السيرة الشعرية الغيرية عمرية النحوي أنموذجا (3(

السيرة الشعرية الغيرية عمرية النحوي أنموذجا (3(

مجلة فرقد الإبداعية - د. مصطفى الضبع*



تظل القيمة غاية كل نص، ومانحته خلوده، عمقه، جمالياته، والشعراء حين يقاربون القيمة فإنهم يمنحون نصوصهم البقاء عبر القيمة التي تمثل جوهر كل حوار إنساني يقيمه النص مع متلقيه عبر حوار النص مع كاتبه ومنتجه من قبل.

القيمة إدراك إنساني لما يجب أن يكون عليه الوضع المثالي الأنسب لوجوده، هي ترتبط بالتجربة الإنسانية فالقيمة تجربة ، والأدب اكتناز للتجربة فما الأدب إلا تعبير عن تجربة إنسانية وفي اللحظة التي نفكر فيها حول ماهية الكتابة وما يحققه الأدب نكون قد دخلنا إلى منطقة قيمة الأدب للإنسان، وقيمته الجمالية التي يستطيع من خلالها تلقيه والوعي برسالته.

وللشاعر طرائقه في بث القيمة الإنسانية والجمالية من أبرزها توظيف الإنسان لإنتاج القيمة عبر نموذجين أساسيين:

  • الشخصية الجاهزة المتحققة تاريخيا عبر استدعائها من مجالها الحيوي السابق تاريخيا وإعادة استنباتها بغية توظيفها.
  • الشخصية المنتجة خصيصا لصالح النص، دون أن يكون لها تحققها التاريخي السابق منبتة الصلة عن التاريخ، لكنها متصلة الصلة بالنموذج الإنساني الذي يقدمه النص أو يراهن على تقديمه.

إن مقطعا من مثل قول الشاعر :

في كفّكَ اليمنى الحسامُ مُشرّعٌ وبكفّكَ اليسرى الزّمانُ يهلّلُ وعلى جبينِكَ للحياةِ وأنتَ مِنْ آلِ الخلودِ قيامتانِ ومشعلُ !! مازلتَ تصرخُ لنْ نعيشَ بذلّةٍ فالموتُ منْ أجلِ التّحرّرِ أجملُ تخطو كأنَّ الرّملَ عرشٌ للفدى ما دمتَ تزرعُهُ بنبلِكَ يحملُ !!”

من شأنه أن يضع متلقيه عند قراءة الذات بوصفها قيمة إنسانية تتبلور فيها جميع الصفات التي تحقق النموذج أو تصنعه شاهدا على الرقي الإنساني ، عبر العلاقة بين الذات والوطن ، او وعي الإنسان بما يجب أن يكون عليه حب الوطن ، وهي واحدة من القيم التي تطرحها الشخصية بوصفها محركا للمقاومة ، وسبيلا إلى عبور القيمة إلى الآخرين عبر تمثيل الذات لها .

في العمرية يبث الشاعر مجموعة من القيم عبر الشخصية المعاد إنتاجها، شخصية عمر المختار تلك المتحققة تاريخيا، عمر المختار بوصفه نموذجا إنسانيا له طابعه الخاص، نموذج تشكلت صورته عبر التاريخ الإنساني أولا والعربي ثانيا بما يجعل منه أيقونة تاريخية يستحضرها الفكر الإنساني كلما احتاجت الإنسانية أن تقدم صورة تصلح لأن تكون أرضا لزراعة القدوة أو تقديم القدوة للأجيال .  

“لا الحبلُ يوهنُ مقلتيكَ ولا الردى فالحبلُ في عنقُ الضراغمِ يُفتلُ ترقى إلى عرشِ السماءِ مباركاً كالأنبياءِ وكالملائك تنزلُ موتٌ بحجمِكَ والخلودُ يلفّهُ مازال يُدهشُ للجموع ويُذهلُ لوّحتَ للأجيالِ توقدُ فيهمُ هممَ الجبالِ وأنت شيخٌ أعزلُ”

يوهن – يفتل – ترقى – تنزل – يلفه – يدهش – يذهل – يلفه – يدهش – يذهل – توقد –

عبر مجموعة الأفعال التي يعتمدها النص تشكيلا لمعجمه الشعري، يمكن تقسيم الأفعال حسب الفاعل إلى نوعين:

  • الأول: الشاعر، حيث تكون الأفعال قادرة على تشكيل صورة النموذج الإنساني وتأكيد فعله، لذا فإن أفعالا من مثل: تظل – مازلت تصرخ لن نعيش – تخطو – مادمت تزرعه -…….ترقى –لوحت – توقد – تصنع – تكمل – وغيرها حتى نهاية القصيدة المتضمنة سلسلة الأفعال المنسوبة لعمر المختار، جميعها تمثل نظاما لتكوين صورة عن ذات فاعلة تعبر أفعالها عن طبيعتها، كما تعد فاتحة لصورة الذات / القيمة، حين تبث في وعي متلقيها تلك الصورة الإنسانية في دلالتها على الذات في بهائها الإنساني.

