة الأولى: 1389هـ . ش: 1 / 241 .

[6] فهرس دنا، مصدر سابق:7/771.

 [7]آل رمضان، جواد بن حسين، أعلام الأحساء في العلم والأدب من الماضين في سبعة قرون، ابتداء من عام 800هـ،  ( د.ن )، الطبعة الأولى: 1422هـ / 2001م: 1 /350 .


التعليقات


يرجى الإطلاع على شروط التعلقات

عرض الأسم

عرض الأسم

عرض البريد

رمز التحقق