الأفعال المنسوبة للشاعر تقدم عددا من القراءات التأويلية للنص، نكتفي بالإشارة إلى ثلاثة  منها:

  • القراءة الأولى قراءة الأفعال من حيث هي صفات، فكل فعل هو إيحاء بصفة من صفات الرجل تمنحها قدرا من الحضور الإنساني وتحيل إلى الذات في قولها وفعلها، فكل فعل مجانس لصفته: ترقى يجانس الرُقي، تكمل يجانس الكمال وهكذا إلى نهاية الأفعال / الصفات في تعددها وتنوعها.
  • القراءة الثانية، قراءة سردية تجعل من الأفعال منظومة سردية تقدم حكاية صاحبها، حين نعيد تشكيلها على وعي من تجربة الذات، متحركين بين الأفعال في إشاراتها للماضي والحاضر ، وكل منها يحمل إشارة إلى واحد من عناصر السرد الأساسية : الحدث ، فإذا ما تتبع القارئ منظومة الأفعال وجد نفسه أمام حكاية عمر المختار عبر أفعال ليس بمقدور القارئ أن يحيلها إلى غير عمر أو يسندها إلى غيره من البشر .
  • القراءة الثالثة: قراءة الكشف عن الآخر المستعمر حيث تكون الأفعال، أفعال الذات بمثابة رد الفعل على المستعمر كاشفة عن صفاته، والشاعر حين يقول: ” وجئتَ منْ أقصى المدينةِ حافياً فترجّلوا للهِ درّكَ ساوموكَ فبعتَهمْ بصليلِ سيفٍ في الوغى لايَخذِلُ وركبتَ صهوةَ غيرةٍ عربيّةٍ بسوى المنونِ أوِ العلا لاتُشغَلُ !!” يقيم سردية صغرى تتشكل في مقطع واحد تحكي قصة الكفاح العُمري وتتسربل عبر مجموعة الأفعال الخاصة : جئت – بعتهم – ركبت ، وكيف أن هذه الأفعال في إشارتها للذات تشير إلى الآخر حين تكشف عن ردة فعله ، وحين يكون الفعل الذاتي عنصرا من عناصر السرد في دلالة الفعل المقاوم على صاحبه.  
  • الثاني: قوى أخرى من شأنها أن تكون مناهضة للنموذج في مقدمتها الاستعمار وما يقوم به من أفعال من شأنها أن تقوم بدور إعلامي عن طبيعة الاستعمار وفي الوقت نفسه تقوم بدورها في الكشف عن صلابة النموذج وقوته وقدرته على الفعل.

إن قراءة القيمة في شخصية عمر المختار واستكشاف مواصفات النموذج الإنساني يأخذنا إلى اكتشاف متوالية شعرية يطرحها الشاعر عبر مرحلتين تمثلان مستويين كاشفين عن الجوهر الإنساني:

  • الأولى: فكرة المقاومة، وكيف يمثل المختار نموذجا صلبا للإنسان في مقاومته الاستعمار، وهي الفكرة التي تفضي بنا إلى مجال أوسع للمقاومة تمثله الفكرة الثانية.
  • الثانية: قصيدة الاستعمار، وما بعده (ما بعد الاستعمار أو بالتعبير الغربي ما بعد الكولونيالية) والمصطلح وجد تحققه في الرواية غير أنه ليس وقفا عليها ولا حبيسا للسرد فقط ([1]) ، فالقصيدة في جانب منها تقدم طرحا يغيب عن كثير من الدراسات المعنية بالكولونيالية وما بعدها، مستثمرة الوقائع التاريخية الخاصة بالاستعمار الإيطالي ومقاومة عمر المختار له ، ومختزلة التجربة الاستعمارية في شخصية جديرة بالذكر وتغييب كل ما عداها (الاستعمار وأعوانه ) لصالح تقديم النموذج الإنساني ، مما يجعل من الاستعمار مجرد مُظهِر للنموذج مؤديا دوره في إبراز الحالة الإنسانية .

تفتح القصيدة عددا من مسارات التأويل عبر مستويات القراءة ، وعبر قدرة المتلقي على الوقوف على هذه المستويات سواء منها ما يخص الذات أو يخص العالم أو يخص التاريخ أو يخص العروبة أو يخص الوطن ، وتبقى جميعها شاهدا على قدرة الشاعر على إنتاج هذه المستويات عبر إعادة طرح شخصية تاريخية إنسانية جديرة بالوعي كما أنها جديرة بالقدوة في زمن يفتقد لهذه النوعية من الشخصيات.

هوامش وإحالات:

[1] – مصطلح ما بعد الكولونيالية(الاستعمار) ليس وقفاً على الرواية ولم ينحصر فيها بل يمتد إلى الشعر، متحقّقا في نتاج: البارودي، أحمد شوقي، حافظ إبراهيم، خليل مطران، شكيب أرسلان، شعراء المهجر، إبراهيم طوقان، محمود درويش، أمل دنقل، سميح القاسم، توفيق زياد، تميم البرغوثي، مروان مخول، وغيرهم، فالقائمة تطول على مساحة الشعر العربي الحديث.


التعليقات


يرجى الإطلاع على شروط التعلقات

عرض الأسم

عرض الأسم

عرض البريد

رمز التحقق